يقول حقوقيون في الجزائر إن زيارة المقرر الأممي ظلت تتأجل منذ سنة 2011 حيث كانت السلطات في كل مرة تتحفظ على مجيئه بمبررات مختلفة.
الجزائر ـ «القدس العربي»: بعد عدة سنوات من الانتظار، زار المقرر الأممي المكلف بحرية التجمع السلمي وإنشاء الجمعيات الجزائر أخيرا بموافقة سلطات البلاد التي تسعى لإقناعه بتغير الوضع الحقوقي للأحسن بعد اعتماد الدستور الجديد وإصدار عدة قوانين عضوية، في وقت يرى نشطاء ومعارضون عكس ذلك، حيث أبلغوه بوجود تضييق على حرية التجمع وإنشاء الجمعيات، واستعرضوا أمامه عدة حالات تؤكد حسبهم ذلك.
يقول حقوقيون في الجزائر إن زيارة المقرر الأممي ظلت تتأجل منذ سنة 2011 حيث كانت السلطات في كل مرة تتحفظ على مجيئه بمبررات مختلفة. وفي العام الماضي، كان مقررا أن يأتي شهر أيلول/سبتمبر، لكن الحكومة طلبت منه الانتظار سنة أخرى، وظهرت عدة أصوات معارضة حينها تقول إن غاية التأجيل المتكرر هو تفادي ملاحظات مزعجة، لكن الزيارة هذه المرة تمت خلافا للتوقعات بإرجائها مرة أخرى.
وتشير قراءات إلى أن السلطات الجزائرية، خاصة بعد انتخاب البلاد عضوا في مجلس حقوق الإنسان الأممي، تريد إظهار انفتاحها على التعاون مع الهيئات الدولية في هذه المسائل التي ظلت من بين أكثر ما يثير ضدها تقارير سلبية، خاصة في فترة الحراك الشعبي وما تلاه من أحداث، حيث شهدت البلاد سلسلة اعتقالات ومحاكمات طالت سياسيين ونشطاء وصحافيين، بتهم مختلفة تتعلق بالنظام العام.
وبعد وصوله للجزائر، بدأت معركة من نوع آخر على كليمان نيالتسوسي فولي وهو طوغولي الجنسية، بين كل من السلطة من جهة ومناوئيها من النشطاء والمعارضين، إذ يحاول الكل شحذ الأدلة التي تُظهر من وجهة نظر أولى بأن «الجزائر الجديدة» وهو شعار المؤيدين للرئيس عبد المجيد تبون، تختلف عن الحقبة الماضية، ومن وجهة نظر ثانية عند المعارضين له أن الوضع انتكس إلى ما هو أسوأ في المجال الحقوقي وجانب الحريات الإعلامية والسياسية بشكل عام.
وزراء يدافعون عن الحصيلة
وضمن هذا التجاذب، أجرى مسؤولون حكوميون محادثات مع المقرر الأممي. وفي اللقاء الأخير مع وزير الاتصال محمد لعقاب، دافع الأخير عن وجهة النظر الحكومية فيما يتعلق بمسائل «تجريم الصحافي، قضية معتقلي الرأي، وإمكانية الوصول إلى المعلومة والتأكد من مصادرها الرسمية» وفق ما ذكر بيان لوزارة الاتصال.
وأكد الوزير في حديثه أن القوانين الجزائرية المتعلقة بالصحافة لا تنص على عقوبة سالبة للحرية، وأن العقوبات المادية طفيفة ولا تتعلق إطلاقا بحرية التعبير وإنما بطرق التسيير، مشيرا إلى أن قانون الإعلام الجديد يلزم المؤسسات الإعلامية بالتكوين المتواصل للصحافيين وبالتأمين على الحياة أثناء تأديتهم لمهامهم في مناطق الأزمات.
وأبرز أن الرقابة في العمل الإعلامي غير موجودة في الجزائر عدا الرقابة البعدية، إذا ما تعلق الأمر بنشر خطاب الكراهية والتمييز أو الإساءة لرموز الدولة أو الشتم، القذف أو التجريح، وهي كلها أفعال يجرمها القانون الجزائري.
كما التقى المقرر في نفس السياق وزير الشؤون الدينية والأوقاف يوسف بلمهدي. ورغم عدم ورود تفاصيل عن المسائل التي تضمنها اللقاء، إلا أن المتوقع هو تناول واقع الحريات الدينية والأقليات غير المسلمة وبعض الطوائف التي ظهرت على الساحة في السنوات الأخيرة مثل الأحمدية، بالنظر للاهتمام الغربي حول هذا الموضوع والذي يمكن ملاحظته في تقارير الخارجية الأمريكية حول الحريات الدينية وأسئلة النواب الأوروبيين لمسؤولي بلدانهم خاصة في الشق المتعلق بحرية العبادة للمسيحيين وإغلاق عدد من الكنائس غير المرخصة في الجزائر.
وبالمثل، أجاب مسؤولو وزارتي العدل والداخلية على أسئلة المقرر الأممي حول القوانين الجزائرية المنظمة لحرية التجمع وتشكيل الجمعيات، في ظل ارتقاب مناقشة قانوني الجمعيات والأحزاب الجديدين خلال هذه الدورة البرلمانية وكذلك الاعتقالات التي طالت النشطاء. وما كان قد جلب الانتقادات للجزائر في هذا الشأن، هو التعديلات التي أجريت على قانون العقوبات في عهد وزير العدل السابق، خاصة فيما يتعلق بتهمة الإرهاب التي تم توسيع تعريفها، ومحاكمة عدة نشطاء بها بالإضافة إلى التوسع في إجراء الحبس الاحتياطي، على الرغم من توفير المتابعين لضمانات المحاكمة وهم قيد الإفراج.
وفي مقر البرلمان، استمع المقر الأممي في لقائه مع مسؤولي المجموعات البرلمانية، إلى شروحات حول الحياة السياسية في الجزائر ودور المرأة والشباب ومشاركتهما في العمل السياسي، قريبة في العموم من وجهة نظر السلطة.
وقال رئيس المجموعة البرلمانية لجبهة المستقبل فاتح بوطبيق، إن الجزائر سنّت 5 قوانين عضوية تحتل المرتبة الثانية بعد الدستور، واحد منها متعلق خصيصا بالأحزاب السياسية، كما تضمن دستور 2020 حسبه دور المعارضة داخل البرلمان وأعطى حرية أكثر لحرية المعتقد والشعائر الدينية.
وأكد رئيس المجموعة البرلمانية لحركة البناء الوطني كمال بن خلوف من جهته، بأن دسترة مشاركة الشباب في الحياة السياسية لأول مرة في تاريخ الجزائر دليل على الإرادة الجادة للسلطات العليا في البلاد من أجل تكريس دورهم في بناء الوطن.
وتحدث رئيس المجموعة البرلمانية لحركة مجتمع السلم أحمد صادوق في هذا السياق على جهود الجزائر في مجال الاهتمام بالمرأة وجعلها شريكا حقيقيا في المجالس المنتخبة، مبرزا أن الدولة الجزائرية وقعت وصادقت على مختلف الاتفاقيات والمعاهدات في هذا المجال كما أشارت في دساتيرها وقوانينها إلى تعزيز تمثيلها على مستوى المجالس المنتخبة.
وقال صادوق في حديثه لـ«القدس العربي» إن المقرر الأممي طرح عدة أسئلة لمحاولة الفهم، مشيرا إلى أنه أطلعه على أن الإشكال في الجزائر لا يتعلق بالقوانين التي هي في مجملها جيدة بل بتطبيقها حيث تغلب الممارسة البيروقراطية. وأضاف أنه دعا المقرر لعدم الاعتماد على مصادر خارجية قد تكون مغلوطة في استقاء المعلومات حول الجزائر.
نشطاء ينتقدون التضييق
على الجانب الآخر، كانت اللغة الموظفة عند بعض النشطاء والمعارضين مختلفة تماما، فالتضييق حسبهم بلغ مستويات كبيرة. والتقى المقرر الأممي مجموعات في الجزائر ووهران تضم عددا من الناشطين في الميدان الحقوقي وسجناء رأي سابقين وصحافيين ومحامين أعضاء في هيئة الدفاع عن سجناء الحراك وفاعلين في المجتمع المدني.
ونقل الناشط الحقوقي والمدون سعيد بودور أنه تحدث في مداخلته مع المقرر عما تعرض له المحامون أعضاء هيئة الدفاع عن معتقلي الرأي من سجن ومتابعات ومضايقات ومنع من السفر وحملة تشويه من الذباب الإلكتروني، وذلك بسبب دفاعهم عن معتقلي الرأي وقضايا متعلقة بحرية التجمع السلمي وحرية النشطاء الجمعوي.
وأوضح في تدوينة له على فيسبوك أنه تطرق أيضا لما تعرض له نادي قضاة الجزائر ورئيسه القاضي سعد الدين مرزوق ووكيل الجمهورية عبد الهادي، وهما شخصيتان تعرضتا لمضايقات في فترة الحراك بسبب مواقفهما. كما أبرز بودور أنه تحدث عن تشميع مقر «راديو أم» وسجن مديرها إحسان القاضي، ومنع عقد الجمعية التأسيسية لأول نقابة لناشري المواقع الإلكترونية، على حد قوله.
وذكر بودور أنه تطرق لقضية كل من المبلغ عن الفساد تونسي نور الدين والصحافي مصطفى بن جامع والباحث رؤوف فراح والمناضل البيئي محاد قاسمي والناشط ابراهيم لعلامي المضرب عن الطعام منذ 48 يوما والصحافي احسان القاضي، ورجل الأعمال نبيل ملاح وغيرهم من المعتقلين.
كما تحدث مومن خليل الأمين العام للرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان التي تم حلها بقرار من القضاء الإداري الجزائري، عن وضع المجتمع المدني في الجزائر، داعيا المقرر لتحرير توصيات تحث السلطات الجزائرية على اتخاذ التدابير المناسبة، على المستوى القانوني والإداري وعلى المستوى العملي، لضمان حرية تكوين الجمعيات والتجمع وفقا للدستور الجزائري والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
وأوضح مومن في حديثه مع «القدس العربي» أن هناك نية لجعل المجتمع المدني لا يؤدي دور القوة المضادة ودور الرقابة والمطالبة بالحقوق بل جعله كتلة مساندة للسياسات الحكومية مع التخلي عن النزعة المطليبة والنقدية والانخراط في مسعى السلطة ودعمها.
من جانبها، استغلت منظمة العفو الدولية، زيارة المقرر الأممي لإطلاق «حملة لتسليط الضوء على الوضع الحقوقي في الجزائر» معتبرة زيارته فرصة لدفع السلطات لتغيير سياستها.
وأوضحت المنظمة التي لديها فرع في الجزائر في بيان لها أن عشرات النشطاء والصحافيين والمدافعين عن حقوق الإنسان يقبعون حاليا خلف القضبان، ويتزايد العدد حسبها مع القيام بمزيد من الاعتقالات وتوجيه المزيد من التهم ضد الأشخاص الذين يمارسون ببساطة حقوقهم في حرية التعبير والتجمع وتكوين الجمعيات أو الانضمام إليها.
وبخصوص حرية تكوين الجمعيات، تحدث المنظمة غير الحكومية عن إجبار إحدى منظمات حقوق الإنسان، جمعية «تجمع ـ عمل ـ شبيبة» (المعروفة براج) على حل نفسها، كما اضطر حزب سياسي، هو الحركة الديمقراطية والاجتماعية، إلى تعليق أنشطته. وأبرزت أن السلطات الجزائرية شنت هجومًا استهدف أقدم منظمة مستقلة لحقوق الإنسان في البلاد، وهي الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان والتي حلت بعد شكوى قدمتها وزارة الداخلية في حزيران/يونيو 2022.
وفي انتظار نهاية جولته، أفادت بعثة الأمم المتحدة في الجزائر، أن المقرر الأممي لحرية التجمع وتكوين الجمعيات، سيقدم ملاحظاته الأولية خلال ندوة صحافية يوم 26 أيلول/سبتمبر، في مقر الأمم المتحدة بالجزائر العاصمة.