المقاومة الثقافية في «حب لا يحتاج إلى ترجمة» للمغربية فاتحة الطايب

أسامة الصغير
حجم الخط
1

تُقدّر الكاتبة والأكاديمية المغربية فاتحة الطايب عميقا جسامة فعل الكتابة، وتتقصّد في الإنتاج، لأن كلمة طائشة قد تهوي بنسق ثقافي كامل، وما أكثر مَهاوي النسق الثقافي العربي.
في مجموعتها «حب لا يحتاج إلى ترجمة» تضع بين ناظري القارئ نصوصا قصصية تكدح بالوعي الشقي، من أجل الحـــــق في الاختـــلاف، وطرح المنظور الذاتي حول العالم، ومقاومة الهيمنة الثقافية، عبر الوعي بسلطة الخطاب والرد بالكتابة العالمة.

مورفولوجية النـص:

في هذه الأضمومة القصصية ارتأت القاصة استضافة القارئ من خلال دعوةٍ إبداعية مبتكَرة، بأن وضعت أقساما ثلاثة، وسَمَتْ كلا منها بـ»استضافة» تضم مجموعة من القصص/ الأقصوصات، واستَهلّت كل استضافة بمُفتَتَح شـــعري للشاعر النرويجي أولاف هاوكه، كأنها تدعو القارئ لـ»صالون قراءة»، لكن ليس بغاية الإمتاع والمؤانسة فقط، بل أساسا بغاية الإقلاق والمشاكسة، مُستقدِمةً وداعيةً قارئها إلى كتابةٍ بآفاق إنسانية رحبة تُؤمّن مُتّسَعا لثقافات مختلفة ومتعددة. أما ثاماوايت، تلك الأُهزوجة الأمازيغية السامقة، فقد أطلّت في قمة العتبة النصية، باعتبارها مُرتكز الذات ورصيدَها الوطني القادر على التآخي مع الآخر الكوني.

المــَضـان القصـصية:

هي إذن نصوص قصصية مقارنِة مشاكسة، تعلن العصيان المعرفي ضد سلطة المركز الميتروبوليتاني المهيمن. إن الأنا العربية الساردة لا يغويها أن ترى نفسها في عيون الآخر الغربي المتضخم غالبا، ولا تلهث وراء صورة يُكوِّنُها عنها في مراياه المُحَدَّبة، ناظرا إلى الأنا، والمُقعّرة ناظرا إلى الآخر، بل إنها اختارت عن اطمئنان أن ينظر إليها فنان صيني «كان ذا ملامح آسيوية»، ليُكوِّن عنها بورتريها جعلها تعيد النظر وتُسائل ما استقر فيها ولديها من يقينيات جوّانِية، ولمّا هي داخل «صالون القراءة «رفقة الصديقات المثقفات، يتناقشن حول أدب أمريكا اللاتينية، وبالضبط إحدى قصص الكاتب الكولومبي غابريال غارسيا ماركيز، فلم يَفُت القاصة أن تقتبس من هَدْي الواقعية السحرية في «حكاية لم يروها أحد» مُشيرة إلى ذلك التطابق المذهل بين بورتريه الرسام المغربي المعجب بها، وما خطّته يدا الفنان الصيني. تنتصر للمُهمّشين بالمعنى الكوني: السكان الأصليون في كندا، الآسيويون في فرنسا، الهنود، الجورجيون، مغاربة الأطلس القصي… إنها البطلة نفسها جوّابة الآفاق، نَجدها في جُلّ قصص المجموعة، تلك المُرتحلة في العالم: فرنسا، جورجيا، بلجيكا، كندا، لكن الأوّابة دوما إلى منبع ثاماوايت، ذلك «الجذر والمعنى لا ينضب»، كما جاء في كلمة شاهقة من الكاتبة، ضمن الملتقى العربي للقصة القصيرة الذي كرمها بمدينة خنيفرة المغربية، واختارها شخصية الدورة.

لا نعثر في النصوص على زمانِ أو مكانِ الكتابة، لكن من المؤكد أن فضاء الآخر المتعدد والمختلف يشكل مَعينا وقادحا لفعل الكتابة، حتى يمكننا اعتبار هذه النصوص وشيكةِ الرابطة بأدب الهجرة.

وحتى عندما جعلت «المفكر» بطلا في إحدى قصص المجموعة، فإنما لتسخر من ادعائه العبقريةَ، وسطوه على المعرفة، ادعاءً وتضخُّما أمام المرآة، بل كانت هي المرآة الناظرة إليه بعين النقد اللاذع، حتى أنها رفعت عنه القلم فور انتهاء قصته، لتظل دائما هي البطلة، ما يؤكد أن فعل المقاومة لا يتحقق فقط في مواجهة النسق الثقافي الخارجي لدى الآخر، بل أيضا من خلال فعل المواجهة مع الآخر الذكوري داخل النسق الواحد. إنها كتابة قصصية مركَّزة، بلا زوائد سردية، قصص مُتيقّظة بالوعي المعرفي النقدي، وقادرة على دخول غمار الحوار ما بعد الكولونيالي الكوني، الذي يُعلّمنا كيف نتقبّل ونتفهّم الآخر، ونُحوِّل ضروب العلاقة معه إلى نوع من التضامن، بدون مرُكّب تفوق أو مُركّب نقص، أن نكون نحن المنفتح، بحيث في نصوص مكتوبة بالعربية الفصحى، تتحاور وتتجاور: الأمازيغية إلى جانب الفرنسية والإنكليزية والجورجية واللهجات المصرية والتونسية والمغربية. إنها، بعبارة القاصة ذاتها وهي على مدخل مدرج السوربون: «بابل اللغات».
عبر الكتابة المرتحلة، أو النص السَّيّار غير المنجز في هوية مستكينة، تأخذنا القاصة إلى المنطقة الحَدِّية/ منطقة التّماس، وتهمس في الأفهام: إن المشاعر الإنسانية الصادقة، والحبُّ في قِمّتها، لا تحتاج بالضرورة لغةً تُترجمها إلى عالم الكلمات والألفاظ، بل يمكن لتلك الأحاسيس بالتقدير والتضامن والاحترام المتبادل أن تصنع الممكن وتَبلغ نشوةَ «سعادة من حقق بالصدفة انتصارا مستعصيا».
لا نعثر في النصوص على زمانِ أو مكانِ الكتابة، لكن من المؤكد أن فضاء الآخر المتعدد والمختلف يشكل مَعينا وقادحا لفعل الكتابة، حتى يمكننا اعتبار هذه النصوص وشيكةِ الرابطة بأدب الهجرة، إذ ليست الإقامة في المهجر شرطا مطلقا لهذا الانتماء الأدبي، أو الاقتراب منه. إن روح أَفْضيَة المهجر حاضرة بقوة، مُتساوِقة مع أفضية الذات عبر»نقد قصصي» لاذعٍ لو صحّ اجتراح هذه العبارة. ويمكن أن نُمثِّل لهذا الأمر بالفضاء الباريسي الذي استدعته القاصة، واستعارت له الفصول الأربعة، قاصدةً إلى تقديم الأوجه المتعددة والمختلفة لباريس/ فرنسا/ الغرب من مُقتَرَبٍ فكري، وليس من منطلق وجدانيات وخواطر حول «بلاد الورد واللباقة». إنها تُقلّب الأوجه المختلفة للسرديات الأَنوارية، وتحتفي بالمفكرة الهندية الرائدة غياتري سبيفاك في العرين الغربي، لكن بدون إنكار دور الآخر، أو نفيه، إذ «بفضل الجامعة الأمريكية « تحقّقت هذه الريادة.
عطفا على ما أشرنا إليه في البداية، فإننا بصدد كتابة تشحذ قرون الاستشعار النقدي لالتقاط الإشارات المعرفية من الوجود الإنساني، ولا ترتهن إلى المحكي اليومي في عادياته كما عوَّدتنا كثير من السرود العربية، بل تصنع منه أفقا معرفيا. بالتالي، فهي ليست قصصا تقرأها لتتمتّع بها زمن القراءة، بل هي كتابة تلاحق، تسائل، تسكُن، وتستفز القارئ بعد الانصراف. كتابة تُحدث ذلك التغيير والخَضّ الذي لا تبقى معه الذات القارئة كما كانت من قبل، إنها الكتابة التي تُضيف إلى حياة القارئ وتترك في أعماقه بصمات وتَصاديات غائرة.

٭ باحث مغربي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية