الدوحة ـ «القدس العربي»: حققت قطر اختراقاً قوياً في ملف طهران النووي وجمعها طرفي القضية إيران والولايات المتحدة على طاولة المفاوضات، بعد ما كان المسار متعثراً وكاد يصل مرحلة الموت السريري مع بداية الحرب الروسية في أوكرانيا.
وجددت قطر بإعلان استضافتها جولة المفاوضات غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، ترسيخ اسمها عاصمة للدبلوماسية والحوار والنقاشات الهادفة لنزع فتيل الأزمات ومسبباتها.
وتطلع صناع القرار في دول العالم إلى ما ستسفر عنه المفاوضات التي رعاها الوسيط الأوروبي، الذي يبحث عن مخرج لتفادي انهيار مفاوضات فيينا التي انفجرت قبل فترة.
وحسب عدد من المصادر القريبة من الملف، فإن المفاوضات يحكمها مقدار وحجم التنازلات التي يمكن لطرفيها تقديمها.
الولايات المتحدة:
تعهدات إيرانية
تسعى الولايات المتحدة لفرض حد من الضبط على سياسات إيران الخارجية ودفعها لتحجيم أذرعها التي تعتبر أنها منتشرة في المنطقة مشكلة هلالاً على حد وصف أحد المسؤولين سابقاً.
الهلال الشيعي الذي تتحرك في مجاله إيران بحسب المناوئين لها يمتد من اليمن جنوباً مروراً بالسعودية ودول الخليج، مع العراق، ليلتف حتى الشام والمشرق.
المصادر تؤكد أن واشنطن تطالب طهران بتقديم تعهدات ملزمة للعب دور إيجابي في المنطقة، وعدم تجاوز دول المنطقة الأخرى في الإقليم.
وحتى الآن تبدي الولايات المتّحدة في العلن ما تقول إنها خيبة أمل لعدم إحراز «أيّ تقدّم» في المفاوضات غير المباشرة التي جرت بينها وبين إيران في العاصمة القطرية بهدف إحياء الاتفاق الذي أبرم في 2015 في فيينا حول البرنامج النووي الإيراني.
المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية أعلن سريعاً أنّ «المحادثات غير المباشرة في الدوحة انتهت» و«نشعر بخيبة أمل لأنّ إيران رفضت مرة أخرى، الاستجابة بشكل إيجابي لمبادرة الاتّحاد الأوروبي، وبالتالي لم يتمّ إحراز أيّ تقدم».
وفي تحليل تصريحه أن المحادثات فشلت لأنّ «إيران أثارت نقاطاً لا علاقة لها بخطة العمل الشاملة المشتركة (الاسم الرسمي لاتفاق 2015) وهي لا تبدو مستعدّة لاتخاذ القرار الجوهري بشأن ما إذا كانت تريد إحياء الاتفاق أم دفنه» تتضح الرؤية الأمريكية من المفاوضات.
ولا تبدي واشنطن حتى الآن نية لمنح طهران نقاط قوة تعزز من حضورها أكثر في السياسة الدولية، وتكسبها جولة أخرى في المفاوضات التي ترى واشنطن حتى الآن أنها أنهت الجولة بنقاط الفوز الحاسمة.
وتؤكد مصادر أمريكية عدة أن ساسة واشنطن حتى الآن يخشون من موضوع المفاوضات، أو منح طهران تنازلات تسجل عليهم، أو يتعرضون لانتقادات وهجوم مستقبلاً.
ويستغل العديد من النواب والساسة المحسوبين على الجمهوريين الاتفاق النووي الذي وقعته إدارة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما ونائبه آنذاك الرئيس الحالي جو بايدن.
وأتى تصريح المتحدّث الأمريكي بعيد إعلان منسّق الاتحاد الأوروبي في المفاوضات مع إيران إنريكي مورا أنّ محادثات الدوحة لم تسفر عن «التقدّم» الذي يأمله الاتحاد.
إيران: الحصول
على تنازلات ومكاسب
تحاول السلطات الإيرانية من خلال مفاوضات قطر الحصول على تعهدات أمريكية وغربية بعدم التنصل مستقبلاً من أي اتفاق جديد يوقع بما يضمن معه تنفيذ طلباتها.
وذكرت مصادر قريبة من المفاوضات أن الجانب الإيراني يصر على تحقيق مكاسب من المسار، خصوصاً وأن طهران تقرأ جيداً المعادلات الدولية الراهنة التي فرضتها الحرب التي تشنها روسيا في أوكرانياً، وما خلفته من إرباك في العالم.
ومن أبرز المكاسب التي تود إيران تحقيقها فك القيود الاقتصادية المفروضة عليها، سواء العقوبات الغربية، أو الحصول على أرصدتها المجمدة.
كما تراهن طهران على رفع إنتاجها من النفط، مستفيدة من حاجة الغرب لتعويض الإنتاج الروسي.
تنازلات ونقاط مساومة
تحاول الولايات المتحدة معرفة والتفاوض حول مصير 6 أمريكيين محتجزين في إيران، إضافة لتعهدات طهران بخصوص سياستها، ووقف برنامجها النووي.
وستكون هذه النقاط محور مساومة إيرانية للمضي أكثر في مفاوضات قطر التي يرعاها الوسيط الأوروبي.
ويؤكد المتابعون أن ما جرى في العاصمة القطرية هو مرحلة ما قبل إعلان الاتفاق، ومحاولة لتفكيك الخلافات السياسية التي تحول دون المضي قدماً نحو الإعلان الرسمي.
وكتب مورا في تغريدة على تويتر أرفقها بصورة له خلال لقاء مع كبير مفاوضي الجمهورية الإسلامية علي باقري «يومان مكثفان من المحادثات غير المباشرة في الدوحة».
وأضاف «لسوء الحظ، لم تؤد بعد للتقدم الذي كان يأمله فريق الاتحاد الأوروبي. سنواصل العمل بإلحاح أكبر لإعادة الاتفاق الذي يخدم منع الانتشار النووي والاستقرار الإقليمي لمساره».
ويفهم من تصريح المتحدث باسم الاتحاد الأوروبي بيتر ستانو، إنّ المحادثات في الدوحة ليست بديلاً عن مفاوضات فيينا، بل تهدف إلى حل المسائل العالقة بين الولايات المتحدة وإيران للسماح بالتقدم في المحادثات الأخرى مع الدول الكبرى.
وسربت مصادر مختلفة معلومات نشرتها وكالة «تسنيم» التابعة للحرس الثوري الإيراني، من أن إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن مسؤولة عن عدم تحقيق تقدم في المحادثات بسبب «ضعفها وعدم قدرتها على اتخاذ قرار نهائي». وتكشف «تسنيم» أن «ما منع تلك المفاوضات من الوصول إلى نتائج هو إصرار الولايات المتحدة على مسودتها المقترحة في فيينا التي لا تشمل أي ضمانات للمنافع الاقتصادية الإيرانية».
وحتى الآن تسعى إدارة الرئيس جو بايدن للعودة إلى الاتفاق، معتبرة أنّ هذا المسار هو الأفضل مع الجمهورية الإسلامية رغم إعرابها عن تشاؤم متنام في الأسابيع الأخيرة.
طريق مسدود في فيينا
وفي فيينا، وإلى وقت قريب حققت المفاوضات تقدماً جعل المعنيين قريبين من إنجاز اتفاق، إلا أنّها وصلت إلى طريق مسدود منذ آذار/مارس الماضي مع تبقّي نقاط تباين بين طهران وواشنطن، خصوصا في ما يتعلق بمطلب طهران رفع اسم الحرس الثوري الإيراني من قائمة «المنظمات الإرهابية الأجنبية» التي تعتمدها واشنطن.
وجدّدت إيران أيضا المطالبة بضمانات أمريكية لعدم تكرار انسحاب واشنطن من الاتفاق.
وتقول إدارة بايدن إنّ شطب الحرس الثوري من القائمة السوداء، وهي خطوة من المؤكد أنها ستغضب الكثير من أعضاء الكونغرس، تقع خارج نطاق المحادثات لإحياء الاتفاق النووي.
«التخلي عن المطالب»
كانت وزارة الخارجية الأمريكية أعلنت في وقت سابق الاستعداد لإبرام وتنفيذ الاتفاق الذي تم التفاوض عليه في فيينا على الفور من أجل العودة المتبادلة إلى التنفيذ الكامل لخطة العمل الشاملة المشتركة.
لكن مسؤولين من الإدارة ما زالوا يتشددون ويؤكدون على ضرورة تخلي إيران عن مطالبها الإضافية التي «تتجاوز خطة العمل الشاملة المشتركة» أي الاتفاق النووي.
قطر تسعى لإنجاح المفاوضات
سعت السلطات القطرية لإنجاح المفاوضات بين الطرفين، ووفرت كل الإمكانات التي تسمح للتوصل لتفاهم.
وقالت الخارجية القطرية في بيان إنها «تأمل أن تتوج محادثات الدوحة بنتائج إيجابية».
وأكد المتحدث باسم الوزارة ماجد الأنصاري في تصريح صحافي أن الدور القطري تمثل في استضافة المباحثات غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، مشدداً على أن ذلك دليل على ثقة الأطراف في الدوحة وما بذلته من جهود.
وكانت قطر محطة رئيسية في جولة خارجية للرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي لمناقشة القضايا الإقليمية وملفها النووي على ضوء التحركات الدولية الراهنة.
وكان الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي تسلم دعوة رسمية من أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، للمشاركة في قمة الدول المصدرة للغاز، وذلك خلال استقبال وزير الخارجية القطري، الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني.
واعتبر رئيسي أن «أولوية السياسة الخارجية لإيران في العهد الجديد هي تطوير وتعميق العلاقات والتعاون مع دول المنطقة والدول المجاورة» وأكد أن «طهران ترى أن التعاون الإقليمي يصب لصالح السلام والأمن والتنمية لشعوب المنطقة وترحب بهذا التعاون». وانسحبت الولايات المتحدة من الاتفاق حول الملف النووي الإيراني عام 2018 في عهد رئيسها السابق دونالد ترامب وأعادت فرض عقوبات اقتصادية على طهران. وردّت إيران بعد عام ببدء التراجع عن كثير من التزاماتها الأساسية، أبرزها مستويات تخصيب اليورانيوم.
وسعت إدارة الرئيس جو بايدن للعودة إلى الاتفاق، معتبرة أن هذا المسار هو الأفضل مع الجمهورية الإسلامية على الرغم من إعرابها عن تشاؤم متنام في الأسابيع الأخيرة. وتأتي محادثات الدوحة قبل زيارة مرتقبة لبايدن إلى السعودية منتصف الشهر المقبل.
وفي فيينا، حققت المفاوضات تقدما جعل المعنيين قريبين من إنجاز اتفاق، إلا أنها وصلت إلى طريق مسدود منذ آذار/مارس مع تبقّي نقاط تباين بين طهران وواشنطن، خصوصا فيما يتعلق بمطلب طهران رفع اسم الحرس الثوري الإيراني من قائمة واشنطن لـ«المنظمات الإرهابية الأجنبية».