المقرئون الثلاثة

إحدى وظائف الموسيقى أنها تغير أشكال أحلامنا، وتهذب طباعنا وتعيدها إلى نغم الطبيعة الأول، فلا غرو في أننا لا نجد موسيقيا قاتلا أو منحرفا في أخلاقه وسلوكه، أو في مزاجه، والمزاج هو لبّ البشر، فمن كان طبعه ناريا بعُدَ عن أهل الطرب والنغم آلاف السنين الضوئية، ومن رق دمُه صار لهم مثل القرين.
ويمكننا عدّ دفتر النوتة مختبرا لروح الكائنات السامية والرفيعة والخالصة، من لم ينجح في هذا الفحص فإنه من أوشاب وأخلاط الدهماء من الناس. كما أن الفن يعمل من أجل مسرات الحواس النقية، وكل حاسة لها مستقبِلٌ عصبي ينشط في ساعة، ثم يأخذ منه التعب فيقوم مجس آخر بالمهام، إلى أن ينتهي النهار، وتعمل عندها أعضاء العشية الحسية، وبعد ذلك يحل الظلام ومعه ينطفئ بعضٌ من أبداننا ويستيقظ بعض، وللأحلام هي الأخرى مكانها في مركز الحواس الرئيسي، فالكثير منها عبارة عن رغبات مؤجلة أو مقهورة أو مستحيلة.
من أعمال الفيلسوف الفارابي أنه خص لكل وقت من أوقات اليوم، موسيقى ونغما مختلفا، لأنها تجدد القوة الدافقة للحياة، وهذه ليست في الظهيرة نفسها في منتصف الليل، وكنتَ تفكر تلكَ الصبيحة في النشيد الذي تبتدئ به يومك، وقامت في تلك اللحظة هذه الأنشودة كأنما تريد التحرر من بين أضلاع صدرك، أي السجن الذي يحبس نفسَكَ:
«صاحِبْ صحيبَكْ سنه/ وبعد السنة جربهْ/ وامشي وياه بزَعَلْ/ وبعد الزعل جربَه»
أدى هذه (البستة) – أي الوصلة الغنائية بعد المقام- منشدون عديدون عراقيون وعرب، وأجاد بها الجميع كُل حسب قدرته، لكنها أذيعت أول مرة واشتهرت بصوت المطرب الكفيف سعدي البياتي، من قال إن السماع في الفجر وأول النهار هو خاصةٌ بياسمينة لبنان فيروز، بل إنني أطرب في وقت الفجر مع أخشن أنواع الغناء وأقساه على الأذن، في نوع من الاحتجاج على نظرية الفارابي، ولو أدى الأمر إلى ما ندعوه بتشويش الحواس، وهذا مطلوب في هذا الزمان، وكل من يقوم بثورة على القديم يجد أتباعا ومريدين، فهل أكون أحد المجربين في عالم الغناء، إن قلتُ إن سماع الألحان الصاخبة في الصباح يزيد نبض الحب في أرواحنا قوة، وهذا يضاعف مَنْعَتَنا ضد الكراهية التي هي سوس البلاء بيننا، كما أن الصوت العالي والصاخب يصيّر بدنَك كله أعضاء وظيفتها السماع من أجل الطرب وحده ولا شيء سواه، وثلاثة أرباع الطرب عبادة، والربع الأخير استغفار، فأي آلهة رحيمة ترعاك وأنت تسمع الغناء العراقي في الصباح، وليت العالم يشاركك طقسك السحري هذا، فإن الضغائن والعداوات تنتهي عندها بين بني البشر، ولا أحد يكره أحدا أو يريد غِشه وسرقَتَه بأي طريقة، وهذا هو تفسير أمر التطهير الذي استعان به أرسطو في شرح نظرته إلى الفن.
يعرّف الروائي والشاعر الفرنسي فيكتور هوغو الموسيقى بأنها الواسطة التي «نعبّر بها عما لا يمكننا قوله ولا يمكننا السكوت عنه»، لكن التزود اليومي المكرور من الموسيقى اللينة والهادئة قد يصيبنا بالاكتئاب، الذي تنتج عنه الصلابة في العيش مع الشدة، وعندما تصغي إلى الطرب العراقي فإنك تدخل مباشرة في دنيا الغناء، وترى كل ما حولك موسيقى وأنغاما، السماء تصير رحبة، وكل ما في الكون يؤدي معك شعائر هذا الطقس السعيد، وهذه مهمة الملائكة التي تسبّح بحمده جلّ جلاله، لأنها إلى جِبلته أقرب من طريق الحساب والثواب والعقاب، والدليل على هذا في الديانات القديمة كان رجل الدين يحمل آلة موسيقية، ويتلو ما يريد مما تنزل من السماء بواسطة الموسيقى، لأنها اللغة العامة بين جميع الكائنات الحية والجامدة والميتة. هنالك حديث قدسي يذكره ابن عربي: «كُتِبتْ على ربكم الرحمة»، نفهم منه أن الجميع تشملهم الرحمة الإلهية والرعاية في يوم القيامة، كما لو أن العقاب الذي تذكره الكتب المقدسة معنوي وليس نارَ جهنم، وبواسطة الموسيقى والغناء يتم تطهير النفس من جرائمها وشرورها جميعا، لتعود نقية تستحق العيش في الجنة التي عرضُها السماوات والأرض.
في الكوميديا الإلهية يخصص دانتي مكانا للمطهر يتكون من جبال شاهقة يبلغ ارتفاعها 3000 ميلا فوق الأرض، على المؤمن أن يجتازها جميعا – وفق نظرية ابن عربي – وهو يصغي إلى الموسيقى والغناء، ولا يجد ما يفيده أكثر في هذه المهمة الشاقة والمقدسة أحسن من الغناء العراقي، لأن واضعيه تحملوا العذاب والتعب والنصَب، وكابدوا كثيرا، كما لو أنهم سكنوا الجحيم دهورا، ثم طلعوا منه بهذا النشيد الشجي.
أغنيتي في صباح اليوم من كلمات الشاعر جبار صدام، وقالتها المطربة نجوى كرم بصيغة تختلف عن الأصل، وصارت بلسانها اللبناني وبصوتها الذي يحمل نكهة الغابة والجبل: «صاحب صحيبك سنه/ وبعد السنه جربو/ واقسى عليه سنه/ وبعد السنه جربو».
يرفعُ أهل الجبل مخارج الكلام لأنهم ينظرون إلى ما يعلو العين، فعليهم أن يقولوا لغته، بينما يسكن ويكسر أهل الوسط والجنوب في العراق حروف كلامهم، لأن أرضهم السهلة والمنخفضة تتطلب منهم ذلك، وكي تكون فعالا في يومك، ويكون لما تقوم به لمحة من تفاعل وحماس وحمية، أنصحك أن تبتدئه بالصاخب والخشِن من غنائنا العراقي، خاصة الجنوبي منه، والذي مَنشَؤه صحراء الرمادي، وكذلك أغاني مطربات ومطربي الغجر، والمقام العراقي خاصة:
«صاحب اللي قلبه سمح/ واللي ما يدوّر ربح/ تقدر عليه تعتمد/ وأكثر بعد جربه…».

آخر حاسة نفقدها ونحن نحتضر هي السمع، وأطيب ما نأخذه معنا إلى القبر الموسيقى والغناء، وإذا كان لكل بلد طريقته الخاصة في الغناء، فإن الطرب العراقي أغلبه صاخب، إن لم نقل كله، وأعلى المنشدين صوتا هم قراء المقام، رغم أن قطاف هذا اللون من الغناء يبدو مريرا، لكنه في واقع الحال نشيد فيه ألحان الحب والحزن والسعادة والفقدان واللقاء.

يحطم المغني، كما يقول كافكا، «بفأسه البحر المتجمد داخلنا» ويهيئ الجو كي نشدّ حالنا، وننظر يمينا وشمالا، نكتشف الناقص في الوجود والكامل، وعندما يمضي النهار وتتربع السماءَ شمسُ الأصيل يفيدك الغناء لأنه يجدد يومك، فيصير وقتُ العصرِ صبحا ثانيا، وفي المساء تصنع الأنغامُ الخشنة صوتَ الضوء الأول في ليل مدينتك وقريتك، وإن كنت تسكن الريف فإن الضياء يدخلك أولا عندما تدحرج الريح اللحنَ إلى عتبة بيتك، في العتمة التي تهبط، تنزل الأغنية تحت الأرض، وتختفي بين جذور الأشجار في البساتين، لتكون وعدا بثمار تقطفها في وقت السهرة وأنت تصغي إلى سعدي البياتي مالكِ أغنية (صاحِبْ صحيبَكْ سنه)، حيث يدعوك هذا البلبل الأعمى إلى أن تكمل أحلامك وفق هذه المعادلة:
أغنية كاملة = حلمٌ سعيد.
آخر حاسة نفقدها ونحن نحتضر هي السمع، وأطيب ما نأخذه معنا إلى القبر الموسيقى والغناء، وإذا كان لكل بلد طريقته الخاصة في الغناء، فإن الطرب العراقي أغلبه صاخب، إن لم نقل كله، وأعلى المنشدين صوتا هم قراء المقام، رغم أن قطاف هذا اللون من الغناء يبدو مريرا، لكنه في واقع الحال نشيد فيه ألحان الحب والحزن والسعادة والفقدان واللقاء، ويجري فيه الإخبار كذلك عن حالة العشق بصورة يُغالى في توكيدها، وله مكانة خاصة لدى العراقيين كذلك، فمغني المقام يسمونه مقرئا، إسوة بمجودي القرآن، وترفع هذه الآصرة مسألة الاعتقاد بأن المقام نشأ في قرون بعيدة إلى درجة اليقين، في عهد المغول أو السلاجقة أو العهد العباسي، فقد تم زرع تلاوة القرآن في الصدور منذ مئات السنين، ونبت من الجذر نفسه نشيد اسمه المقام العراقي. وتزداد الوشيجة بين الاثنين إذا عرفنا أن قارئ المقام في أصوله لا تصاحبه موسيقى، فهو يتلو أبيات الشعر الصافي ويجود في صياغة ألحانه قدر ما يستطيع.
الشادي الثالث الذي يدعوه العراقيون مقرئا هو البلبل، في الفجر يتلو تسبيحة عن جمال الكون في أنشودة بلا كلمات. لا نقول في بلدنا غرد البلبل أو شدا، لكن نصفُه بأنه يقرأ، ولو أنصتم إلى بلبل بغدادي يتلو ألحانه بالتتابع والتكرار النغمي، لما شككتم في حقيقة اشتقاق المقام العراقي في أصله من شدو البلابل، كما أن هناك بين الاثنين، أو الثلاثة، إذا جمعنا إليهما التجويد البغدادي لكلام الله، آصرة عميقة وغائرة، إلى درجة أننا لا نعرفها. يذكر ي. قوجمان مؤلف كتاب الموسيقى الفنية المعاصرة في العراق، أن حفلات المقام كانت تُقام في الماضي في البيوت البغدادية عند العشية، وعندما ينتصف الليل يُقدم العشاء ويذهب بعد ذلك الأطفال وبعض النساء إلى الفراش، ويمضي البقية سهرتهم مع النبيذ، وتشتد مع الوقت ضراوة الإنشاد لدى المقرئ، وتضرم نار الحب قلبه فيتأوه وينتحب، إما كمدا أو حنينا، وإذا طلع الفجر علا من الجامع القريب صوت المؤذن، ويقابله المنشد الثالث وهو البلبل، ها هم المقرئون الثلاثة (قارئ القرآن وقارئ المقام والبلبل) يبدؤون اليوم بنشيد روحي عالي النبرة، لأنه يضم ثلاثة أصوات، يصاحب الشمس وهي تشرق شروقا لا متناهيا يبدد العتمة في البيت الميتافيزيقي الذي اسمه (العراق)، وهذا يفسر سبب الصخب الذي هو غالب في الغناء العراقي.
أعذب المجودين للقرآن هم المكفوفون، كما أن نسبة عالية من المنشدين، من إسحاق الموصلي إلى مطربنا سعدي البياتي، هم مكفوفون أيضا، وكي تكتمل السبحة مع المقرئ الثالث، ويصح الرأي الذي ذهبنا إليه في هذا المقال، صاغ العراقيون قانونا حول شدو البلابل: «افقؤوا عيون البلابل كي يصبح نشيدها أكمل».

كاتب عراقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية