المفاجأة القادمة في انتخابات تونس

حجم الخط
16

يتوجه خمسة ملايين و237 ألف ناخب تونسي (اليوم في الخارج والأحد المقبل في الداخل) الى صناديق الإقتراع لاختيار نوابهم للبرلمان التونسي للخمس سنوات القادمة حيث يتنافس أكثر من 1300 قائمة حزبية ومستقلة يشارك في خوضها أكثر من مئتي حزب على 217 مقعداً، في مشهد يعكس آفاق الحرية الكبيرة التي فتحها انتصار الثورة التونسية عام 2011، ولكنه يعكس أيضاً آفاق المأزق الكبير الذي دخلت فيه الثورات العربية، والذي نجت تونس، حتى الآن، من تبعاته الكارثية على الدول والمجتمعات ومؤسساتها العسكرية والمدنية.
تونس البلد الصغير الذي يحاذيه جغرافياً البحر المتوسط، الذي أصبح معادلاً رمزياً للاقتراب من الحضارة الأوروبية، وكذلك عائقاً تتساقط في مياهه جثث ضحايا الحالمين بالهرب من قارة الجوع والأمراض والمآسي، فيما تحيط بها الصحراء، وبلدان كبيرة مشغولة بهمومها، فتبعدها تضاربات مصالحهم عن خطر الابتلاع، وتسمح لها بالتالي في التفتّح كمعجزة صغيرة بين أوروبا وإفريقيا.
هناك فئات واسعة من التونسيين لا تدرك بالتأكيد الأهمية الخطيرة لنجاح تجربتهم، ولا تستوعب الصراعات العربية والعالمية الدائرة حول هذه التجربة، ويعود ذلك بالتأكيد الى الهزّات السياسية والاقتصادية ومشاعر الإحباط للعديدين الذين يعتبرون أن البلاد تدهورت وأن أحوال الناس كانت أفضل قبل الثورة، واكتشف هؤلاء أن إسقاط الرئيس السابق زين العابدين بن علي والحاشية الملتفة لم يكن كافياً لتغيير حياة التونسيين نحو الأحسن، وهو ما أدى الى تذمر كبير من الطبقة السياسية التونسية معتبرين أن أداءها لم يكن بمستوى الطموح الكبير للشعب التونسي.
وقد توجّه جلّ النقد الى الحكام الذين جاؤوا بعد الثورة، ويقوم جزء كبير من الانتقاد على استمرار نسبة البطالة المرتفعة التي كانت من أسباب الثورة، وبحسب بعض الإحصائيات فإن أكثر من 30 بالمئة من إجمالي العاطلين هم من خريجي الجامعات، أي أنهم من الفئات المتعلمة وهي أكثر الفئات ديناميكية على المستوى السياسي.
وتحمّلت حركة «النهضة» الإسلامية، وشركاؤها في الحكم، الجزء الأكبر من هذه الانتقادات، وهي مسؤولة بالتأكيد، بوزنها داخل البرلمان والحكومة عن تقديم إجابات حقيقية على الاستحقاقات المطروحة عليها، وهي تتجاوز بالضرورة قضية البطالة إلى التردّي العام للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
لكن أسباب التردّي العام لا تكمن طبعاً في الأيديولوجية الإسلامية للحركة، كما يحلو لخصوم الحركة التلويح به، بل في الظرف السياسي والاقتصادي الحرج الذي تمرّ به تونس وهو أمر أكبر بالتأكيد من قدرات حركة «النهضة» أو غيرها على الحل.
لا يمكن إنكار أن قوى عربية وتونسية مناهضة للثورة استثمرت الكثير من الأموال والوسائل الإعلامية في تكريس الخطاب الأيديولوجي المضاد للثورة، لا لاستهداف «النهضة» ومشروعها فحسب، وبوصلتها في ذلك هي ضرب قوى الاعتدال الإسلامي ودفعها باتجاه التطرّف ثم تأليب الجمهور المحلي والعالمي ضدّها بصفتها قوى «إرهابية»، وهو المخطط الذي استطاعت «النهضة» وجهات سياسية أخرى التصدّي لها.
الصراع السياسي عن طريق الانتخابات هو الأسلوب الأمثل لخروج تونس من الحروب العربية والإقليمية المستحكمة، لكن القوى المضادة للثورة، المقنعة تحت أقنعة عديدة، تهدد إن لم تأت صناديق الإقتراع بما ترغب، وهو أسلوب ابتزاز لا يقلّ بؤساً عن العنف الأعمى لحركات السلفية المسلحة.
وهذه القوى التي تراهن على مفاعيل إحباط الشعب التونسي لإعادة عقارب الساعة إلى الخلف، ستتفاجأ، على الأغلب، من قدرة التوانسة على اختيار المستقبل رغم صعوباته على الماضي الاستبدادي الذي تعمل تلك القوى على استعادته.

رأي القدس

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية