كان للأمة ـ ولا يزال ـ تاريخ مشرف مليء بصور البطولة والشهامة والشجاعة، صور نبعت من جيل كان يحمل معاني الايمان الصادقة، جيل استطاع أن يحول الايمان الي عمل ويصوغ من التعاليم الاسلامية طريقا لا يحيد عنه، فقد كنا نقرأ عن ذلك الجيل قصصا من الاندفاع الي الجهاد والتحرر من قيود الدنيا سواء أكانت تجارة أو أسرة، وقرأنا عن التضحية بالنفس في سبيل الدين والأمة، وقرأنا أيضا عن صبرهم في تحمل المشاق وصبرهم في تلقي الأخبار، وكم نقل تاريخنا من خنساء هللت وهي تستقبل بشارة استشهاد ذويها، وسمعنا وسمعنا الكثير.
لكن لما تراخت الأمة وارتضت الهوان وارتمت في أحضان أعدائها خارت قواها، ويوما بعد آخر تقادم الزمان وبعدت عن ذلك التاريخ، فمنذ زمن ليس باليسير لم تشهد أي نزال متوازن مع عدوها، والقوم لا ينالون العزة الا بالجهاد كما أخبرنا النبي، وهكذا بات الناس يقرأون تلك القصص وكأنهم غير مصدقين، وأصبحوا من بعدها ينظرون اليها وكأنها أساطير نسجت من خيال القاص، أساطير كانت غايتها التسلية من غير أن يكون لها أي رصيد من الحقيقة، وأحسن الناس حالا من آمن بأصل تلك القصص لكنه يعتقد أن فيها شيئا من المبالغة.
وجاءت ثورة العراق ضد طاغوت العصر أمريكا، مرحلة جديدة فرضت علي الأمة الجهاد ضد الغازي المحتل، وانطلقت شرارة المقاومة العراقية لتنتشر في أرجاء العراق سريعا انتشار النار في الهشيم، ويوما بعد آخر أخذت المقاومة تتوسع وتتطور، تشكلت فصائلها وتبلورت قياداتها السياسية وتنوعت أساليبها، خاضت المعركة تلو الأخري والمنازلة بعد المنازلة، طورت تكتيكها من الكر والفر الي معارك كبري، كبدت المحتل خسائر فادحة لم يعترف الا باليسير منها وهي ليست بالقليلة، واستطاعت المقاومة العراقية أن تكسر الطوق الاعلامي لتوصل صوتها الي العالم، وتمكنت من التأثير السياسي في الصراع الداخلي لبلدان الاحتلال، أجبرت البعض علي الانسحاب وأسقطت حكومات ورجحت كفة بعضهم في الانتخابات وأذلت وزراء فاستقالوا.
د. عبد الحميد الكاتبرسالة علي البريد الالكتروني6