المقتلة الأهلية عقاب النهضة الآفلة لذاتها بالنيابة عن أعدائها؟

حجم الخط
0

المقتلة الأهلية عقاب النهضة الآفلة لذاتها بالنيابة عن أعدائها؟

مطاع صفديالمقتلة الأهلية عقاب النهضة الآفلة لذاتها بالنيابة عن أعدائها؟فورات الدم تفرض نفسها علي أقلام الحبر. كيف الكتابة، بالدم أم بالحبر أو بهما معاً. صولات الموت لا تسبق الفهم بل تمنعه أو تختطفه من ذاته، أو تجيّره لمصلحتها. إرهاب العالم يعني إلغاء عقله. خبراء التآمر حلّوا مكان حكماء الإنسانية. وحيثما يمكن للمثقف أن ينشغل أحياناً وللحظات عابرة، بإنتاج الأفكار، فإنه في واقع الأمر ليس سوي ذلك الضائع في جغرافية الموت، حيثما ليس ثمة فكرٌ. ومن ينكر حقائق فكر ليس سوي فكر آخر من نوعه وأن يكن ليس من جنسه. فأين هو الحَكَم إذن، وبعد أن تقوضت محكمة التاريخ، رداً علي تقويض محكمة القانون.مقياس المدنية قدرتها علي إنتاج الحكم في لحظات الاستعصاءات البهماء. لكن عالم اليوم أمسي فاقداً لذاكرة الحق؛ فكيف يمكنه الاحتفاظ بدور ما للحكم. ذلك أن (السياسوة) الدولية كانت هي دائماً تنويعات بارعة في فن الكذب أو التكاذب العمومي، خاصةً بين الدول الموصوفة بالكبري، وضداً علي (السياسة) التي هي فن الفكر في صناعة الحقيقة التي تتشبث باصطلاحاتها عادة، طلائعُ الشعوب المضطهدة، كبديل إنسانوي عن زراعة الفوضي ملء حنايا تطوراتها العصية، والانتهاء بالغرق تحت حصادها من صنوف الدمار الشامل الفاقد للإسم والهوية، إلا وجه الموت المجاني وحده.ثقافة المجازر المتنقلة عبر قارة العرب والإسلام تحديداً، هي آخر رسالة (تحديثية) للسياسَوَة الدولية، في حقبة الارتهان كلياً لاستراتيجية الأمركة المختزلة تحت شعار إرهاب العالم. هذا الارتهان لن يختلف من طور نيابي إلي آخر، جمهوري كان أو ديمقراطي، أو بهما معاً، كما الحال اليوم. ثقافة المجازر ما اعتادت أن تخطط أو تفكر وتنقذ إلا بأرقام الجثث المشوهة أو المقطوعة الرؤوس، كل صباح عراقي، ومثله كل صباح فلسطيني باصطياد الشباب وقتل الأطفال والنساء وتهديم البيوت وتجريف المزارع بفعل جيش أمريكا الإسرائيلي. وفي الآن عينه يتم الإعداد المنظم لاستنساخ نماذج محلية في لبنان راهناً، وبعده ربما في سورية وإيران، ومنقولة طبعاً عن (إبداعات) المقتلة المذهبية الموسادية المتواترة في بلاد الرافدين. كأن ثمة تعليماً معرفياً متخصصاً بابتكار نظرية التدمير الذاتي ورسم الدليل العملي لوضعها موضع الممارسة، والمصاحب لتطبيق المقتلة الأهلية واستنباط تمارينها الخبيثة، بدءاً من مرحلة التفجير وتعيين مداخلها الدموية، والقائمة تأسيسياً علي إنجاز الاجهاز المنظم لسلطات الدولة، بعد تعجيز سياسات الحكم الدستوري تحت وطأة السقوط المستفحل في وعثاء الفساد المعمم من رأس الهرم إلي قاعدته في مؤسسات السلطات الثلاث: التشريعية والتنفيذية والقضائية، كما هو حاصل في بنية الدولة الوطنية المتداعية الأركان، والمتهالكة في تجاربها العقيمة. تلك هي الأرض الممهدة محلياً وإقليمياً لانتشار ثقافة المجازر المتنقلة عبر قارة العرب والإسلام؛ في الوقت الذي انتهي إليه عالم اليوم، فاقداً لذاكرة الحق، فكيف يمكن التعويل عليه للقيام بحد أدني من دور الحَكَم في مظالم الشعوب المقهورة، أو حراستها ليس فقط من وحوشه الفالتة من غاباته العصرية، بل من وحوشها هي عينها، الكامنة تحت براقع التنمية الخادعة، الممتصّة لثروات شعوبها الممنوعة عليها مقدماً، حتي قبل أن تدري بها أو يُسمح لها بأدني مشاركة رأيٍ في طريقة حراكها أو أوجه استثمارها.فالسؤال المتبقي للفكر في لحظة الأفول النهضوي المسيطرة بإيقاعها المرعب علي الزمن العربي الراهن، ينحصر في الإشكالية التالية: لماذا هي المقتلة الأهلية تكاد تفرض نفسها كالحل الأخير بعد إحباط أو استنفاد كل الحلول الأخري الموصوفة بالسلمية والحضارية. فقد باتت المقتلة الأهلية بمثابة العقاب الذي تنزله المجتمعات الفاشلة نهضوياً بذاتها، وبعد كل تمارين التقدم المتعثرة. وقد يكون أول من يستحق هذا العقاب الذاتي هي أصناف الطلائع في مجالات الحراك الاجتماعي العام، من رموز السياسة والعسكر والثقافة والاقتصاد الذين تنطعوا لقيادة مراحل التحولات المجهضة دائماً من كل وعودها، هؤلاء الذين لم يصلوا إلي مراكز القيادة أو التوجيه بفضل إمكانياتهم أو مواهبهم، بقدر ما هي ظروف الصدف العمياء وحدها التي تأتي بمن لا أهلية له في أمر لكي يتسلم مقاليد الأمور كلها دفعة واحدة. فبعد أن كانت الانقلابات العسكرية هي وسيلة التغيير المتاحة، تكاد تحل محلها اليوم المقتلة الأهلية، فالشعوب العاجزة أو المعجّزة (بتشديد الجيم) عن إيجاد الحلول لمشاكلها الحيوية تحكم علي نفسها بالعقاب الأخير، بالارتماء إلي جحيم الاقتتالات الأهلية، بالإنتحار الجماعي كخيار نهائي. إنه الاعتراف الدموي والهمجي بعقم النهضة عن استيلاد الحداثة العقلانية، والتحرر من استعباد الانحطاط الإنساني قبل الانحطاط الاجتماعي.إنها المقتلة الأهلية قدر الاستسلام الجماعي، هي الاعلان الجماهيري عن حال الافلاس الوطني، والاستسلام الطوعي لمختلف بلايا التفكك البنيوي الموروث عن أرصدة التخلف، عن تبديد الرأسمال الرمزي للحضارة تحت وطأة الاكتساح المشؤوم لإرادة الانحطاط ضداً علي إرادة التغيير. فالمفجع حقاً في المشاهد الأخيرة لافول النهضة، هو أن معظم الكيانات الدولتية العربية والإسلامية مصطفة في طابور الترشح الحتمي للانتحار الجماعي. أكثرها استنزف تمارين العنفين السياسي والاجتماعي، وأصبح علي مشارف العنف الأمني الأقصي، أي مقتلات الناس فيما بينهم، كما هو حاصل أخيراً في لحظة قصوي من انفجار همجيات الثأر والثأر المضاد ما بين أحياء بغداد، حسب عناوينها المذهبية.أمريكا الفاشلة في تثمير الغزو استسلاماً تاماً لشعب العراق، تلجأ إلي تثمير عبقرية التخريب المنظم لدي خبرائها في تغذية ضغائن اللاشعور الجمعي التي لم تساعد تجارب الانقلابات العسكرية في تفريغها من صديدها الآسن، إبان تقلبات الدولة الوطنية، بل ضاعفت أنظمة الأحاديات الفئوية أو المشخصنة من رصيد ذلك الصديد الآسن تحت ثقل الدولة البوليسية. فالغزو ثم الاحتلال كانا رهانهما الأساسي علي تفعيل أوبئة المستنقع الباطني هذا، وبرمجة إطلاق دفعات منها متناسبة طرداً مع مراحل الانتكاس في مشاريع الاحتلال؛ لعل المجتمع المنكوب يستسلم أخيراً إلي أسوأ مصائره تلقائياً، متنازلاً عن أهم مكتسبات نهضته الآفلة، وأولها نسيج السلم الأهلي؛ فيكاد يشرع أصحابه أنفسهم في تمزيق أوصاله بأيديهم، نيابة عن الأمريكي الذي يجدد احتلاله مع كل مقتلة رهيبة، ينجرّ إليها الأهالي جرّاً وهم أسري لقانون الفعل ورد الفعل.في هذه الآونة المظلمة من حقبة الأفول النهضوي التي تنوء بكلكلها علي معظم أقطار المشرق، أمست المقتلة الأهلية هي عنوان الحقبة الراهنة بعد انسداد كل الطرق نحو التغيير بقوة الإرادة المدنية وحدها، وكالعادة يشخص لبنان المسرح الريادي لأحداث المنطقة. فقد كان لبنان، وقبل العراق، يمثل الساحة المفضلة الأولي لتجارب (الإبداع) الاقتتالي الأهلي، وفظائعه المأثورة، وذلك تعويضاً عن إحباط المتغيرات المدنية التي كان لبنان هو السبّاق أيضاً إلي اجتراح معالمها. لكن لبنان اليوم يكاد يستأنف الجانب الأسود من مصائره المتعارضة، مبتعثاً شياطين الاقتتال الشعبوي العبثي، عشية الفخ الدموي ـ مع مقتل نائب الكتائب بيير الجميل ـ وقد حل توقيت الاغتيال المشبوه بأصابع الخارج قبل الداخل، في لحظة الذروة من تصاعد العنف السياسي وانغلاق منافذه الأخيرة؛ بما يشكل الإنذار الحاسم بالانطلاق نحو العنف الأمني. كأن ثمة تعليما معرفيا خاصا يضع نظرية التدمير الذاتي موضع التنظير البياني السابق والملاحق لفصول تطبيق المقتلة الأهلية المصممة، وبدءاً من مرحلة التفجير بالإغتيالات السياسية المدبرة، كأحد المداخل المفضلة نحو جولة التسعير الجهنمي المصمم. كل هذا يأتي عادةً بعد جولات من برنامج الإحباط المنظم لكل محاولات استعادة الدولة اللبنانية لاستقلالها الحقيقي، وحمايته من الإختطاف المتجدد باليد الأجنبية واستطالاتها الداخلية المعهودة.هل هو قانون الحلقة المفرغة الذي تسقط تحت سلطاته دائماً النهضات المتعثرة في لحظات أفولها. حيثما تغتال كل مرحلة طارئة مكتسبات سابقاتها. ترتد الأحوال المستجدة إلي البدايات التي اندثرت آثارها حيثما كانت تطلب أو تُرتجي. فلا يتبقي للشعوب المنكوبة إلا التطلع إلي أبسط شروط السلامة العامة، التي تغدو هي كذلك بعيدة المنال، وهي المحاصرة وسط دوائر النار المتناسلة من بعضها. 9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية