بعد عشرة اشهر وعشرة ايام من استقالة حكومة سلفه نجيب ميقاتي، تمكّن تمام سلام من تأليف حكومته، تحديداً في 15/2/2014.
بعد عشرين يوماً من تأليفها لم يستطع أعضاء حكومة الرئيس سلام الاتفاق على مضمون بيانها الوزاري.
بموجب المادة 64 من الدستور، يقتضي ان تتقدّم حكومة سلام في مهلة ثلاثين يوماً من تاريخ صدور مرسوم تشكيلها، تحديداً قبل 17/3/2014، ببيانها الوزاري لنيل الثقة من مجلس النواب. لماذا استعصى على مكوّنات حكومة سلام الاتفاق على بيانها الوزاري؟ وماذا سيحدث اذا لم يتمّ الإتفاق على البيان وتقديمه الى مجلس النواب في المهلة الدستورية المحددة؟
للخلاف حول البيان الوزاري سببان: واحد ظاهري والآخر باطني. السبب الظاهري يتمحور حول المقاومة، فقوى 8 آذار تريد ان يتضمن البيان الوزاري اشارة صريحة الى تأييد المقاومة، كأن تُعتمد العبارة نفسها التي تكررت في البيانات الوزارية للحكومات السابقة، وهي ثلاثية ‘الجيش والشعب والمقاومة’، بينما قوى 14 آذار تعارض في اعتماد الثلاثية المذكورة وتريد ان يأتي ذكر المقاومة مقروناً بعبارة ‘تحت إمرة الدولة’ او ‘في كنف الدولة’. رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان مال ضمناً الى قوى 14 آذار بتوصيفه ثلاثية ‘الجيش والشعب والمقاومة’ بأنها لغة خشبية!
حزبُ الله (المقاومة) اخذ على الرئيس سليمان انه ‘لا يميّز بين الذهب والخشب’! أثناء وجوده في باريس، عاد الرئيس سليمان الى مساجلة حزب الله بقوله: ‘الحبر ليس من دون اهمية في الحياة اذ به يكتبُ التاريخ هويةَ الإنسان، ولذلك يجب احترام الحبر الذي كُتب به اعلان بعبدا’.
احد ناشطي حزب الله ردَّ على الرئيس قائلاً: ‘التاريخ تُكتبُ صفحاته الخالدة بمدادٍ من دماء شهداء المقاومة’.
السبب الباطني لا علاقة له بالمصطلحات والأدبيات بل بالمرامي والغايات. فقوى 14 آذار لا تمانع بأن يتمثل حزب الله في مجلس الوزراء، لكنها ترفض ان يُستعمل سلاح المقاومة خارج إمرة الدولة وسيطرتها. قوى 8 آذار تستغرب كيف تكون المقاومة مشروعة داخل الحكومة وتكون ممنوعة خارجها؟ تتساءل: هل يعقل ان تتقدم المقاومة باستدعاء من الحكومة طالبةً منها، تحت نيران العدو، التكرم بمنحها الترخيص اللازم للرد عليه؟ وهل تكون المقاومة بمأمن من العدو خلال الوقت الذي يستغرقه استدعاء الترخيص بالرد ذهاباً واياباً؟ الحقيقة ان السبب الرئيس للخلاف المستفحل هو السلطة. اجل، لمن تكون السلطة اذا لم يتسنَ لحكومة سلام ان تنال ثقة مجلس النواب؟
الجواب: في حال لم تنجز الحكومة بيانها الوزاري لتتقدم من مجلس النواب بطلب نيل الثقة خلال مهلة اقصاها ثلاثون يوماً من تاريخ صدور مرسوم تشكيلها في 15/2/2014، فسوف تبقى بلا ثقة، وبالتالي مدار جدلٍ دستوري وسياسي طويل. البعض سيعتبرها قد اصبحت في حال تصريف الاعمال، بينما البعض الآخر سيعتبرها بحكم المستقيلة لأنها لم تنل الثقة، وبالتالي يسري عليها نص المادة 64 من الدستور القائل: ‘ولا تمارس الحكومة صلاحياتها قبل نيلها الثقة…’.
في حال عدم نيل الحكومة ثقة مجلس النواب، واصبحت في حال تصريف الاعمال، يعتقد قادة قوى 14 آذار انهم سيكونون في وضع افضل من قادة 8 آذار لممارسة السلطة كاملةً من خلال وزارتي الداخلية والعدل، ولاسيما اذا لم تكن الحكومة مقيّدة باحترام سلاح المقاومة.
حتى لو تمكّنت مكوّنات حكومة سلام، بقدرة قادر، من ان تتوصل الى تفاهم بشأن البيان الوزاري، وبالتالي القيام بعرضه على مجلس النواب لنيل الثقة على اساسه، فإن ثقـة مكوّنات الحكومـة بعضها ببعضها الآخر ستبقى منقوصة وربما معدومة. ذلك ان قضايا خلافية اخرى ستحول دون إحرازها الثقة بنفسها.
اولى القضايا الخلافية مسألة الامن بمختلف جوانبها: دور المقاومة في مشاركة الحكومة السورية حربها ضد التنظيمات الإسلاموية التكفيرية؛ دور بعض الفئات اللبنانية في مساندة قوى المعارضة المسلحة داخل سوريا؛ دور الحكومة في مكافحة الإرهاب، خاصة ما يتعلق بمكافحة التنظيمات السلفية الإرهابية؛ تسليح الجيش اللبناني الخ…
ثانية القضايا الخلافية مسألة الموازنة السنوية بمختلف جوانبها، ولاسيما لجهة اشتراط قطع حساب الموازنات السابقة قبل تشريع الموازنة الجديدة التي ستكون الاولى بعد مضي خمس سنوات من المثابرة على إدارة شؤون الدولة بلا موازنة! فقوى 8 آذار، ولاسيما تكتل الاصلاح والتغيير بقيادة العماد ميشال عون، تصرّ على التحقيق في قضايا الفساد التي رافقت العمل لسنوات من دون موازنة، ما ادى الى حصول إهدار واسع للمال العام لا تقل مبالغه عن 11 مليار دولار امريكي، ثم هناك الخلاف المنتظر حول اسس توزيع اعتمادات الموازنة الجديدة على مختلف ابوابها، ولاسيما ما يتعلق منها بتسليح الجيش وقوى الامن الداخلي، وتأمين التعويضات اللازمة لتنفيذ سلسلة الرتب والرواتب، والاعتمادات اللازمة لمواجهة أعباء اللاجئين السوريين الذين بات عددهم يفوق المليون ونصف المليون.
ثالثة القضايا الخلافية مسألة انتخاب خلف للرئيس سليمان الذي تنتهي ولايته في 25 ايار/مايو القادم. ذلك ان التكافؤ في عدد النواب بين قوى 8 آذار و14 آذار من جهة والخلاف حول مسائل المقاومة والامن والموازنة من جهة اخرى يؤججان الصراع حول اختيار الرئيس البديل، ما يؤدي بدوره الى تأخير انتخابه فترة غير قصيرة. في هذه الحالة، ستتولى صلاحيات رئيس الجمهورية الحكومةُ القائمة، سواء كانت حائزةً الثقة او في حال تصريف الاعمال. ولا شك في ان الوضع الامني في ظل حكومة تصريف الاعمال لن يكون مضبوطاً او مستتباً.
غير ان اسوأ الاوضاع سيتكشّف في حال لم تتمكن حكومة سلام، خلال مهلة الثلاثين يوماً التي حددتها المادة 64 من الدستور، من انجاز بيانها الوزاري. فقد اعلن رئيس مجلس النواب نبيه بري والعديد من النواب ان المهلة المذكورة هي مهلة إسقاط الامر الذي يستوجب قيام رئيس الجمهورية بالدعوة الى إجراء استشارات نيابية لتأليف حكومة جديدة. لكن، ماذا لو لم يدعُ الرئيس سليمان الى إجراء استشارات نيابية؟ بل ماذا لو اعلن الرئيس تمام سلام ونصف اعضاء حكومته على الاقل ان الحكومة لا تعتبر نفسها ساقطة او بحكم المستقيلة، بل هي في حال تصريف الاعمال؟
عندئذٍ سيكون المشهد السياسي اللبناني مدهشاً بامتياز: من عشرة اشهر ونيف قضتها حكومة نجيب ميقاتي في تصريف الاعمال الى عشرة اشهر، وربما عشر سنوات، ستقضيها حكومة تمام سلام في تصريفها ايضاً!
هل ثمة طريقة ‘افعل’ من هذه الطريقة لـِ’تصريف’ الوطن والشعب معاً؟
‘ كاتب لبناني