لندن ـ ‘القدس العربي’ كتب جيفري وايت المحلل في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى مقالا تحت عنوان ‘الفيلق الأجنبي الذي لا يستغني عنه الأسد’، جاء فيه إن النظام السوري منذ عام 2012 جذب إليه مقاتلين من حلفائه وأنشأ قوة مقاتلة يعتمد الآن عليها في بقائه.
ويرى الكاتب أن هذه القوة عامل مهم في الصراع وستترك أثرا على الحل السياسي في المستقبل.
ويعتقد الكاتب أن الأسد لا يمكنه تقرير مسار أو مصير الحرب بدون الإعتماد على هذه القوات الأجنبية فهو ‘مثل الرومان اعتمدوا على القبائل البربرية لحماية بوابة روما’، ومن هنا قام الأسد ‘برهن استقلاله للإيرانيين وحزب الله وحلفائه العراقيين’ وفي حالة انسحبت هذه القوات فمسار الحرب سيتحول ضده.
رواية غير صحيحة
ويعارض الكاتب رواية النظام السوري عن انتصاره في الحرب والتي حققها ‘الجيش العربي السوري’ وفي الحقيقة من يقوم بربح الحرب هي الميليشيات الشيعية التي تقاتل إلى جانبه ودفاعا عنه.
ويتساءل الكاتب عن السبب الذي يدفع بالنظام للإعتماد على هذه القوات الأجنبية. ويرى أن السبب نابع من حاجة النظام لقوات مشاة إضافية للقتال، خاصة أن القوات النظامية تراجع عددها من 300 ألف إلى 100 ألف بسبب الخسائر البشرية في المعارك، والإنشقاق والتهرب من الخدمة العسكرية.
وبحسب تقديرات المرصد السوري لحقوق الإنسان فقد خسر الجيش النظامي ما يقرب عن 37 ألف من جنوده أو ربما أكثر.
وأثرت عمليات الإنشقاق على قدرة الجيش للقيام بعمليات. وفي الوقت الذي حاول الجنود السنة تجنب القيام بهجمات حسب أوامر قياداتهم العلوية حاول النظام التغلب على المشكلة بتشكيل قوات غير نظامية من الشبيحة أو قوات اللجان الشعبية، الميليشيات المحلية وميليشيات حزب البعث والتي دمجت جميعا تحت اسم قوات الدفاع الشعبي. وينقل عن مصادر إسرائيلية أن دمشق لديها الأن 50 ألف مقاتل تعمل تحت هذه المظلة وتطمح لتوسيعها كي يصبح عددها 150 ألفا.
ويضيف أن وجود قوات من حلفاء الأسد، مثل حزب الله ومن الميليشيات الشيعية العراقية والفصائل الفلسطينية وإيران عامل آخر. وأصبحت هذه القوات الأجنبية مثل القوات غير النظامية تتولى مهمات فعالة.
فقد أظهرت عمليات النظام في القصير وحلب وحول دمشق أنه كان ناجحا عندما ساعدت القوات الأجنبية القوات النظامية.
وبدون دعم هذه القوات لم يكن الجيش قادرا على تحقيق تقدم وانتصارات في هذه المرحلة من الحرب، ولوجد الجيش صعوبة في الدفاع عن بعض المناطق.
شيعة العراق وحزب الله
أما عن أهم العناصر التي تشكل هذا الفيلق الأجنبي فهي مكونة من عنصرين أساسيين، حزب الله والجماعات الشيعية العراقية، وتقوم بتقديم الدعم الإضافي في العمليات القتالية عندما يطل النظام منها.
وكان حزب الله من أكثر الميليشيات مشاركة في القتال بسبب الدور الواسع له، ولكن دور الميليشيات العراقية يتسع وهو في تزايد مستمر. وبحسب التقرير يحتفظ حزب الله بقوة تقترب من 4 آلاف مقاتل في سوريا في الوقت نفسه، وتقوم بتبديل القوات مما يعني أن أكثر من 10 آلاف شاركوا في المعارك.
ويمكن مشاهدة مقاتلي الحزب على جبهات القتال ويلعبون دورا مهما في عمليات تدريب المقاتلين غير النظاميين. ولعب حزب الله في إعادة النظام سيطرته على بلدة القصير وكذا في الدفاع عن دمشق وحلب خلال عام 2013.
وتشير خسائر حزب الله للدور الهام الذي يلعبه في الحرب وتضع إحصائيات عدد القتلى بحوالى 300 مقاتل وربما أكثر بالإضافة لعدد أكبر من الجرحى.
أما الميليشيات الشيعية فهي موجودة وبأعداد كبيرة، ولعبت دورا في تشكيلات شيعية أخرى، وعادة ما كانت ترابط في منطقة السيدة زينب والغوطة الشرقية وتقاتل إلى جانب تشكيلات حزب الله، ولكن يمكن مشاهدة مقاتليها الآن في القلمون وحلب.
وتم تحديد عدد من الميليشيات العراقية وهي كتائب أبو الفضل عباس، وحزب الله العراقي وعصائب الحق.
وتعرضت تشكيلات الشيعة العراقيين لخسائر كبيرة وصلت إلى 300 مسلح. إلى جانب هذه التشكيلات الشيعية يقول وايت إن الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين- القيادة العامة شارك مقاتلوها إلى جانب قوات النظام في مخيم اليرموك وفي الأحياء الجنوبية من دمشق.
ومقابل هذه التشكيلات من المقاتلين فمشاركة المتطوعين من إيران تظل محدودة كما يشير التقرير ويبدو أن دور الإيرانيين منحصر في التنسيق والتدريب وتسهيل دخول المقاتلين الشيعة من الخارج، وربما كانت وراء قرار حزب الله التدخل مباشرة في الحرب، كما قدمت للمقاتلين من العراق التدريب والتسليح والنقل. وتقوم إيران بتقديم الإستشارة للقوات السورية والدعم العسكري واللوجيستي. ورغم كل هذا فلا يمنع من وجود قوات من فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، وقتل بعضهم في الحرب. ويذكر الكاتب مشاركة عدد قليل من الشيعة اليمنيين ـ الحوثيين والعلويين الأتراك والمرتزقة الروس، والأفغان والباكستانيين وشمال كوريا وقتل بعضهم في أثناء المعارك.
وبسبب عددهم القليل فأثرهم محدود. وتقدر المصادر الإسرائيلية عدد المقاتلين الأجانب الذين يقاتلون إلى جانب النظام بحوالي 10 آلاف شخص.
انتصارات
والمسألة في النهاية ليست مسألة أعداد بقدر ما تتركه هذه الجماعات المقاتلة على الساحة القتالية وطبيعة المهام التي تكلف بها. فحزب الله والإيرانيون منخرطون في التخطيط وتحديد استراتيجيات الحرب، ويقومون بمهام قتالية.
وبحسب المصادرفي المنطقة -قد تكون إسرائيلية- فقد شكل حزب الله والإيرانيون قيادة مشتركة للعمليات مع النظام. وبالمحصلة يقول الكاتب إن المقاتلين الأجانب يقدمون مساعدة مهمة في العمليات العسكرية ويشكلون قوات مشاة خفيفة، ولعبوا دورا مهما في عمليات النظام في القصير ودمشق وحلب. بالإضافة لذلك فحزب الله والإيرانيون وقوات القدس لعبوا دورا مهما في تدريب القوات النظامية وغير النظامية على عمليات مواجهة المقاتلين.
ويرى الكاتب أنه بدون هذا الفيلق الأجنبي فقدرة النظام على تنفيذ عمليات قد تكون تراجعت بشكل حاسم في عام 2013، وعوضا عن ذلك فالتدهور تمت السيطرة عليه ووقفه وتم تحسين أداء القوات السورية ما أدى لتحقيق إنجازات في المعارك وهزيمة قوات المعارضة في حمص وحلب وضواحي دمشق.
وعندما كان النظام قادرا على نشر قوات نظامية وغير نظامية وأجنبية لم يكن بوسع قوات المعارضة الرد.
ورغم الخسائر الكبيرة التي تعرض لها المقاتلون الأجانب في جانب النظام إلا أنها خسائر كان النظام قادرا على إدارتها.
وفي المحصلة يرى الكاتب إن دور المقاتلين الأجانب مع المعارضة عادة ما طغى على الحديث وتم تناسي الدور الذي تلعبه القوات الأجنبية في صفوف النظام. وهناك مقاتلون أجانب مع النظام أكثر من الذين يقاتلون مع المعارضة.
ومن هنا يرى الكاتب أهمية طرح الموضوع في مؤتمر جنيف، خاصة في ضوء محاولة النظام حرف الإنتباه عن الموضوعات الأساسية وتركيزه في موضوع الإرهاب، وتصويره ما يجري في سوريا على أنه حرب ضد مجموعات ‘إرهابية’ مدعومة من الخارج.
فالفيلق الأجنبي مع الأسد لعب دورا مهما في دعم النظام، ولم العامل الأوحد في بقاء النظام بل الحشد الداخلي والدعم المالي والدبلوماسي والعسكري من حلفاء النظام، قد لعب دورا مهما أيضا.
وفي الوقت الذي غير فيه المقاتلون الأجانب مع النظام مسار المعركة لصالحه فإن رحيلهم سيشكل ضربة له أكثر من رحيل المقاتلين الأجانب مع المعارضة. ويقول الكاتب ‘لا يزال الأسد واقفا لكن ليس وحده، وهناك احتمال أنه لا يقوم باتخاذ القرارات وحده’.
بدون شرعية
ويتزامن تحليل وايت مع الإجتماعات في جنيف 2 والتي تبادل فيها الوفدان الإتهامات. وفي الوقت الذي اعتبر وفد النظام أن الحرب في سوريا هي حرب على ‘الإرهاب’ طالب ممثلو المعارضة بخروج القوات الأجنبية من سوريا، أي قوات حزب الله والميليشيات الشيعية وإيران.
وترى صحيفة ‘كريستيان ساينس مونيتور’ أن كلا الوفدين حضرا لجنيف بدون امتلاك للشرعية وأن اتفاقا بينهما كفيل بمنحهما هذه الشرعية. وتساءلت عن الطريقة التي يمكن من خلالها تجميع سوريا وإعادتها لما كانت عليه قبل الثورة.
وترى الصحيفة أن تواصل المفاوضات بين النظام والمعارضة قد يؤدي لإنشاء حكومة انتقالية لديها سلطة عقد انتخابات شرعية. وبدون حدوث هذا ففراغ السلطة سيتواصل مما يعني ضرورة في الدول الأجنبية بممارسة الضغط على الطرفين كي يتوصلا لاتفاق.
وقالت الصحيفة إنه بعد أشهر من التحضيرات للمؤتمر الذي شاركت في التحضير له روسيا والولايات المتحدة فأقل ما يمكن أن ينتج عنه لقاء المعارضة مع النظام هو هدنة في الحرب الأهلية التي لا تزال تصدم ضمير العالم بما يرتكب فيها من مذابح. وقالت إن أقل ما يمكن توقعه من المفاوضات هو ‘بذور التوافق حول إنشاء حكومة شرعية تعيد تركيب سوريا مرة أخرى، ومشكلة التوصل للسلام تظل صعبة لأن كل طرف جاء إلى طاولة المفاوضات بشرعية ضعيفة’.
فمن جهة خسر الرئيس بشار الأسد دعم غالبية السوريين بسبب قمعه الوحشي، بما في ذلك التعذيب واستخدام الأسلحة الكيميائية. ومن جهة أخرى يعاني الإئتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة من تشرذم وفي الغالب ما تتجاهلها الجماعات المقاتلة على الأرض. وفي ‘فراغ الشرعية’ فيبقى الأمر بيد الدول الأخرى أن تقوم بالدفع نحو حصول إجماع في سويسرا، سواء تصرفت بدافع القلق على ما يحدث في سوريا من ذبح أو لخشيتها على مصالحها القومية.
والغريب في الأمر، كما تقول الصحيفة هو أن النظام وإيران الداعمة الرئيسية له تريدان تأكيد شرعية الأسد من خلال الإنتخابات، ويبدو هذا وكأنه محاولة من النظام تطبيق الديمقراطية. وهذا يزول عندما نعرف الطريقة التي بقي الأسد وعائلته في السلطة من خلال تزوير الإنتخابات، وهذا ينطبق على إيران.
وهناك قلة تتوقع موافقة الأسد على الطريق الديمقراطي خاصة أن موقفه الميداني جيد. والطريق الأكثر احتمالا هو التوصل لاتفاق جنيف حول حكومة إنتقالية تملك سلطات تنفيذية لعقد الإنتخابات.
وهذا في الحقيقة هو ما دعا إليه مؤتمر جنيف-1 عام 2012، ويحتاج اليوم لدفعة قوية من الولايات المتحدة وروسيا والإتحاد الأوروبي. وتضيف الصحيفة أنه وبسبب عمليات التهجير التي حصلت في سوريا وخلال الأعوام الثلاثة الماضية فعقد الإنتخابات لن يكون متيسرا في المرحلة الحالية.
وعليه هناك حاجة كي يقوم كل طرف بالبحث عن بدائل لخلق ما تصفه الصحيفة ‘ملامح ديمقراطية بدون ديمقراطية رسمية، أي تحقيق الإستقرار، الإجماع، حكم رشيد وفوق كل هذا حس بالإنتماء للمجتمع’.
وترى أن تحقيق هذا يحتاج لمساعدة الدول كي تقوم بإرشاد المفاوضات لتحقيق الأهداف هذه، لأن على الطرفين بناء علاقة ثقة بينهما تقودهما لتحقيق اتفاق، والشرعية التي يعاني منها كل طرف يمكن تعزيزها على طاولة المفاوضات وتحقيق اتفاق لكل السوريين.