■ يمثل الروائي ضياء الجبيلي، أحد الأسماء الصاعدة في كتابة الرواية التي تعالج إشكالات الحياة عند الأقليات في البصرة، عبر بحث وتدقيق في تاريخ هذه الجماعات التي عاشت على هامش الحياة في مدينة كبيرة كمدينة البصرة، وكان للمشغل السردي الذي أنشأه مجموعة من القاصين والروائيين البصريين بعد التغيير، تأثير كبير على توجه بعضهم للكتابة عن تاريخ المدينة وتجمعاتها السكانية المتنوعة، أمثال الروائي علي عباس خفيف، جابر خليفة جابر، مرتضى كزار، ضياء الجبيلي، ناصر قوطي، علاء شاكر، باسم القطراني، ياسين شامل وغيرهم. وكان من نتيجة ذلك مجموعة من الروايات الفنية الجيدة التي انعشت النتاج الروائي في المدينة وفتحت أفقا لكتاب بصريين من الشباب لاقتحام هذا الطريق الصعب.
من الروايات التي نقبت في تاريخ مدينة البصرة، وكشفت حياة المهمشين فيها روايات: «مكنسة الجنة» للروائي مرتضى كزار، و«ستة أيام لاختراع قرية» للروائي علي عباس خفيف، وروايات الروائي ضياء الجبيلي «لعنة ماركيز» و«بوغيز العجيب» و«تذكار الجنرال مود» وغيرها.
تسرد رواية «بوغيز العجيب» منشورات مؤسسة الدوسري للثقافة والإبداع – مملكة البحرين ط1 2011، رحلة تاريخية/ عجائبية نحو ماضي المدينة البعيد، لرصد حياة الزنوج (مجتمع العبيد)، الذين كانوا مثالا مأساويا لحياة البشر، في أدنى مستوياتها وأحطها، في البصرة وصولا إلى رفع رتبة شخوص منهم إلى العجائبي من خلال شخصية (العبد) بوغيز الأبله.
يستثمر الروائي ضياء الجبيلي تقنية السيرة الذاتية، بين حاضر المدينة وماضيها، عبر اكتشاف مخطوط عن حياة الزنج في البصرة بعنوان «المقامة الزنجية في أحوال بلدة البصرية» وإعادة كتاباتها من قبل السارد/ المؤلف. إن سعي المؤلف إلى إعادة كتابة ذلك المخطوط العجيب بلغة معاصرة، يؤكد رغبته وحرصه وحماسه على «الاطلاع على صفحة مجهولة من تاريخ مدينتي» ويهدف أساسا إلى تحقيق نداء حسي، «يأتي من تلك الأقاصي الزمنية التي التفت حولي .. أسمع أصوات السياط، وهي تضرب ظهور العبيد، بينما هم يحملون الملح على أكتافهم في سباخ البصرة». حين يرى مشاهد مرعبة عن حالة الزنوج في المدينة: «جثث أهلكها الطاعون وهي تحرق، الخيل وهي تجر جثث الأشقياء والخونة والمجذومين إلى الشط». صارخا في آذان متصفحي المخطوطة «لإخراجها من عتمة الماضي السحيق إلى بياض العصر الحديث».
في الفصل المرقم (2) وما تلاه، يتخلى السارد/ المؤلف والمحقق عن السرد بضمير المتكلم، ويسرد بضمير الغائب، حكايات، ومشاهد وشخوصا، يظهرون ويختفون، مجسدة بلغة بسيطة معاصرة كما يصفها المؤلف الجديد مستثمرا «الأحداث الغريبة التي احتواها مخطوط القصة خون البصري هداية بهرام أفندي» المؤلف الأول للمخطوط.
أحداث مجسدة عبر سيرة محلة الكرخانة – وهي كلمة تركية تعني (مكان العمل)، فالكار هو العمل أو المهنة والخانة هي المكان. وعند الحلبيين للدلالة على بيوت الدعارة، التي ترمز لمدينة البصرة وسكانها. من أهم الشخوص الروائية في هذه الرواية شخصية (بوغيز) الذي يأخذ حيزا كبيرا في الرواية، إضافة للعنوان الذي ختم الرواية باسمه، وهو شخصية بلهاء، أقرب إلى طبيعة الحيوان، وتسرد سيرته بلغة أقرب إلى سرد السير الشعبية التي يسردها القصة خون بالمبالغات والأوهام والخرافات منزوعا منها البدايات والتنبيهات والإشارات التي تدل على السارد، متضمنة تضخيم الصورة، وتكبيرها وتقريبها بالتفاصيل التي تغرب شخصية (بوغيز) وتبعدها عن طبعتها الإنسانية تجاه الظاهرة الطبيعية للحيوانات المفترسة: «كان (بوغيز الزنجي) إذا جاع أصدر صوتا أجش عاليا مزعجا، كخوار الثور، يفعل ذلك أثناء تجواله بحثا عن الطعام». وهو «لا يتكلم إلا نادرا، ولا يكاد يسمع له صوت..». وتسبغ عليه المخيلة الشعبية (هيئة العملاق المخيف) الذي لا يؤذي نملة، وهو لا يفعل شيئا عدا «ملء الأواني والأكواز بالماء الصالح للشرب». وهي وظيفة ترفع رتبته ورتبة قومه بشكل رمزي إلى رتبة المساعدة على إدامة الحياة. ولكن هذه المخيلة، تسرد قصصا «مهولة ما زالت تنسج حول عضوه الكبير». وتنفرد النساء بشكل خاص بهذه المخيلة المشاكسة حين «يركزن النظر على الجزء المثير من جسده، ثم لا يصدقن أن ثمة شيء يمكن ان يكون بذلك الحجم الذي يتحدثون عنه، يختبيء خلف سرواله»، لكن كل هذه الأوصاف التي تصور عضوه التناسلي «لا يقلق الأهالي مادام أنه لا يملك القدرة على المضاجعة، كون الرجل مخصيا».
السلطة حين يحوزها الهامش
تمثل ثنائية الإخصاب /الإخصاء ثنائية أساسية في هذه الرواية، عبر مجتمع العبيد المنحى من فاعلية الحياة، ويكون (بوغيز) نموذجا لهذا المجتمع وفردا متميزا فيه عبر قدراته الجسمانية والجنسية، على الرغم من تقديمه بصورة خاملة غير فاعلة، إلا أن تفوقه في غرابة عضوه التناسلي وقدرته على تفوق (الجبلة الوراثية) التي تجعل من لونه وصفاته البايولوجية وصفات قومه السود صفة متغلبة على بقية الصفات، تضعه وقومه في مقابلة صريحة مع السلطة التي يمثلها الباشا، والشيخ غالي رجل الدين، ورجال مجتمع الرواية السوي، خارج الهامش الذي يمثله العبيد والجواري.
يعمد الباشا إلى إخصاء كل العبيد من الرجال تلبية لهاجس في نفسه، يحفزه يوميا على ذلك «وحمته بهيئة عضو تناسلي أسود وكبير على زند عزت رفقي باشا»، في إشارة كنائية لرغبة أم الباشا بعضو الزنجي الضخم، ويتأكد هذا الشعور، حين عرى الحراس بوغيز تمهيدا لاخصائه، إذ أحس «عزت رفقي باشا أن ثمة صوتا مألوفا راح ينبعث من مكان ما في الجوار، كان صوت أمه وهي تئن وتصرخ طالبة من أحدهم أن يدخل المزيد من شيء بمنتهى القسوة والمتانة في جوفها»، ما يضع هذا الصراع الخفي بين الباشا وعبيدة على أعلى مستوى. وسيكون بمقابل ذلك اغتيال (عزت رفقي باشا) بشكل غامض بدون معرفة قاتله، إعلانا عن تفكك السلطة وإشاعة الفوضى عبر الإشاعات والأقاويل في المخيلة الشعبية، ولينزع هذا الاغتيال السلطة في محلة الكرخانة ويدخلها في حداد طويل، حرم فيه (رجل الدين غالي صهر الباشا) على الأزواج مقاربة زوجاتهم «اللائي بدان يتأوهن وهن يشعرن بالملل تأكلهن الحسرة على ليالي الأنس التي كن يقضينها في الأحضان الدبقة»، حتى يجدوا قاتل الباشا، وفي هذا الفضاء المحمل بكتم الرغبات وإذلال الذات من الرجال والنساء، يبدأ الهامش بالصعود، «حين يظهر وحده (بوغيز) السقا، ذلك الزنجي العملاق يدور في الأزقة، حاملا قربته الكبيرة، يتنقل من بيت إلى آخر». وقد تفشت مظاهر غريبة في فضاء المحلة منها «اصطحاب الغلمان (إذ) صار الرجل لا يكترث لامرأته أكثر من توقه لمضاجعة الكلاب والحمير والقطط السمينة». وانتشرت الدعارة وتفشت الأمراض التناسلية، ودخلت الرذيلة في بيت الشيخ (غالي عبد ربه) الذي حرّض، على قتل (بوغيز) باعتباره قاتلا للباشا.
في هذا الفضاء المشاكس، تظهر علامات تشير إلى خراب هائل ـ علامة من علامات الانتقام القدري- انتقاما على قتل بوغيز وإخصاء الرجال السود. من أهم مظاهر هذا الخراب ازدهار «تجارة الذباب والقطط وبول الرضع وقراد البعير والجراد وعرق الزنوج والوزغ والسلاحف». وانتشار الأجنة غير المكتملة، في البساتين والطرق والساحات، وخلو الشوارع والأسواق من النساء باستثناء القابلة العجوز (فهيمة) التي تتردد على بيوت المحلة، بشكل مستمر في إشارة واضحة إلى الإجهاضات التي تتعرض لها النساء الحوامل بصورة غير شرعية، بفعل صيام الرجال الإجباري عن ممارسة الجنس وللتستر على جريمة الزنا، التي اتضحت، بوجود أربعة من الأطفال الرضع ببشرة سوداء أمام باب الجامع، بينهم زوجة الشيخ نفسه.
تسير أحداث الرواية وتتصاعد «بعد حادثة شنق (بوغيز) بتحريض من الشيخ (غالي)، حيث تعود أعوام الخصب والنماء فتحت المقاهي والدكاكين، انتشرت الولائم في أرجاء المحلة، ازدهرت البساتين وشبع الرجال من نسائهم»، ثم ينعطف السرد فجأة تجاه الغرائبي، عندما أشيع أن «شبح بوغيز الزنجي يطوف في أرجاء المحلة، ويملأ بيوتها بالفساء انتقاما لما فعلوه، عندما تم شنقه وصلبه على باب المقبرة»، حيث تحل اللعنة على بيوت السكان، وتنتشر الإشاعات والتفسيرات والأقاويل وتتسع، «ولم تنفع الأدعية والأحراز التي قرأها الشيخ غالي، وظن الناس أن لعنة بوغيز قد حلت فعلا».
يستثمر الروائي ضياء الجبيلي، تداعيات المخيلة الشعبية الجمعية، التي ما زالت تصوغ وتسرد حكايات عن عالم السود في المدينة، أساسها التفوهات القديمة، التي لصقت بحياة هذه الفئة من البشر وحتمت على حياتهم العيش في غربة دائمة في أوطانهم، بدون علاقة إيجابية مع السكان الأصليين، فعاشوا ضمن هامش المدينة. وتأتي هذه الرواية ورواية «مكنسة الجنة» لمرتضى كزار أيضا لتعيد لهذه الفئة المهمشة اعتبارها، بشكل رمزي حين، يندفع مواطنو محلة (الكرخانة) من التجار والميسورين ـ السلطة الفعلية في المدينة- «ببناء ضريح لبوغيز الزنجي في مقبرة العبيد، لم يمض الكثير من الوقت حتى أخذ الناس يحجون إليه»، في إشارة واضحة، إلى إعادة الاعتبار لبوغيز ولقومه من الزنج.
لكن نهاية الرواية اعتنت بتكرار اللعنة على سكانها ـ على الرغم من كل ما فعلوه لبوغيز- وانتشار مظاهر الفوضى والمجاعة، في إشارة واضحة إلى أعوام التسعينيات في العراق، ليكون مستقبل المحلة (المدن)، محكوما بعدم الاستقرار وافتقاد الأمن والسلام الاجتماعي..
٭ كاتب عراقي