المفهوم الفني للخيل في منجز المغربي نور الدين اعميرات

عندما تنتصر المادة النحتية بأبهتها وقيَمها الجمالية وفكرتها الفنية؛ تتجلى بقوة إيحائية، وجمال فني؛ وهو ما ينعكس على منحوتات الخيل التي ينجزها الفنان النحات نور الدين اعميرات، خيل تتنوع في الأشكال الجمالية، وتتبدى فيها الحركة بمقصدية صناعة المعنى الروحي والمعنى الواقعي للفرس.
ولا شك في أن هذه الأعمال التي فيها جمال، وفيها متعة فنية تستهدف الرؤية البصرية والحس الإنساني، إذ يطرح المبدع جمالياتها الفاتنة تحت سلطة التأمل، لما يتوفر فيها من غنى جمالي وشكلي، مليء بالإيحاء، يكتسي الدلالات المختلفة والمغازي المتنوعة، ويحمل جهازا مضامينيا ينطلق من توليد الأشكال النحتية التكوينية المتنوعة، إلى اكتمال الهيئة الشكلية، وفق رؤية جمالية متفردة، ووفق أبعاد فنية تخضع لتمثيل الفرس من مواقع الحركة، باحترام للمسافات النسبية، وبتوظيف قوي للرتق بين القطع في الشكل الواحد، وبتركيبة جمالية، وبتقنيات عالية تخول لهذه المادة المنحوتة التمظهر بنعومة وجمال مبهج، فقد تمت فيها العناية الدقيقة بالقيم الجمالية، وقيم السطح، وتم تسخير مجموعة من الوسائل والقطع المرتبطة بالفكرة القوية لتثبيت المفردات الفنية المتنوعة بحركات تبسط أشكالها بكميات مخففة في الفضاء، ما يمنحها رشاقة وإضافة نوعية، ويجعل منها مجالا واسعا لمقاربة موضوعات الفرس بالأسس الفنية البنائية المرتبطة بالمنحى الجمالي، وبذلك فإن القاعدة الفنية لمنحوتات الخيل في منجز الفنان نور الدين اعميرات هي مكمن فني متعدد الدلالات تتحقق فيه مجموعة أشكال وعلامات بتقنيات معاصرة. ولعل تداخل بعض المكونات مع بعض القطع المنفصلة، وتركيبها مع قطع أخرى ومع مفردات من جنسها، تجعل الأشكال والعلامات في مقاربة تحيل إلى إشارات تروم تجسيدية التفاصيل الصغيرة للفرس بحرفية عالية، بالإضافة إلى استخدام رموز الفرس الفائق السرعة وعلامات الفرس الدالة على القفز والرشاقة، ما يضفي على هذا الإنتاج تميزاً يحيل القراء على مركب ثقافي وحضاري عريق.

ولا شك في أن فن نحت الفرس يتوافر فيه أساسا الترابط والدقة، فكلما قوي الترابط بين العناصر المكونة للعمل، اتضحت الصورة الدلالية للمادة المنحوتة، وبذلك تشكل منحوتات المبدع مقاربة فنية وجمالية وتقنية بين مكونات العمل بنوع من التدقيق والانتقاء، والتركيز على أحد أهم الأساسيات التي بني عليها فن النحت وهي وحدة الشكل، فضلا عن القدرة الفائقة على تنويع الاختيارات التعبيرية في مجسمات الخيل من قفز وحركة وصعود وميلان، ما يجعلها تحاكي الواقع بمختلف مفرداته التي تحكمها النسقية المتوالية من التعبيرات المفعمة بمجموعة من المغازي الصورية، والدلالات العميقة، والأنساق المختلفة، التي تلقي ظلالها على عوالم التشكيل المعاصر، ما يؤكد الحالة التعبيرية، ويتم كشف كوامنها وفق المنهج السيميوطيقي، وهي في عمقها تشكل أدوات أيقونية دالة على أوصاف غير محدودة، تكتنفها الحركة التي تحرر العمل من سطوة الأشكال التعبيرية المصمتة، بعيدا عن التأثيرات الثنائية والثلاثية التي تفقد الشكل وحدته، فهو مُشَكل من وحدة الدال وتعدد المدلولات.
ويتبدى من خلال ذلك أن الأعمال المعاصرة للمبدع نور الدين اعميرات أنها ترتكز على مقومات تعبيرية، وأفكار مدروسة وتصورات معاصرة تروم الأصالة العربية في جوهرها وفي حسنها وجمالها؛ ولعموم الناس فيها جمال ونظرة تتبدى تشخيصا وتعبيرا عن معان أصيلة ومعان معاصرة ومعان ذهنية. باعتبارها مصاغة في أسلوب تحاوري بأداة تحولية، ما يُظهر الأبعاد الرمزية والعلاماتية والأشكال الجمالية، فمختلف الروابط العلائقية تخول للمجال الفني البروز بشكل رائق في حلة معاصرة. وبذلك يظهر تفوق هذه المجسمات في الاستخدامات النحتية على مستوى التقنيات المستعملة وعلى مستوى المواد المختلفة التي تشكل عناصر البناء في كل مضامينها ومقوماتها، وأيضا على مستوى الخاصيات الفنية الموظفة بشكل منتظم، وعلى مستوى التعابير الفنية والمفاهيمية، التي تنطق بها. لتشكل ثقلا تقنيا وفنيا وجماليا؛ يحضر بحمولته الثقافية والتراثية والحضارية.
وإذا كان هذه الأعمال تستند إلى قطع معبرة عن الحركة وعن السرعة وعن القفز بانتقاء مدروس؛ فإن الطابع الفني يستحوذ على مجمل هذه المجسم بجماليات فاتنة، إذ تخضع من خلال الرؤية البصرية إلى غنى الأشكال ذات الأبعاد المختلفة، وإلى ثراء المادة التعبيرية، ما يمنحها وضعا فنيا وجماليا ساحرا يستدعي التفكير بقدر ما يثيره في الإحساس من معنى، جراء جمالية التكوين والصقل، وختم الملمس، وقيم السطح، فيضحى لغة تجسيدية تنطق بالعديد من المفاهيم المختزلة في الضربات السكينية المثيرة، واللحم والتلصيق الذي يشكل الحجم الكبير في الفراغ، فيظهر شكلها البهي في أشكال فنية أكثر بهاء على قدر وافر من الحسن، متصلة وحابلة بالتأويلات القوية.

كاتب مغربي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية