سواءٌ اتفقنا مع هذه المفاوضات أو اختلفنا على الشكل والأسلوب والطريقة التي تم فيها انعقاد المؤتمر الخاص بإطلاق المفاوضات المباشرة برعاية أمريكية ودولية وعربية، وسواء كانت عملية الذهاب لهذه المفاوضات فعلا ذاتيا أو بفعل الضغوط الخارجية على المستوى الاقليمي والدولي، التي مورست على القيادة الفلسطينية بشكل كبير بعيداً عن الأضواء، وسواء اختلفتم معي أو اتفقتم بأن هذه المفاوضات مصلحة وضرورة فلسطينية في هذه المرحلة، كوننا لا نملك بديلاً آخر، خاصة في ظل الوضع العربي والدولي المعقد، ووضعنا الفلسطيني المنقسم على ذاته، فان الطرفين الفلسطيني والاسرائيلي عادا للتفاوض مرة أخرى وفق جدول زمني تم الاتفاق عليه، شئنا أم أبينا، قبلنا أو رفضنا، سكتنا أو شجبنا، وقد كان ما كان من حفل مهيب في حديقة البيت الابيض استغله نتنياهو ليقول كلاماً مزوراً ومزيفاً ليلطخ التاريخ به، ويضيف أكذوبه جديدة على نهج بلفور الكاذب الأكبر في التاريخ حينما قال ‘ارض بلا شعب’ وها هو نتنياهو ومن دون أن يجد من يستنكر كلامه الذي قال فيه ‘عدنا لأرض الاجداد’ وكان يريد من هذا الكلام أن يصنع ذاكرةً مزورة لكل الذين يشاهدونه عبر الفضائيات في العالم، ليخيب امال الذين قالوا في نتنياهو كلاماً مختلفا واستبشروا أنه فعلاً يريد السلام، فقام بتوجيه صفعة شديدة حتى لأوباما الذي راهن على موقف مغاير قد يحمله نتنياهو، لكنه أصرّ على ممارسة عنصريته حتى في احضان البيت الأبيض وساق مجموعة من الأكاذيب التي ملأت خطابه وازدحمت حنجرته بها. وقد راقبنا بشغف هذا الاحتفال الذي جمع الى جانب الفلسطينيين والاسرائيليين الرئيس المصري والعاهل الاردني وعددا من الدبلوماسيين الغربيين الذين أتوا ليشهدوا انطلاق المفاوضات مرة أخرى، وكثيراً ما شهدوا مفاوضات فشلت أو أفشلها الإسرائيليون بممارساتهم ونواياهم المبيتة والتي كان آخرها عزل اولمرت عن كرسي الحكم في إسرائيل واتهامه بقضايا فساد مالي بعدما كان قد توصل الى تفاهمات متقدمة مع القيادة الفلسطينية حاله حال رابين الذي أسقط أرضاً وأطلقت عليه الرصاصات من قبل اليمين الحاكم في إسرائيل اليوم، الذي يدعي بأرض الاباء والأجداد وينطلق منها باتجاه مفاوضات الحل الدائم ليحكم عليها مسبقاً بالفشل. انعقد مؤتمر السلام في البيت الأبيض وبالتاريخ المحدد الثاني من ايلول (سبتمبر) لتتحقق أمنية أوباما الرئيس الجديد القادم بأحلامه الكبيرة وغالبيتها أحلام شخصية لا تتعدى الصور الفوتوغرافيه والاحتفالات والخطابات الداعية الى التسامح والسلام والعدالة، بينما ليس فيها أي جدية على الأرض، خاصة بما يتعلق بالقضية الفلسطينية ولو كان غير ذلك للمسنا شيئاً منها عبر الشهور الماضية، لكنه أثبت مرة أخرى انحيازه لإسرائيل كسابقيه ممن حكموا الولايات المتحده وقد ظهر ذلك جلياً في عجزه عن اتخاذ موقف صريح من الحكومة الإسرائيلية بشأن وقف البناء في المستوطنات وتهويد القدس قبل البدء في المفاوضات المباشرة، وليس هذا فحسب بل تواطأ معه في خطابه الذي أدعى فيه كذباً بأنه عاد الى أرض الأجداد واشترك بذلك عمداً وبقصد في تزوير التاريخ.
انها مؤامرة الأقوياء الذين يعتقدون في ذاتهم بأنه يمكن لمجموعة كلمات أن تزور التاريخ وتبدل حقوق شعب بأكمله وتشطب الذكريات الحقيقية والحقوق التاريخية بأخرى مزيفة ولم يعلموا أن هذا الصراع الطويل يؤكد في كل يوم أن التاريخ لا تستطيع أي قوة أن تغيره مهما علا جبروتها ومهما طغت بالأرض.
بهاء رحال