ثمة فرق كبير بين مفهوم الخفة والابتذال، الخفة هي هذه المقدرة السحرية في التعامل مع الموقف المكتوب، صياغته وإدارته بطريقة تحفظ في قلبه طريقا للبسمة، وتُسرب إليه وصلة إنسانية، ليس من المهم رؤيتها وإنما الأكثر قيمة هو الشعور بها تنبت من نفس كل شخصية، من ظروفها، وطبيعة علاقتها مع من حولها، أما عن الابتذال فالطرق إليه عِدة، ولها سماتها المعهودة في الأفلام الأمريكية، من ألفاظ بذيئة وحوارات خاوية حول اللاشيء، مشاجرات مفتعلة، وإيفيهات جنسية جامحة. ولأن فيلم The other Woman يفتقر إلى مفهوم الخفة، فهو بالطبع يحتوي على كل ما سبق ذكره عن الابتذال بجدارة.
خطة الدراما
قصة الفيلم، قصة معهودة وإن كانت هذه المرة مختلفة في شكلها، فهنا الزوجة تتحالف مع العشيقة للقضاء على الزوج المخادع، ولأن الفكرة لن تأتي بجديد، ظل السيناريو يُماطل بطريقة ملفتة في إرساء نوع العلاقة التي ستنشأ بين الزوجة والعشيقة، هل هي صداقة حميمة؟ أم مجرد زيارات ستنتهي مع اختفاء الموقف برمته، مع التعمد في تقديم الزوجة بمظهر معتوه، والمغالاة في ذلك بشدة، لخلق مجال للكوميديا، فهذه المرأة الطفلة الدائمة البكاء والصراخ، تتوق لصداقة المرأة التي سبق وأن شاركتها زوجها، والتي تأتي نقيضة لها في أدق الأمور، رصينة، هادئة، جذابة، ومثيرة. ولأن الموقف ليس كافيا لبعث الضحكات، كثُر استدعاء فاعليات الابتذال التي سبق وأن ناقشناها، والتي يأتي منها على سبيل المثال حديث المرأتين عن كيفية الاستعداد قبل اللقاء الجنسي.
قد يكون الفيلم بالفعل في هذا الجزء استلب بعضا من الضحكات، ولكنه تنافى مع المنطق، فلم يتشبث بشخصية الزوجة على هذا القدر من البلاهة طوال الوقت، وخصوصا في نهاية الفيلم، غير أن هذه البلاهة لم تتخذ شكلا واحدا على الدوام، ولا يتبين ماهيتها في كونها تنبع عن طبع بشري تلقائي، وإنما تبدت وكأنها شو سينمائي تمت كتابته لفيلم اسمه The other Woman . ويسعنا المقارنة بين هذه الشخصية وشخصية أخرى برزت على هيئة جلية من الإضطراب والتشوش الذي يدعو في حد ذاته إلى الضحك بغض النظر عن دراما الفيلم الجانحة نحو الشجن، وهي شخصية الزوجة في فيلم Come on little Sheba 1952، فالشخصية التي أدتها ‘شيرلي بوث’ هنا لو وُظفت وبنفس هئيتتها في فيلم كوميدي، لكانت أكثر إقناعا واستلابا للضحكات، لأنها عفوية، تصرفاتها الطفولية العبثية هنا جزء من طباعها لا يمت بصلة إلى الافتعال. وهذا بالضبط ما يتواءم مع مفهوم الخفة، والذي يكون في أساسه قائما على عمق ما مرتبط بخلق الشخصيات وخط الدراما وتشبيك العلاقات، وهو ما يساهم فيما بعد في إثراء الضحكة لأنها لاقت طريق قبولها أولا في قلب المتفرج.
وبعدما تنشأ هذه الصلة المبتغاة ما بين الزوجة والعشيقة أخيرا، يضيف السيناريو وجها آخر للتجديد، فيكشف عن عشيقة ثانية تقبل بمنتهى الطواعية الانضمام إلى ذات الجماعة غريبة الأطوار، وفي هذا الجزء تحديدا، تبرز ارتباك الفيلم، واستماتته في أن يفتعل أحداثا مماثلة لكي يُبدد الوقت، الذي لن تستنزفه الخطة المقترحة لما هو قادم في الأحداث، وهي خطة الإنتقام من الزوج، حيث القرار الذي توصل إليه التحالف النسائي بعد وقت ليس بقليل، وبعد طول انتظار المتفرج للنتيجة التي سيحتمها كل ما يحدث أمامه، من التلاقي المستمر بين هؤلاء النسوة ورغبتهم في قضاء وقت لطيف في الرقص والسهر. ويبدأن الإنتقام بالفعل، فيبدو إنتقاما كرتونيا، في طريقته وأسبابه من البداية، فما الذي يدفع زوجة تكتشف خيانة زوجها المضاعفة إلى الانتقام منه وهي مازالت تعاشره وتقبل به زوجا، ونفس الفكرة تخص العشيقات فما باعث تورطهم وانغماسهم في هذه الحكاية برمتها إلى هذا الحد من الجنون وتضييع الوقت.
ما حدث في فيلم The other Women لا يأتي على قدر من الملاءمة الدرامية، فالزوجة بدأت في الانتقام من زوجها بنفس الطريقة العبثية، دون أي غاية واضحة، فلماذا تفعل كل هذا؟ وماذا بعده؟، فكل ما يتأتى عن هذه التصرفات التهريجية التي يقمن بها حيال هذا الرجل المخادع، تدلل على كونهن لم يطرحن سؤالا بسيطا على أنفسهن في البداية، ما الذي تبغيه كل منهما من كل ما يحدث. وبالتالي ولأن كل هذه المشاهد أقحمت عمدا لاختلاق الكوميديا، حاول السيناريو أن يتداركها فيما بعد، فيزيد من حدة الانتقام ويصل به إلى مستوى مقنع، فتبدأ الزوجة بالبحث عن حقوقها المالية وتهدم طموحات زوجها الاستثمارية، وفي جرأة تطلب منه الطلاق.
الأداءات
على الرغم من سخافة الشخصية التي أدتها ‘ليسلي مان’ وهي شخصية الزوجة، إلا أنها بذلت مجهودا واضحا لكي تحاكي هلاميتها، وإن كانت هذه الشخصية تحمل أيت من ملامح اللطف فهو بفضل طلة ‘لسيلي مان’، وإلى جانبها كاميرون دياز في دور العشيقة الأولى، فظهورهما معا دفع عن الفيلم المزيد من الفشل، واختزل عليه الكثير من أوقات الملل والتأفف، ولو أن كل واحدة منهن كان الأولى بها أن توفر مجهودها في فيلم آخر يستحق.
آخر كلمتين:
ـ التجارية في حد ذاتها ليست عيبا، والأفلام القائمة على مفهوم الخفة، هي الأكثر تحدي، وفي غمار كل هذا الاستسهال، يحق لنا إحترام أي فيلم يستطيع تحقيق هذه المعادلة بنجاح، فإنتاج الأفلام السيئة على مثل هذه الشاكلة لن يروج لمفهوم سيىء عن النوعية بأكملها، ولن ينفي عن الأفلام التي تستحق الإشادة فيها جديتها في أن تحظى بإحترام وتقدير الجمهور.