المفارقة والتناص في قصص «صفٌ وصفوةٌ» للمغربي رضا نازه

المفارقة
حجم الخط
0

جدلية النقائض

يمتح القاص رضا نازه إبداعه من انعكاس صورة المجتمع، وانطلاقا من الرصد والمتابعة أو من التجربة الذاتية.. وتفرض بعض السلوكيات الضدية والنقيضة سلطتها لتصبح مادة سردية حاضرة في مركز النص. والإنسان تظهر سلوكياته مفسرة الشرخ النفسي الذي يعانيه، في ظل أزمات كثيرة وفي ظل العولمة وطاحونة الحياة الحديثة.
في بحثنا عن النقائض في أفعال الشخصيات وحياتها ضمن قصص «صف وصفوة» ننطلق من قصة «حمّالتان»: إذ ترصد القصة امرأتين تعملان في حمل السلع، بمعبر سبتة. قال السارد: «انطلق سيل النساء الحمالات في المقدمة من جديد. انطلقتا هنا كذلك تتبعان تيارا بشريا يشبه الدواب الرواحل إلا أن الدواب عجماء». ورغم حمولتهما الثقيلة والهرولة إلا أن واحدة تحكي للأخرى أحداث مسلسل حب، حتى عبرتا، قال: «تمَّ العبور على إيقاع مسلسل حب فاتت إحداهن حلقة منه». هنا برز النقيضان، انطلاقا من طرح المقارنة بين واقع مأزوم تعيشه الشخصيات وواقع تحلم به من خلال مسلسل تركي.
في البنية القصصية تلعب الشخصيات «دور الفاعل في مجرى الأحداث، ما يتطلب منها مواقف وردود أفعال فكرية أو فلسفية… يجعلها بمثابة مرآة تعكس ما يجري في واقع معين، وفي فترة معينة (ضمينا أو بشكل مباشر)». في قصة «تَذْمُرْ»، قام السارد بمساعدةِ مُقعد يُكابد الصعود إلى الحافلة، ثم اكتشف أنه وقع ضحية نصب، قال: «أحسست بأشخاص ورائي يزحمونني مستعجلين الصعود»، «ثم أحسست بيد تمتد لجيبي الخلفي كالبرق»- «وفجأة انتهى كل شيء وانفسح المشهد. عادوا أدراجهم واختفوا، بينما المعاق انسل بين المقاعد كلعبة صينية اشتغلت بطاريتها فجأة فتكهربت وانطلقت لا يوقفها شيء. اللعين.. كان شريكا وشركا نصبوه لي في زحمة اصطنعوها للتضليل». فالسارد قام بمساعدة المقعد لأن ضميره الأخلاقي يملي عليه ذلك، غير أن سلوكه عاد عليه بما لا يرضيه، إذ وقع ضحية نصب متقنة أدرك معها حجم مصيبته التي شعر بأنه فقد معها حسنته مع نقوده الزهيدة التي هي كل ما كان يملك، قال: «آه.. أين حسنتي؟ أين نقودي؟ تسمرت مشدوها والركاب يستعجلونني لإخلاء الممر، غفر الله لهم لم يمهلوني لهضم مصيبتي». ومن بين ما فقده كذلك هو ثقته في المجتمع كلية: «جلست إزاء نافذة الإغاثة شاردا، ومكثت أتأمل المارة من خلال الزجاج. لا أمان لهم ولا أمان فيهم». وحين نكمل القصة نرى أن سلوكا آخر يبين النقيض، وهو ظهور كبير أولئك النشالين عبر زجاج النافذة في إشارة توعد للسارد، وبيده قصاصة جريدة لأنهم أخطأوا الهدف، فتساءل السارد: «زاد ذهولي.. بأيّ حق عاد يلومني؟ بدعوى بؤس لا يد لي فيه».
أما المجند في قصة «كل الناس» فقد قام بقتل مواطن بريء قبل إعلان حظر التجول، وفي مناسبة شهر رمضان. قال السارد: «عند السابعة وخمس وأربعين دقيقة دوت طلقة المدفع من بعيد وارتفع الأذان. ناداه زملاؤه، بينما هو قد لفت انتباهه على مسافة متوسطة شخص يهرول عابرا إلى زقاق مُتعامد. تفرس فيه مليا وضغط على الزناد. سُمعت طلقة نافلة بعد طلقة المدفع». وكان سلوك المجند مناقضا ومخالفا للقيم لهذا صرخ رفاقه: «يا له من مجنون أفطر بشربة دم».

السارد قام بمساعدة المقعد لأن ضميره الأخلاقي يملي عليه ذلك، غير أن سلوكه عاد عليه بما لا يرضيه، إذ وقع ضحية نصب متقنة أدرك معها حجم مصيبته التي شعر بأنه فقد معها حسنته مع نقوده الزهيد.

التناص

نجد في المجموعة تفاعلا حواريا مع نصوص أخرى تشكل مضمرا يتمثل في نص غائب، وهذا ما سماه ميخائيل باختين الطابع الحواري للنص الأدبي، ثم جاءت جوليا كريستيفا ووظفت مصطلح التناص لأول مرة في النظرية النقدية الحديثة. و«هو آلية ملازمة لأي نص كيفما كان جنسه، وفي كل زمان ومكان؛ إنه بهذا المعنى فعل لغوي وثقافي مؤسس لعملية الكتابة التي لا تعترف بالحدود الأجناسية». ثم صار مع ميشال ريفاتير «آلية خاصة للقراءة الأدبية، ومرتبة من مراتب التأويل الأدبي. ولهذا عرف التناص بأنه إدراك القارئ للعلاقة بين نص ونصوص أخرى قد تسبقه أو تعاصره».
نبحث في قصص «صف وصفوة «عن أنواع التناص التي شكلت حضور النص الغائب ضمنها، مع وضع بعض التأويلات لعلها تساهم في توضيح علاقة النصين ببعضهما:

التناص مع القرآن

لا تخلو المجموعة من تناص قرآني يوظفه الكاتب بشكل كبير، بعمق فني وتقنية تخدم النص المقروء شكلا ومضمونا وإيحاءً. من الأمثلة:
*«جلسوا متقابلين على الأرائك». وهو ما يتناص مع الآية: «متكئين فيها على الأرائك» وقد ورد هذا في قصة «جيران» التي تعالج مسألة اختراق موجة من المسلسلات التركية للبيوت، ما يعطي هذا التوظيف بعدا إيحائيا يُنتج مفارقة، وهي كما يلي: إذا كانت الآية المذكورة تصف حال أهل الجنة حسب سياقها السابق واللاحق الذي جاءت فيه، فإن عبارة القصة تشير إلى أن تلك المسلسلات وما تعرضه من شخصيات تعيش في نعيم وترف، وفي عوالم خاصة، لا تتوافق مع بنيات المجتمعات التي مازال الفرد فيها يكابد الفقر.
*«ضحكُ السادة مأدُبة، لا تمُدَّنَّ إليها عضلات وجهك حتى يؤذن لك». يتناص مع: «ولا تمُدَّنَّ عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا». كناية عن شدة المنع. واستخدم نون التوكيد الثقلة، دليلا على المبالغة في وصف المشهد.
*«وكيف تصبر والذي أمامك ليس خضرا يُخفي تناقض أفعاله سرا إلهيا يُنبئك بتأويله..». تناص مع قصة موسى والخضر، في سورة الكهف: «قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا».
*«وحوله كتيبة من الذين غلبوا على أمرهم واتخذوا عليه سجنا..». يتناص مع: «قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجدا». وتعمد الكاتب توظيف هذا التناص؛ لأنه شبَّه الرجل الخارج من السجن بأصحاب الكهف، كناية عن لبثه في السجن سنوات كثيرة.

التناص مع الأدب العربي

من مثل:
*عنوان قصة «بانت سعاد» يتناص مع مطلع قصيدة كعب بن زهير «بانت سعاد فقلبي اليوم متبول». نجد أن سعاد في القصة هي سيارة السارد التي جُرت إلى مستودع بأطراف المدينة. وعبارة «بانت» تحتمل معنيين: بعدت أو فارقت، ويخص بداية القصة ومُعاناة بحث السارد عن سيارته. والثاني: ظهرت، وهذا يخص النهاية حين وجدها في المستودع ودفع الغرامة وأخرجها.
*عنوان قصة «رجل في الشمس». يتناص مع عنوان رواية غسان كنفاني الموسومة بـ «رجــــال في الشمــــس». ومن خلال العنوان فإن النـــص يستحضر النص الغائب ليوظـــفه توظيفـــــا إيحائيا، يلمح إلى المشترك بين مضمون قصـــة «رجل في الشمس» ورواية «رجال في الشمس»، التي تصور الإنسان في ضياعه داخل وطنه، وفقدانه لكرامته وهويته.
*«علِّمهم سكنى الغاب دون القصور.. اتباع السواقي والتنشُّف بالنور…وعلمهم أن الناس حروفُ ماءٍ اصطفَّت في سطور». يتناص مع أبيات جبران خليل جبران من قصيدته المواكب:
«هل اتخذت الغاب مثلي * منزلا دون القصور
فتتبعت الســواقي٭ وتسلقت الصخور؟
هل تحممت بعطـر ٭ وتنشفت بنور»
*«حتى لم أر عيدا هناك ولا بأية حال قد عاد ذاك العيد». يتناص مع قول المتنبي: «عيدٌ بأيّةِ حالٍ عُدتَ يا عيدُ ٭ بمَا مَضَى أمْ بأمْرٍ فيكَ تجْديدُ»

التناص مع التاريخ

نأخذ مثلا:
*«ريشة يحيى الواسطي مرّت هنا ووضعت على رؤوس الحاضرين رزات ملفوفة بإحكام». هذا الوصف يجعل القارئ يستحضر لوحات الرسام والخطاط يحيى الواسطي (الذي عاش في العصر العباسي)، لتحضر لديه صورة كاملة لبيئة شخصيات القصة، والتي كأنها تنتمي إلى قرون أخرى.
* «تجد نفسك هنا.. البحر أمامك بدون استجمام والغرامة وراءك». العبارة تجعلنا نستحضر خطبة طارق بن زياد عند إحراقه للسفن: «البحر من ورائكم والعدو أمامكم».
*«سأقنع حتى الإله أن يعيد الأرض المقدسة لقومك، لو كنتُ الملك هيرودس لأهديتك من جديد رأس يوحنا المعمدان شرط أن تكون سالومي هي أنت». استحضار لواقعة قتل الملك هيرودس ليوحنا المعمدان، وتقديم رأسه لسالومي ابنة زوجته هيروديا التي طلبت منه ذلك، مما يخدم مغزى قصة «وعد بلفار».

التناص مع الأسطورة

*«ضجت القاعة من كلامه المنغص لحضور روحي إيروس ورفيقه باخوس قبيل قليل». وظف الكاتب هذين الاسمين في سياق قصة «المسألة العظمى» لما لهما من خلفية رمزية في الميثولوجيا الإغريقية. *استثمر القاص أسطورة عازف الناي ومدينة الفئران، في قصة «عازف»، ليجعلها كنص غائب يخدم نصه. *«بدت على سفوح التل مثل حوريات عوليس تضع زعنفتها في البحر وتنادي بالغواية والضلال». وهو استثمار بارز لرمزية الشخصية الأسطورية عوليس أو أوليس، وحورياته.
* «صف وصفوة»، مجموعة قصصية للقاص المغربي رضا نازه تقع في 175 صفحة – المطبعة والوراقة الوطنية /مراكش. الطبعة الأولى: 2018.

٭ كاتب مغربي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية