المفكر السوداني الدكتور منصور خالد يفتح خزائن اسراره لـ القدس العربي (5)

حجم الخط
1

المفكر السوداني الدكتور منصور خالد يفتح خزائن اسراره لـ القدس العربي (5)

الهالة الاعلامية حول النميري صنعتها مصر ورفيقه ناصر.. وعندما تجاهل اعلام لندن الرئيس وصفه بالضعيفالنميري يتميز بقدرته علي اتخاذ القرارات الصعبة.. لا يدرك نتائج قراراته وعادة ما يتنكر لها ويلقي اللوم علي الغيرالمفكر السوداني الدكتور منصور خالد يفتح خزائن اسراره لـ القدس العربي (5)حاوره: كمال حسن بخيتالدكتور منصور خالد مفكر وكاتب سوداني، غزير الانتاج خصوصا في شؤون السياسة، واستراتيجيات التنمية، ويملك قلما جزلا رشيقا مقروءا ومثيرا للجدل في آن واحد، وفضلا عن علمه وثقافته الموسوعية التي كثيرا ما يبهر بهما خصومه قبل مريديه وهم كثر في الجانبين ، فان الرجل خبير بخبايا واسرار وتطورات واشكالات السياسة السودانية التي خاض اتونها مفكرا ووزيرا ومعارضا شرسا لكنه في كل الاحوال كان دائما ولا يزال مشهودا له بالكفاءة.سطع نجمه عند العامة عندما تولي وزارة الشباب والرياضة في بداية العهد المايوي (نظام الرئيس الاسبق جعفر نميري) الا انه لدي خاصة المثقفين كان معروفا بينهم يتابعون انتاجه الفكري وكتاباته ومشاركاته في المؤتمرات الدولية، وما تنشره له الصحف من مقالات تحمل وجهة نظره وفكره. كان احد ابرز من تولوا مسؤولية وزارة الخارجية عندما كانت مايو في اوجها واعتبر حينذاك احد اعمدة النظام ومنظريه وفي العام 1979 انقلب د. منصور علي مايو بسبب اخطاء لم يتحملها ولا تتوافق مع ما يؤمن به من قيم وما يعتقد ويحمل من فكر وبدأ نقدها وتعريتها في كتابه (السودان والنفق المظلم)، ثم انضم الي الحركة الشعبية لتحرير السودان مستشارا سياسيا لجون قرنق ثلاثة عقود او اكثر. ظل د. منصور خالد شخصا مثيرا للجدل كسياسي وككاتب ومفكر متميز وجريء يختلف البعض حول افكاره وطروحاته لكن الجميع يعترف بقوة قلمه وجزالة تعبيره.ما هي علاقته بالامام عبد الرحمن المهدي والمحجوب وقبلهما عبدالله خليل؟ بمن تأثر في بدايات حياته وما هي الظروف التي اسهمت في تكوين شخصيته؟ وما علاقته بالنخبة او الصفوة؟… ما هو تأثير عمله بالامم المتحدة عليه، وماذا تركت الدراسة والعمل في الولايات المتحدة؟ كيف ينظر الي الداخل الي الصراع السياسي والبحث عن حل شامل واستقرار للسودان؟ ما هي المحددات التي يراها للسودان الجديد وماذا يأخذ علي قادة الاحزاب؟ وكيف يعيش حياته الخاصة؟ هذه الاسئلة وغيرها يجيب عنها د. منصور خالد في اول حوار معه يتطرق الي الخاص والعام في حياته.يكشف السياسي السوداني في ثنايا الحوار انه لم ينضم لأي حزب لأنه كان يهتم بالجانب الفكري الجدلي في السياسة وليس الجانب التنظيمي، وان اهم منعطف في حياته هو انتقاله للعمل في الامم المتحدة، ويكشف ان الرئيس الامريكي دوايت ايزنهاور اضطر للاعتذار للسفير السوداني بعد ان اثار ازمة دبلوماسية صاخبة في واشنطن. وفي هذا الجزء من الحوار الاستثنائي يتناول الدكتور منصور خالد تجربته في وزارة الخارجية السودانية، حيث كان احد المع وأكفأ من تولوا هذا المنصب. ويحسب للرجل انه ترك بصماته علي اداء وزارة الخاجية بما أنجز من مشروعات وما احدث من نقلة نوعية في اداء هذه الوزارة المهمة. اذ استطاع خلال فترة عمله ان يؤطر العلاقات الخصوصية بين السودان ومصر باتفاق التكامل بين البلدين، والعلاقات السودانية الإفريقية ـ العربية بإقامة مؤسسات مشتركة تخدم قضية التنمية، لعل أهمها الهيئة العربية للاستثمار و المصرف العربي للتنمية في افريقيا .وينتقل الدكتور منصور خالد الي الحديث عن عودته الي ارض الوطن عقب الانتفاضة الشعبية في نيسان (ابريل) 1985 بعد ان غاب في المنفي اثر اختلافه مع نظام الرئيس جعفر نميري. وقد اثارت تلك الزيارة جدلا واسعا بين قادة الاحزاب حينذاك ومجموعة من المثقفين الذين رأوا ان منصور كان احد سدنة النظام المايوي وانه كان لا بد ان يخضع للاستجواب او يقدم للمحاكمة. وفي سياق الحديث عن تلك الفترة يتحدث خالد عن علاقته بالرئيس السابق نميري، والــــــدوافع التي كانت وراء خروجه علي مايو عـــام 1997. وزارة الخارجية منصور ارتبط تاريخيا ـ في ظننا ـ بوزارة الخارجية، كيف تنظر الي تجربتك الطويلة فيها، وما هي اهم الانجازات التي حققتها؟ تجربتي مع وزارة الخارجية كانت تجربة ثرية ومثرية . الخارجية هي احدث المصالح الحكومية في السودان، اذ تعود نشأتها الي اعلان الاستقلال، وقد لعب الرجلان اللذان قاما بانشائها في البدء (مبارك زروق ومحمد احمد محجوب) دورا مهما في انتقاء مجموعة من انجب ابناء السودان للعمل فيها. وعلني اضيف لهما رجلا ثالثا (ميرغني حمزة) لا يذكر الذاكرون دوره المهم ربما لان موقع عمله يومذاك كوزير للتربية (المعارف)، لم يكن ذا صلة مباشرة بالدبلوماسية. دور ميرغني كان في حسم المعركة التي افتعلها كبار (افندية) المعارف بعدم السماح للمعلمين الذين عادوا لحظتها من دراساتهم في الخارج بترك الوزارة بحكم العقد الذي يلزمهم بخدمة التعليم لامد مقرر ، والا لكان لزاما عليهم رد نفقات تعليمهم للوزارة. لهؤلاء قال الوزير ان حكومة السودان هي التي ابتعثت هؤلاء وليست المعارف، ومن حقها ان تستفيد منهم حيثما رأت. وكان ابوالرشيد ـ في عهود الحكم الاولي ـ من القلائل الذين يميزون بين الشجيرات والأكمة من بين اولئك الذين كانت ستحرم منهم وزارة الخارجية رجال نوابغ رحمة الله عبدالله، فخر الدين محمد، و الامين محمد الامين .كان السودان يومذاك ـ وليس وزارة خارجيته فحسب ـ محط انظار العالم، اولا لانه اول بلد يحظي بالاستقلال في افريقيا (مطلع عام 1956كانت البلاد في افريقيا هي ليبريا واثيوبيا) . ثانيا : تبني بريطانيا لنخبته الادارية التي اشرفت علي اعدادها. ثالثا: اهتمام دول المعسكر الغربي (خاصة بريطانيا والولايات المتحدة) بان تأخذ بيد السودان حتي لا يقع فريسة في يد المعسكر الاخر، علي المستوي الدبلوماسيي تجلي ذلك التقدير في اطار تدريب الدبلوماسيين الناشئين في افريقيا الناطقة بالانكليزية، والتي استقلـــت فيما بعد (غانا ـ نيجيريا ـ سيراليون ) لدبلوماسيي السودان (برنامج الامم المتحدة لاعداد البوماسيين بجنيف والذي كان يشرف عليه محمد عثمان يس).كما تجلي في اختيار مكي عباس ليكون اول سكرتير تنفيذي للجنة الامم المتحدة الاقتصادية بأديس ابابا، ولعلني اشرت في كتاب سابق الي ان اول ما اتجه اليه نظر همرشولد لشغل ذلك المنصب كان هو مبارك زروق خلال زيارته للسودان عام 1956وفي لقاء شمل ثلاثتهم بصالة غردون (البعض سيقول يا حليل ايام زمان)، اعترض المحجوب علي ترسيخ مبارك زروق، ولسبب وجيه ومريح، مقترحا بدلا عنه اسم مكي عباس. قال المحجوب لهمرشولد : (كزعيم للاغلبية ببرلمان السودان اري ان يبقي مبارك (كان زعيما للمعارضة) لان نمو الديمقراطية يتطلب وجود امثاله) مهما يكن من امر، تأكيدا لما سلف ذكره حول تبني البريطانين للنخبة الادارية السودانية وتقديرهم لها، رشحت بريطانيا مكي كأمين عام للامم المتحدة عقب رحيل همرشولد المباغت الاان وزير الخارجية آنذاك (احمد خير) لم يتحمس للامر، ولهذا انتهي الموقع الي سفير بورما بالامم المتحدة (يوثانت).مشكلة الدبلوماسية السودانية اذن لم تكن في الكوادر المؤهلة بقدر ما كانت في انعدام الرؤية او المتخيل الاستراتيجي (strategic vision)، مما قاد الي تضارب في السياسات. وقوة اية دبلوماسية رهينة بقوة مركز انطلاقها الداخلي. ولربما يعزو البعض التضارب للتحالفات الحزبية والرؤي المختلفة للقوي المتحالفة حول القضايا. هذا سبب غير مقنع، فما من دولة من دول العالم لا تتصارع احزابها حول اهداف وطنية عليا لا يختلف عليها الناس، الحفاظ علي سلامة الوطن، وحدته، تطويره ورفاهية اهله.الخلاف بين الاحزاب ـ بل في داخل الحزب الواحد حول قضايا السياسة الخارجية، لم يكن خلافا اصيلا، وانما كان امتدادا لسياسات الاخرين: الخلاف بين طرفي التحالف في الديمقراطية الاولي حول المعونة الامريكية بل ـ وفي داخل الحزب الواحد (الشيخ علي عبد الرحمن وميرغني حمزة) الخلاف حول مياه النيل (جناح ميرغني حمزة والشيخ علي مرة اخري )، الاختلاف حول الاعتداء السوفييتي علي براغ داخل الحزب الواحد (بين الصادق المهدي والمحجوب) حول ايواء الطائرات المصرية عقب حرب حزيران (يونيو)، ومن المؤسف ان تلك الظاهرة ظلت ملازمة للسياسة السودانية حتي عهد الديمقراطية الثالثة. مثال ذلك الخلاف حول الوحدة مع ليبيا، وتداعيات ذلك علي السياسة السودانية ـ المصرية، او الموقف من التدخل الليبي في تشاد. كان لهذه التضاربات اثر من جانبين: الاول هو ان المصالح العليا للسودانين لم تكن هي المحدد الاساسي لسياسة السودان الخارجية بصرف النظر عن رأي الاخرين فيها.والثاني: هو ان الانهماك في تلك الصراعات جعل منها قضية السودان الاولي مما غيب عن الشاشة قضيتي الوحدة والتنمية، ولعل الاخيرة لم تكن في يوم من الايام هدفا استراتيجيا للدبلوماسية السودانية الا في عهد احمد خير والذي كان يعبر باسلوبه الساخر : (انا عاوز السفراء يشتغلوا في حاجة واحدة : بيع القطن والصمغ). لا تثريب عليه ففي عهده لم تكن هناك ديون خارجية ، ولا نادي باريس ولا تعاون جنوب، هذا بالطبع لا يعني عدم وجود مبادرات جيدة من جانب الدبلوماسيين العاملين، الا انها كانت تفتقد البوصلة الهادية، أي التوجه الاستراتيجي. لهذا فالحديث عن انجازات البلوماسية السودانية في الماضي كثيرا ما يتركز علي الانجازات الفردية، خاصة دور رجال مثل محمد احمد المحجوب في محافل الامم.جئت للخارجية وفي ذهني كل هذا، ولهذا كان هدفي الاول هو ضبط التوجه الاستراتيجي نحو هدفين : الوحدة الوطنية والتنمية. هذا هو الاقبال الوظيفي لم يرض عنه من كانوا يريدون للسودان ان يكون رأس رمح للتحرر الافريقي، ولتحرير القدس الشريف ولمناهضة الامبريالية. لهؤلاء قلنا ان لا سبيل لإدراك تلك الاهداف السامية الا بترتيب البيت الداخلي: توحيد شطري القطر، ثم استقرار الاساسيات. الذين لم يرتضوا تلك السياسات، لهم فهم للدبلوماسية ليس هو فهمنا، دبلوماسية بيانات الشجب الصاعقة والتي تبدأ دوما بالحديث عن (هذا المنعرج في تاريخ امتنا ). ولا ادري كيف لأمة كل تاريخها منعرجات ان تسير الي الامام . توجهنا للعمل بعد تحديد الاهداف الاستراتيجية والتراضي عليها الي التركيز اولا علي قضية الوحدة الوطنية ومعالجة النتائج التي ترتبت عليها، ومن بعد الي ازالة القنابل الزمنية التي تعتور طريق التعاون المثمر مع الجيران مثل قضايا الحدود، علي رأس تلك القضايا كانت قضية الحدود السودانية ـ الاثيوبية والتي ظلت تؤرق كل الانظمة مثل تسليم السودان لقمبيلا لاثيوبيا في مطلع عهد الاستقلال، واتفاق الحدود البحرية مع المملكة العربية السعودية عام 1974صحبت ذلك مأسسة العمل الخارجي مثل التواصل الوظيفي بين صانع القرار ومنفذيه عبر تقارير دورية ويومية، والتواصل مع الرأي العام عبر تقارير حولية، والتواصل مع العاملين عبر مؤتمرات السفراء ثم الارتقاء المهني عبر البعوث الخارجية، وتطعيم الوزارة بمهارات من خارجها اما كجزء من السلك الدبلوماسي او كخبراء مستوفدين لاداء مهام محددة: (د. فيصل عبد الرحمن علي طه لدراسة حدود السودان) و (د. زكي مصطفي لقوانين البحار ) ولربما كانت القاضية هي انهاءنا لتقليد موروث يقدم الاسبقية في العمل علي الكفاءة في الاداء .عكسنا الموازين لكيما يصبح الاداء هو الارجح، ولربما كان العاملون في وزارة الخارجية الذين اشرت اليهم في سؤالك هم اولئك الذين خفت موازينهم. ذلك امر لا اعتذر عنه، وعفا الله عمن جعل منه (سبوبة ) للانتقاص من الوزارة . وحمدا لمن ظل وفيا لذلك العهد بدءا بشيخهم فضل عبيد. وعلي أي فمن اولئك المنتقصين نفر كاللبلاب، ذلك النبات الذي يتسلق أي حائط وخير غذائه مياه الصرف الصحي، كما لا اعتذار لي علي تصعيد الجيل الوسيط فوق روؤس اخرين فهذا حقهم، كنت اسميهم في بداية عهدهم سفراء الثمانينيات وما خيب واحد منهم الظن : فاروق عبد الرحمن، يوسف مختار، عطا الله بشير اشول دينق ، عصام ابوجديري ، ابوزيد الحسن ، عثمان السمحوني ونور الدين ساتي وكثر غيرهم فعذري لهم، لهؤلاء، اضيف اصرارانا علي تعيين الدبلوماسيات الي الخارج رغم مناوشات الصديق محمد ميرغني والذي لم يكن يراهن يصلحن الا للتبعل.بعد الاستقواء الداخلي بتلك الحصيلة ذهبت الوزارة الي ادوار خارجية مهمة : تأطير العلاقة الخصوصية بين مصر والسودان في اطار وظيفي ، هو اتفاق التكامل بعيدا عن التهويمات النظرية والحتميات الايديولوجية. وتأطير الوحدة الوطنية وظيفيا فيما يملك السودان من مقومات تؤهله لأن يلعب دورا فاعلا: الامن الغذائي العربي الذي تجسد في الهيئة العربية للتنمية الزراعية، ومقرها الخرطوم، ووفق منظور وظيفي. ايضا ذهبنا الي تأطير التعاون العربي ـ الافريقي والذي كانت قمته هي المصرف العربي للتنمية في افريقيا ومقره الخرطوم. جميع هذه المشروعات ما كان لها ان تنجح لولا اسهام رجال تجدر الاشارة اليهم والاشادة بهم، الرئيس صدام حسين والأمير الحسن بن طلال في انجاز مشروع الامن الغذائي العربي منبها الي دور العراق الفاعل في ان يكون مقر المؤسسة هو الخرطوم. الدكتور عبد العزيز حجازي والدكتور اسامة الباز في انجاز اتفاق التكامل منبها ايضا الي دور نائب رئيس الوزاراء عبد العزيز كامل رحمه الله في حمل وزارة الري المصرية لقبول اقتراح يحيي عبد المجيد بالبدء في حفر قناة جونقلي. رد كامل الاستاذ الجغرافي العالم علي رجالات الري في وطنه عندما طالبوا باجراء دراسات حول المشروع كان مفعما بالسخرية : (الدراسات حول جونقلي تعود الي عام 1923دراسات ايه اللي عاوزينها؟ سيبونا نحفر الترعة)، ولم تكن جونقلي وحدها هي الانجاز المهم، يضارعها في الاهمية الاتفا ق علي تنمية مناطق التماس تنمية مشتركة لمصلحة البلدين، حتي لا تكون بينهما عظمة نزاع تسمي حلايب، اما حول انشاء المصرف فالاشادة تذهب اول ما تذهب لاخوتنا في الكويت وبخاصة الشيخ عبدالله سالم العتيقي وزير المال آنذاك . زيارة السودان عقب ابريل زيارتك القصيرة للسودان عقب انتفاضة نيسان (ابريل) اثارت بعدك جدلا واسعا تابعته من علي البعد. الجدل اثير ـ طبعا ـ لعلاقتك بنميري الوطيدة، ومشاركتك في الحكم بشكل ايجابي، وفي مواقع متقدمة نسأل عن ابعاد هذه العلاقة؟ عن نميري كتبت كتابا كاملا (السودان في النفق المظلم ) نعم في الرجل صفات حميدة علي المستوي الشخصي، منها انه جم التواضع. وفي هذا المقام لن اقول فيه ما قال تشرشل عن كلمنت اتيلي : (رجل متواضع وبه كثير مما يستوجب التواضع) . التواضع صفة حميدة . الا انها لا تعني شيئا في الشأن العام، لهذا ابادر واضيف بان أكبر محمدة لنميري في الشأن العام هي قدرته علي اتخاذ القرار الصعب. بيد ان تلك المحمدة تنتقص منها خصلتان الاولي عجزه عن ادراك النتائج المترتبة علي قراراته مما يحمله علي اتخاذ القرار والقرار النقيض بنفس الجرأة او بقدر كبير من الاستهانة، تلك خصلة قد يعذر عليها نميري لانها طبيعية، حجة الاسلام الغزالي يسمي ذلك الطبع (ضيق الوعاء).الثانية هي تنكره لقراراته الخاطئة ونسبتها لغيره في حين يزدهي بكل ما هو محل رضا وقبول . هذا النوع من الرؤساء كثيرا ما ذكرني بيوثانت الامين العام للامم المتحدة في الستينات.كنت في اسفل الدرج في الامانة العامة (الادارة القانونية) بنيويورك ، وكلفني رئيسي المباشر باعداد مذكرة لما دقق في بعض ما اوردت من حقائق ولحسن ظن رئيسي بي رفع المذكرة الي الامين العام دون تدقيق من جانبه، ردت الينا المذكرة في صبيحة اليوم التالي بتعليق من يوثانت تعلمت منه شيئين : الاول هو الحرص علي التدقيق في البحث وإثبات ما اقول بحجة يوثق بها.اما الثاني فهو الا انسب خطئي لغيري خاصة ان كان ذلك الغير لا يملك ما يدفع به الاتهام عن نفسه قال يوثانت : (الامين العام ينال الثناء علي جهدكم ولهذا فهو وحده الذي سيتحمل وزر اخطائكم ، ولكن عليكم ان تتذكروا ان اخطاءكم اخطاء في حين ان خطئي حماقة). تعليق يوثانت يستدعي للذاكرة مداخلة بليغة في برلمان السودان الاول لابراهيم احمد اثر هجوم احد الاعضاء علي موظفي وزارة المالية ، قال ابراهيم (ارجو ان تكفوا عن مهاجمة الموظفين لانهم ليسوا بينكم حتي يدافعوا عن انفسهم ، النقد يوجه لي). لا انكر صداقة نميري طوال فترة مايو التي قضيتها معه، كما لا انكر فضله. علي المستوي العام ذلك كان في اتاحته الفرصة لي لتحقيق ما اصبو اليه، لا سيما فيما يتعلق بقضية الجنوب، ومن المفارقات ان تكون قضية الجنوب (الغاء اتفاقية اديس ابابا) هي ايضا سبب انتباذي مكانا عنه قصيا. ذلك الحدث هو اصدق دليل علي ان الرجل لا يدرك النتائج المترتبة علي قراراته، وان عرف فلا يكترث . تأمل ما سعي نميري لان يسوق به تحالف قوي الشعب العاملة عند عودته الي السودان، هو نجاح ذلك التحالف في تحقيق السلام في الجنوب. لم يستذكر الرجل ولو للحظة واحدة المياه. بل الدماء التي سالت تحت الجسر منذ الغائه لذلك الاتفاق. لا احسبه قد تناسي عمدا قرار الغاء الاتفاق، ولكن الوعاء لم يتسع لموضوعين في آن واحد .اعلام النظام الشمولي كانت تحيط بنميري هالة اعلامية ضخمة. كانت كل الاضواء مركزة عليه هو، مما كان له تأثير سلبي علي تصرفاته وعلي قراراته. ما تعليقك ؟ الهالة الاعلامية صنعها الاعلام المصري لنميري رفيق ناصر (بالروح بالدم نفديك يا جمال) وبـ (الروح والدم نفديك يا نميري)، ولعل هناك اخرين اعرف بهم كانت تحييهم الجماهير بمثل هذا الهتاف، تلك هتافات مسكرة يتجاوز معها البعض حد الانتشاء العابر الي الادمان ، خاصة ان افتقد الحس التاريخي. جاء عمر بن الخطاب يوم ان ساد الناس اجمعين، انتبر (اعتلي المنبر) علي غير ميعاد ليقول (ايها الناس لقد عرفتموني ارعي غنم خالات لي من بني مخزوم) ثم هبط . ظن الملأ الذي اجتمع اليه بان داهية اصابت امير المؤمنين، فسأله عبد الرحمن بن عوف (ما خطبك يا أمير المؤمنين ؟ ) قال الفاروق : (آويت الي نفسي البارحة، فقالت لي يا عمر انت امير كل الناس ، وما فوقك الا الله، فقلت لاحدثن نفسي عن اصلها امام الناس)، هذا الحس لن تجده عند الزعيم الاوحد او المناضل الاكبر او غير ذلك من أسماء التفضيل التي تلحق بمن لا فضل لهم في الاساس. اعلام مايو ينظر اليه في هذا الاطار. اعلام شمولي، وقائده تجسيد لتلك الشمولية. كان ذلك هو الحال في السودان او مصر او العراق او البانيا او جمهوريات الاتحاد السوفييتي. تعود بي الذاكرة الي قصة طريفة مع نميري ابان زيارته الرسمية الاولي للمملكة المتحدة، كنت اجلس بجانبه في مقر اقامته بفندق الدورشستر بعد يوم حافل توج بالغداء مع الملكة، اتجهت يدي الي التلفاز new قبيل العاشرة لادير قرص القناة نحو الثالثة، كيما استمع الي نشرة اخبار العاشرة، وهي نشرة حافلة ضافية الغيث، سألني نميري ان كانت تلك النشرة at ten الرئيسية ؟ فقلت: نعم، وجاء المذيع ليروي لنا حصيلة اليوم من الانباء والتي كان اقلها اهمية الاخبار الداخلية لا شك في ان الرئيس القائد افتقد شيئا في تلك النشرة، اذ قال لي (الجماعة دول اعلامهم ضعيف) اقطع بان ذهنه تبادر اول ما تبادر عندما ركز بعده علي التلفاز الي اخبار الملكة ومن التقته في ذلك اليوم. ولكن اعلام بريطانيا ينقل للناس ما يهم الناس، ويعطي الاولوية في الاخبار للحدث الجديد بتلك الاولوية، تلك ليست ظاهرة مايوية او نميرية، وانما هي واحدة من ظواهر التخلف في افريقيا والوطن العربي ربما باستثناء جنوب افريقيا. فانا لااعرف اعلاما في تلك الاصقاع ـ خاصة المسموع والمرئي منه الذي تسيطر عليه الدولة ـ لا يبدأ نشراته الا باخبار الحاكم، بالطبع في بلاد تكاد تسيطر فيها الدولة علي كل شيء يلعب الحاكم دورا اساسيا في صنع الكثير من الاحداث، ولكن ما معني ان تذيع الدولة رسائل التهاني المتبادلة مع رؤساء الدول او الزيارات الوظيفية التقليدية التي يقوم بها السفراء المقيمون. وخرجت من السودان وفي الخارج للوزراء الا ان كان اللقاء لامر جلل. هيمنة الدولة والسياسة علي المجتمع لا نراها في الدول المتطورة، اذكر استفتاء لعينات عشوائية ، قامت به جريدة (الفيغارو) لتحديد اهم عشرين شخصا في فرنسا . النتيجة لم تذهل اهل فرنسا ولكنها قد تذهل السودانيين، موقع الرئيس ميتران بين العشرين كان الموقع الثاني عشر حين احتل الموقع الاول جاك كوستو عالم البحار ورجل حماية البيئة. اكاد اقطع بانه لو اجرت الفيغارو نفس الاستفتاء اليوم لاحتل فيه زين الدين زيدان موقعا اعلي بكثير من مواقع الحاكمين.7

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية