اجلس عادة في قهوة تطل علي ساحة روبي وتقع في شارع ستالينغراد الذي لا يبعد الا عشرات الأمتار عن وسط المدينة وساحتها المركزية، هذا الشارع يبدو اقل ازدحاما اذا ما قورن بشوارع بروكسل المركزية، لم تفلت مني اغلب مقاهي بروكسل من الميتروبول والفيس الي ماشاء الله من مقاه تكاد لا تفتقد منها ثلاثة الي اربعة منها في شارع صغير. وفي احصائية في اوروبا تبين ان مواطني بلجيكا هم الأكثر انفاقا علي المقاهي من بين سكان الاتحاد الأوروبي ويخصصون من دخلهم ما يكاد يقارب الثلث علي المقاهي، وهي مقاه جميلة وفخمة ومتخمة بالدراسة الفنية لكل جزء حتي العادي منها ورغم كثرتها فانك لن تجد مقهي واحدا في ساعة الذروة ليس ممتلئا او مشغولا. زرت لندن فلم اجد هذه الكثرة في المقاهي بل انك تقطع شوارع مشهورة فيها كالبيكاديلي وغيره وتفاجأ انك عندما تقارنه بشارع صغير ببروكسل تحار ان في هذا الشارع الصغير مقاهي اكثر واجمل واكثر اتساعا واناقة وبأفق اكثر امتدادا. نزلنا علي ما اذكر في مقهي في لندن قرب شارع اكسفورد فأحترت أين التواليت فكان هناك ما يشبه الانفاق الملتوية والصالات التي لا تفهم ما سبب وجودها وليس فيه ما يشير الي الاناقة بل تحسبه قهوة علي محطة علي طريق باصات الهوب هوب في سورية.. عندما زرت حلب ودمشق وحماه وحمص والثورة اوائل عام الفين واربعة فوجئت ان المدن تخلو من قهاوي معتبرة بل حتي عادية جدا ولا يتجاوز عددها في وسط المدينة الثلاثة تتجمع حول نفسها في كيلو مترين مربع فقط بينما شارع كالتلل او امتداده السليمانية في مدينة كبيرة كحلب يكاد يخلو من اي قهوة وكذلك الشام الا ان دمج المطعم بالقهوة هون الامور قليلا.. تونس تتميز بكــــثرة مــــقاهيها الا ان بساطة اناقتــــها تخفيها الشمس الساطعة فيها وتسليك عن الفخامة.. في ليبيا عددها قليل والجيد منها يكاد لا يعدو اصابع اليد الواحدة. في كوبا لا مقاه ولا ما يحزنون تستطيع ان تشرب قهوتك في البيت وهي قهوة طيبة جدا تحضر في ماكينة يدوية معلقة تقطر علي البخار. وايضا لن تجدها الا في مقاهي الخبراء والديبلوماسيين لا سيما اذا وقعت علي تنظيم محترم كالجبهة الشعبية ليعزمك الرفاق ببطاقتهم علي تلك الجلسات الجميلة التي كان يتمتع بها الخبراء الروس.. ولكن لا مقاهي في كوبا رغم طقسها الساحر وطبيعتها الخلابة التي تشبه جنة متخيلة.. لا اريد ان استرسل في المقارنات الا ان احد شعراء العراق قال لي عندما التقينا في بروكسل ان هذه مدينة هادئة وتليق بالشعراء، ويتمني ان تكون مكان اقامته وان لندن مدينة حقيرة لا تشعر بقيمتك، فيها من بحار الناس الهادرة في الشوارع.. تتيح القهوة او بتعبيرها الآخر المقهي فرصة للنقاش، او اذا كانت الجلسة انفرادية مجالا واسعا للتأمل. وكم من مرة خطرت علي بالي افكار ابداعية خلاقة تجاوزت بها التنميط الذي كنت احمله عن مشكلة ما، ولكن ما يجعلني دائم البحث عن المقاهي انني دائما اختار التي امامها فضاء واسع حتي لا تتحدد افكاري بأسوار وحدود معينة وتكون طليقة الي ابعد الخيالات.
احمد صالح سلومشاعر وفنان تشكيليبروكسل6