اغاني بوب ديلان والشيخ امام اعطتها المشعل لمتابعة نضال السابقين عليها حاورها: سليم البيكالتقيتها في احد مقاهي منطقة شاتليه المزدحمة، وسط باريس، قبل اندلاع الثورة التونسية بشهرين تقريباً، ثم التقيتها في مقاهٍ أخرى، وكانت في جميعها تنشغل في ربع الساعة الأولى بصب الماء في كأس الليمونادة، لتخفف من حموضته، ثم تطلب كأسا آخر من الماء، ثم تضيف بعض السكر لتكسبه حلاوة، ثم تطلب مني ألا أذكر ذلك فيما سأكتبه، ولا أعدها بشيء. لابدّ ألا شيء يعجبها بسهولة، لا شيء معد مسبقا، كما موسيقاها وأغنياتها وأدائها، حتى حين تغنّي إحدى أغنيات مارسيل خليفة مثلا، تكاد لا تكون أغنية مارسيل التي نعرفها جيدا، كأنها تضيف لها بعض الماء وبعض السكر. كدت أنشر الحوار قبل ثورة النار والأحرار كما سمّتها آمال، ثم أحرق البوعزيزي نفسه، ثم استشهد، ثم اندلعت الثورة، رائحة التراب بعد الثورة ليست كما كانت قبلها، رائحة الهواء، الشجر، البيوت، لا أعتقد أن آمال المثلوثي ستدقق كثيرا في كأس ليمونادة في تونس ما بعد الثورة، كل هذه أمور جعلتني أرتّب قليلا في حواري معها، ليكون كما ستقرأونه:* هل تذكرين بداياتك مع الغناء والموسيقى؟ ومتى وكيف قررت الاحتراف؟* بدأ شغفي بالموسيقى منذ كنت طفلة، حيث كان أبي يوقظنا كل يوم أحد على نغمات الفصول الأربعة لفيفالدي والموسيقى الكلاسيكية والجاز القديم، ثم كان يحضر لي تسجيلات أغان مدرسية كنت شغوفة بحفظها وإتقان أدائها، حتى أن المدرسة كانت تدعوني لتعليمها للصغار في الأقسام الأخرى، ثم مع سن المراهقة واكبت على ‘الاستماع لأغاني الروك وترديد الكثير منها حين اخلو الى الوحدة في البيت إلى أن دخلت الجامعة، حيث التقيت بشبان لهم ذات الشغف بالموسيقى فقررنا تكوين فرقة روك وأحيينا الكثير من الحفلات في الإطار الجامعي بعد ذلك، وتعلمت العزف على آلة الغيتار وحفظت أغاني مختلفة لجوان بايز وبوب ديلان وأديتها في الكثير من الحفلات، حيث كان أمرا جديدا أن يغنى هذا النوع من الموسيقى أو أن تغني امرأة لوحدها مع غيتار، وبعد ذلك قمت بتوزيع أغاني مارسيل وفيروز وشيخ إمام على آلة الغيتار على طريقتي الخاصة، وكان الأمر أيضاً جديداً فلاقيت نجاحاً مع الشباب وأيضاً مع الجيل القديم المولع بالأغنية البديلة الملتزمة، الذي أعجبته الروح الجديدة التي أعطيت لهذا النوع من الموسيقى، ثم في سنة 2006 بفضل تشجيع الجمهور التونسي شرعت في الكتابة والتلحين ومزج اللهجة التونسية بالألحان الغربية.* وماذا تخبريننا عن والدك وعائلتك التي ساهمت في تشكيل وعيك الفني والسياسي؟* والدي ساهم بشكل أساسي في وعيي الثقافي والسياسي فقد كانت له طريقة طريفة للغاية لتدريسنا في المنزل، وكانت لديه دائما طرائف عن التاريخ والمعارك والدين، فكانت طفولتنا متأثرة بتلك التربية المنفتحة والمتحررة، وبالتالي كانت شخصيتي مختلفة وتميل إلى رفض الخضوع ودائمة البحث والتطلع، وترك ذلك ظلا كبيرا على اختياراتي الفنية والسياسية.* كيف كان المناخ السياسي والثقافي العام في تونس قبل انتقالك إلى باريس؟* لا أذكر المناخ السياسي لأنه لم تكن لدينا سياسة يمكن أن نشارك فيها أو حتى وعي سياسي مجاز ومسموح به،’فالثقافة هي كانت السياسة الوحيدة، ليست الثقافة التي نراها في التلفزيون ووسائل الإعلام بصفة عامة، بل الثقافة التي نبحث عنها بأنفسنا بمساعدة الأصدقاء ودور الثقافة البديلة والمختصة في الفن المغاير، وكان لها دور مهم في اكتشاف الموسيقى الثورية، الموسيقى المغايرة، السينما الجديدة، المسرح الناقد الملتزم.. كان مناخا ثرياً للغاية ومنحني الكثير من الإلهام والأمل والرغبة في التجديد والابداع. ‘* ولماذا قررت الانتقال؟* بعد سلسلة من الحفلات الناجحة وبدايات واعدة في تونس’بدأت أطمح لتوسيع آفاقي ومحاولة تعريف موسيقاي على نطاق أكبر.* وأين ستقيمين الآن بعد أن انتزعت تونس حريتها؟* لا شك في أني سأعود للإقامة في تونس يوما ما، لكن ليس قبل أن أبني نجاحا مهنيا في الغرب وفي الشرق أيضا، وأعرّف بهذا النوع من الموسيقى التونسية الجديدة، أعتقد أيضا أن الباب سوف يكون مفتوحا أكثر من ذي قبل في تونس فسيكون من الأسهل المثابرة على زيارة الجمهور التونسي الآن ومده بالجديد من حين لآخر.* ما الذي أضافته باريس لمشروعك الفني في السنتين الأخيرتين؟* إقامتي في باريس أضافت ما نسبته ’70 لمشاريعي الفنية، فوجودي للاشتغال في الموسيقى بصفة حصرية تكرست أكثر للتلحين والكتابة، وساعدني الحنين للوطن كثيراً في ذلك، والأحاسيس كبرت وأخذت مقاييس لم أكن اتخيلها، في باريس هناك مناخ ملائم للغاية لكل الفنانين وهناك إمكانية كثيرة، خاصة لفناني الورلد ميوزيك، فهنا تقابل الكثير من الموسيقين المحترفين والثقافة منتشرة بكثرة، هناك مئات الحفلات كل يوم، والبعد على أرض الوطن كما قلت أعطاني قوة وإلهاما لم أكن اتصورهما من قبل.* هل من مضايقات كانت تمارسها أجهزة النظام المخلوع في تونس عليك نظرا لطبيعة مشروعك الموسيقي/الغنائي؟* لم أخضع لمضايقات معينة أو ايقافات وغيره،’لكني لم أستطع الوصول بطريقة سهلة للمهرجانات الوطنية ولوسائل الإعلام الوطنية أيضا فلم يكن بالسهل الوصول للجمهور’إلا أنه رغما عن النظام أصبح الانترنت وسيلة اتصال عظيمة للشباب التونسي’وبذلك كان من الأسهل على الجمهور أن يتابع أعمالي وحفلاتي في البلدان الأخرى عن كثب.* لماذا اخترت الطريق الصعبة في مشروعك، أقصد أنك تغنين للحرية والأسرى وتونس وفلسطين وتغنين قصائد لمحمود درويش وأغاني لمارسيل خليفة، وذلك لا يجذب جمهورا وبالتالي شركات إنتاج؟* أنا لم اخترها، بل هي اختارتني قد يكون تأثير الجينات نظرا لماضي والدي الثوري في الستينات والسبعينات من القرن الماضي، منذ صغري كنت متمردة ولا أقبل القهر والظلم والسلطة في المدرسة أو في البيت، فكان من الطبيعي أن أرتاح لموسيقى مارسيل أو بوب ديلان أو الشيخ إمام وكلماتهم التي أعطتني الشعلة الضرورية لمتابعة نضالهم والمشي على خطواتهم، وبالطبع هناك ثمن، اخترت الحرية والحقيقة لذا أنا سعيدة وأنا متأكدة أن ذلك هو الطريق الصح، والدليل هو أنني اكتسبت جمهورا وتلقيت تشجيعا اكتسبته بصدقي واحساسي. ‘* غنيت لتونس قبل حريتها’ يا تونس المسكينة’، الآن، ماذا ستغنين لها؟* الآن سأغني يا تونس يا عظيمة، سأواصل الغناء للأحرار لأبطال الثورة للشعب المغوار.’* سنبقى دائما في الثورة الشعبية في تونس، ثم نيلها الحرية، ما دور الفنان/المثقف في ثورة كالتي حصلت في تونس، قبل اندلاعها وأثناءها، ثم بعد تحول الثورة إلى حالة حرية/ديمقراطية (على أمل ألا يسرقها طرف ما) ما دور الفنان في كل هذه المراحل؟* يمكننا أن نقول أن دور الفنان أو بعض الفنانين كان مهما بنسبة ’20 في هذه الثورة بمجرد أنهم ساهموا في توعية كمية لا بأس بها من الطبقات الشعبية، خاصة الشباب والجيل الجديد الذي لم يعد يقبل أن يهان ويغسل مخه مثل السنوات التي مرت، وبدأ يطالب بحقه في الاختيار وحقه في معرفة الحقيقة، ولم يعد يقبل تفاهات النظام السابق وكذبه الفاحش، أثناء اندلاع الثورة تكونت موجة ابتدأت من بوعزيزي وسيدي بوزيد والعاطلين عن العمل والمحرومين، إلى النقابة ثم المحامين ثم الفنانين الذين اعتدت عليهم الشرطة بالضرب في وقفتهم الاحتجاجية فكانت الضربة القاضية الأخيرة للنظام الاستبدادي الذي لا يحترم حتى فنانيه وجمرة من جمرات البركان التونسي، وشارك آخرون في المظاهرات التي نظمها اتحاد الشغل..* وأنت؟* أنا شاركت في أول ‘مظاهرات مساندة للثورة الشعبية في تونس وباريس قبل سقوط النظام منذ شهر كانون الاول/ ديسمبر وأهديت آخر حفلاتي في مدينة صفاقس يوم 23 ديسمبر الفارط إلى روح البوعزيزي ومدينة سيدي بوزيد، مما أدى إلى غضب مسؤولي الحفلة لخوفهم من العقوبات التي قد تنجر نظرا لحساسية الفترة، والآن وقد وسع الطريق فسوف يكون لدوره كل الأهمية للحفاظ على هذه الحرية الجديدة ومساعدة الشعب في اختيار أحسن طريق لبناء تونس الجديدة.* حسنا، لكل تونسي الحق في تسمية هذه الثورة كحق الأمهات في تسمية أطفالهن بعد أشهر الحمل ومخاض الولادة، ماذا تحبين أن تسمينها؟* أحسن تسمية يمكن أن تطلق على هذه الثورة هي ثورة النار والأحرار.* لماذا؟* لأنها ابتدأت بالنار وأطلقت النار على الشعب المقهور، فتأتي التسمية تكريما لهؤلاء الذين أعطو أرواحهم وحياتهم’.’* هل ترين أملا في أن تشكل الثورة في تونس حالة ناهضة لتحرّكات شعبية عربية أشمل؟* آمل واتمنى أن يكون ذلك. وأنا متفائلة جدا بأن الثورة التونسية ونضج الشباب التونسي سوف تحرك الكثير في العالم العربي، هذه البداية و’مازال مازال’ كما نقول بالتونسي.* أقمت في الفترة الأخيرة حفلات في بلدان عدة، ماذا عن الأيام القادمة؟ حفلات؟ اسطوانة؟ أم إجازة من كل شيء تقضينها في تونس؟* أخذت إجازة قصيرة لأعيش الأحداث هذه الإيام في تونس وغنيت في شارع الحبيب بورقيبة عند اشعال شموع ترحما على ‘الشهداء، والآن أنا منغمسة كليا في تسجيل وإعداد اسطوانتي الجديدة التي ستظهر الوجه الجديد لآمال المثلوثي، التي سوف تجمع كل الأغاني التي ترمز لكفاح الشعب ونضاله من أجل الحق والحرية وسأعود في الصيف إلى المهرجانات.’* أخيرا، ماذا تقولين للشهداء الذين سقطوا (أو ارتقوا) في الثورة، ثم لأبناء شعبك في تونس والمنافي، ثم للفلسطينيين والعرب، ثم للعالم أجمع؟’* للشهداء، خيالكم طايف معايا روحكم تحلق في سمايا انتم نار انتم جمرة تسقي شعلة الثورة انتم دم فوق الراية، انتم جرح الأمة اللي ما يبراش انتم عين الموت اللي ما تنساش عمري ما انسى شكون انتم.
لابناء تونس، انتم ريح الحرية المنسية فاتحدوا اتحدوا وواصلوا الكفاح تابعوا النضال في سبيل الحق والكرامة. ”للفلسطينيين، أنتم رمز الكفاح بين الخير والشر بين الظلم والحق، رمز للصمود النبيل، بعد سقوط نظام بن علي المستبد كلهم سيخافونكم فانتم المقبلون، أنتم شمعة المشرق ومقاومتكم هي الشعلة التي تذوي داخل كل تونسي.
للعرب، دق جرس الحرية فتعالوا طالبوا بها.
للعالم، يقظة الشعب التونسي أخذت وقتاً لكن من الآن فصاعداً سوف يضرب المثل بشجاعة الشعب التونسي وقدرته على الكفاح،’سوف يضرب المثل بالديمقراطية التونسية، تسلحو بالثورة التونسية ضد قهر الحرية.