غزة ـ «القدس العربي»: خلال العام 2023 شهد قطاع غزة مجموعة من الأحداث والمناسبات الاجتماعية والسياسية التي راوحت بين التوتر والتصعيد في علاقتها مع جيش الاحتلال الإسرائيلي، وحركات المقاومة الفلسطينية. بدأت هذه الأحداث في كانون الثاني/يناير واستمرت وبلغت ذروتها حتى تشرين الأول/أكتوبر إذ وقعت سلسلة من التوترات بين كتائب الشهيد «عز الدين القسام» الذراع العسكري لحركة «حماس» وقوات الجيش الإسرائيلية.
ومع ذلك، كان أبرز حدث وقع في المنطقة هو عملية «طوفان الأقصى» الذي نفذته كتائب القسام تجاه البلدات الفلسطينية المحتلة، هذه العملية المسلحة أشعلت نيران الحرب إذ تعرض قطاع غزة لهجمات برية قاتلة من الاحتلال الإسرائيلي تسببت في دمار كبير، ونزوح للسكان، ما أدى إلى تفاقم الأوضاع الإنسانية المعيشية الصعبة في القطاع.
وبقدر ما يحمل عام 2023 ذكريات تعيسة وآلاما شديدة لأهل غزة، فإنه يجب أن يكون تذكيرا للعالم بواجبه في إنهاء الاحتلال، وإحلال السلام في هذه الأرض المعذبة، يجب ألا ننسى أن الفرصة لإحلال السلام ما تزال قائمة، وعلى الجميع العمل معًا لإنهاء العنف والتوصل إلى حل سياسي يعيد الأمل والاستقرار إلى قطاع غزة.
الأحداث والواقع السياسي في غزة
في حديث استشرافي عريض يقول الكاتب والمحلل السياسي حسام الدجني إن الأحداث السياسية والاقتصادية والاجتماعية في قطاع غزة، شكلت حزمة واسعة من الإجراءات يمكن أن يطلق عليها الإجراءات التتبعية.
وأشار إلى أن مصطلح «الإجراءات التتبعية» هي «مفردة يكثر استخدامها في الأدبيات الفلسفية السياسية، أو ذات الارتباط السياسي المبني على الحقوق أو الحريات». مبينا أن كليهما يحتاج إلى مستجدات في المواقف الحالية، ويحتاج أيضا إلى متغيرات في الأبعاد السياسية التي حينما تلتئم مع المواقف السياسية يمكن بكل سهولة أن تنتج حججا قوية من خلالها تستطيع القوى السياسية أو الكيانات السياسية أن تحقق أهدافها وتصل إلى حقوقها أو مبتغاها سريعا.
ويقول لـ«القدس العربي» إنه «يأتي ذلك خاصة في ظل وجود قوى سياسية تقفز أجنداتها لتشكل مواقفها العسكرية؛ كما هو الحال في دولة الكيان الإسرائيلي، لأن شكل الإجراءات التتبعية لإنتاج المواقف السياسية الذي بدوره ينعكس على الموقف العسكري كان في غزة من جانب حركات المقاومة الفلسطينية الوطنية والإسلامية، كان مسار الخط الزمني للأحداث سريعا».
وعطفًا على حديثه آنفا يوضح: «أعني هنا الأحداث العسكرية، كانت سريعة، اقتحامات بلدات، وتنفيذ اغتيالات فورية مباشرة بين مواطنين أو ناشطين أو حتى قيادات في إحدى هذه الفصائل».
وعزا الدجني ما يقوم به الاحتلال من عمليات إلى ضعف الإجراءات التتبعية لإنتاج المواقف الداعمة للعمليات العسكرية من قبل الأطراف المعنية بتنفيذ المهمة من بين هؤلاء الفصائل الفلسطينية الوطنية والإسلامية.
ويعزز الباحث آراءه بأن ملفات خلافات المرحلة بين الضفة والقطاع والقطيعة السياسية التي حالت دون انسياب المقاومة بالشكل الصحيح كان أحد هذه العوامل التي أضرت كثيرا إنتاج مواقف سياسية قوية تنتج عمليات عسكرية قوية، مشيرا إلى أن «السلوك لم تلتفت إليه حركة المقاومة الإسلامية حماس إلا بعد منتصف العام».
ويواصل حديثه «زادت حماس من وتيرة العمل التتبعي التنفيذي بين صفوفها والفصائل المشاركة في تنفيذ عملياتها العسكرية حتى بلغ ذروته في تشرين الأول/أكتوبر بالتحديد في السابع منه عندما أقدمت القسام من خلال إجراءات تتبعية أنتجت عبرها منظومة عمليات قوية استطاعت من خلالها أن تربك حسابات العدو الإسرائيلي في مربعات العمليات الميدانية في محيط قطاع غزة، أو على تخوم المناطق العسكرية للعدو الإسرائيلي».
واستطرد بقوله: «هذه إحدى ثمرات حزمة الإجراءات التتبعية التنفيذية لحركة حماس، والحركات المشاركة، خاصة حينما استوعبت الدرس وسارعت بزيادة وتيرة العمل التنفيذي».
ويوضح أنه «لابد من فعل سياسي تتبعي لأي عملية مقاومة ينفذها فلسطيني دهسا أو طعنا أو أي شكل من أشكال المقاومة». مؤكدا أن هذا الأمر يحتاج إلى خروج وتوضيح ووعيد بعد أن هذه جملٌ سياسية لا تنفك من كونها جزءا من محركات العمليات أو المواقف العسكرية.
الإدارة الإستراتيجية
سالم رضوان المحلل الإستراتيجي والمختص بالعمليات التفاوضية في النزاعات يرى «أن الحرب في قطاع غزة واحدة من أكثر الموضوعات التي تشغل العالم اليوم، يحدث الصراع في هذه المنطقة ذات الصوت العالي بشكل متكرر».
ويقول لـ«القدس العربي»: «ترتبط الحروب في قطاع غزة بعدة دوافع رئيسية وهي ذات أجندات ترتبط بلا أدنى شك بمصالح أمريكا مع إسرائيل، وهذا يظهر في جملة المساعدات العسكرية المتواصلة مع إسرائيل».
وأضاف: «المساعدات العسكرية الأمريكية جعلت ميزان القوة في أي مواجهة أو عمليات عسكرية بين حركة المقاومة الإسلامية حماس وإسرائيل غير متكافئة؛ رغم المحاولات الحثيثة التي تقوم بها حركة حماس والتي لا تستطيع من خلالها وقف العدو الإسرائيلي من عمليات أخذ الحقوق بالقوة».
وهي عمليات يشير الخبير الإستراتيجي العسكري أنها «تؤدي في نهاية المطاف إلى أضرار كبيرة وهي تحدث الآن في قطاع غزة، أوضاع اجتماعية تكاد تكون أسوأ ما شهده التاريخ من تدهور ومعاناة لم يسبق لها مثيل نلمسه دائما».
مخرجات يقول عنها المحلل الإستراتيجي: «عندما تكون موازين القوة العسكرية مختلة تماما؛ فهي في نهاية المطاف ستنتج مواقف تفاوضية صعبة، سيكون فيها التواصل مشروط الجوانب بطريقة يصعب معها تحقيق نتائج نهائية يمكن أن تنهي الصراع كليا».
وشدد على أن المواقف السياسية المتينة هي التي تستطيع أن تقدم مكاسب تفاوضية بذات النسق العسكري في الميدان وهي ملاحظات نعمل على تجميعها نهاية كل عملية تفاوضية لأي صراع من الصراعات في المنطقة ثم ننشرها للاستفادة.
الدوافع الاجتماعية
قراءات الخط الزمني للأحداث الاجتماعية في قطاع غزة يؤكدها الباحث السياسي محمد زعرب قائلًا: «الجوع يمكن أن يجعل الإنسان يفعل كل شيء، وغزة عاشت تحت حصار لسنوات كافية أن تؤثر في المعاش».
وتابع لـ«القدس العربي»: «الاحتلال الإسرائيلي يعمل على إبطاء حركة النمو الإستراتيجي الوطني الاجتماعي في قطاع غزة وتدهوره».
ويورد زعرب ما يعده دليلا على رغبة إسرائيل في خلق الهوة في النظام الاجتماعي العام، مضيفاً «رُبط كل شيء بإسرائيل حتى المناهج الدراسية التعليمية ربطت بإجراءات تتعلق بالدخول عبر البوابات الإسرائيلية، وهي تحتاج إلى إجراءات تصديق من سلطة الاحتلال».
ويستدرك: «الواقع الاجتماعي متأزم بفعل التسلط المفرط من الحكومة الإسرائيلية تجاه قطاع غزة إداريا، ومن جانب آخر عدم الإدارة التنفيذية الصحيحة لملفات العمل السياسي في غزة ذات الصبغة الاجتماعية حتى يقل أو يخف الضغط على المواطنين في القطاع».
ويعيش السكان في ظروف قاسية ومحدودة الموارد، ما يخلق بيئة تسهل انتشار العوز والفقر المدقع، وتشير دراسات رأي عام حول الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية في قطاع غزة لمجموعة باحثين أن هناك حزمة دوافع أساسية تعزز الفقر والبطالة والانعدام الأمني في قطاع غزة؛ وهي دوافع مرتبطة بالحرب أو بمجموعة الاجتياحات التي تنفذها إسرائيل ردا على مقاومتها من قبل المقاومة الفلسطينية.
المسار الاقتصادي العربي
كل ما يحتويه أنه جملة تفاعلات لواقع الممارسة السياسية، ومن المعلوم أن الاقتصاد والسياسية ملفات وثيقة الصلة والارتباط بشكل العمليات العسكرية وبشكل الوجود الاجتماعي في قطاع غزة أو فلسطين.
هنا يتحدث الدكتور محمود صبرة الخبير الاقتصادي العربي بأن «الدعم الاقتصادي العربي هذا العام كان متجاوبا بشكل أسرع من السابق وأنه في كثير من الأحيان لم يكن يرتكز على قيود دولية أو إقليمية كانت في السابق تمنعه، سواء إجراءات أو عقوبات أو ما يناظرها فيما يخص التعامل مع حركة حماس في قطاع غزة. وانطوى هذا الدعم بعد تردي الأوضاع الإنسانية التي خلفتها الآلة الحربية الإسرائيلية، وفاق التحديات؛ فكان هناك دعم لإمداد المستشفيات في قطاع غزة من قطر، والأردن، ومصر والسعودية، والإمارات، والأردن ومساعدات عينية ومالية».
وأضاف لـ«القدس العربي»: «هذه جوانب أو مواقف سهلت كثيرا، وجعلت القطاع صامدا أمام محاولات إفقاره من قبل إسرائيل التي كانت تمارسها بانتظام، وهي كانت واضحة إذ كانت تتحكم في كل ما يدخل لقطاع غزة من وقود لإنتاج الكهرباء أو كميات الكهرباء التي تأتي إلى غزة».
وذكر أن إسرائيل عدة مرات تقطع المساعدات أو تتلاعب بها حال وقوع أي عمليات عسكرية لم تتوقف أو حروب قطاع غزة كل مرة.
وتابع «المساعدات الإنسانية الإغاثية العربية كانت أهم المستجدات التي طرأت على الساحة الاقتصادية والاجتماعية للقضية الفلسطينية في عام 2023 وبها استطاعت الحاضنات الاجتماعية المختلفة أن تؤدي بعض أدوارها في ظل حرب لم تقف، وقصف قضى على المنازل والمدارس والجامعات والمؤسسات، فضلا عن فقدان الأرواح والممتلكات».
المستجدات في القضية الفلسطينية
كثيرون هم من اجتمعت وتلاقت أفكارهم أو تحليلاتهم في أن الرأي العام العالمي حول القضية الفلسطينية سجل انقلابا ملحوظا لمصلحة القضية نتيجة الحرب الإسرائيلية التي تدور الآن في قطاع غزة، ومن ثم زادت من مساحة النصرة العالمية للقضية الفلسطينية. وهو أحد العلامات السياسية الجيدة كما يقول الباحث خالد حجازي الذي أشار إلى حزمة إيجابيات شكلها موقف الدول الداعمة للقضية الفلسطينية بصراحة غير مسبوقة، وخاصة المنطقة الأوروبية هذه المرة شكلت دعما ملحوظا لنصرة الشعب الفلسطيني.
وقال لـ«القدس العربي»: «ذلك شاهدناه من خلال الوقفات الاحتجاجية المتكررة، والمستمرة إلى يومنا هذا، ونعتقد أنها تدعم الجهود الفلسطينية للتوصل إلى اتفاق سلام يلبي احتياجاتهم».
ومن اللافت، تأكيده أن المصالح الإسرائيلية غالبا غير متوازنة لذلك «لا تجد القبول دائما حتى من قبل المساعي المشاركة في معظم عمليات التفاوض بين الطرفين: الفلسطيني والإسرائيلي.
كما أظهر أن تعنت حكومة بنيامين نتنياهو وما وجدته من معارضات مستمرة داخل إسرائيل، كان لها وقعها من نزع فتيل الهيبة التي كانت ترتديها إسرائيل زورا، وهي أيضا تعد من المستجدات في الساحة السياسية للقضية الفلسطينية، والحرب في قطاع غزة».
الداخل الإسرائيلي
وبين المختص في الشأن الإسرائيلي عبدالله تيسير سلسلة من الحراك السياسي الشعبي والحزبي أو الرسمي من المؤسسات الحكومية السياسية أوجدت أو شكلت معارضة وخصومة سياسية لم يفلح خلالها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في إدارة هذه الأزمة التي تطالب بتغييرات واسعة وهي غير راضية عن حكومة نتنياهو التي وصفت بشكل دائم بالمتطرفة.
وعلل ذلك بقوله: «لأنها تضم أشخاصا غذيت ممارستهم السياسية تجاه القضية الفلسطينية بأفكار متطرفة أمثال: بن غفير يتلذذ بعملياته الإرهابية المتكررة على المسجد الأقصى بمعية مجموعاته المتطرفة».
وأكد أن هذا السلوك انعكس نهجا على ممارسات الحكومة الاسرائيلية خاصة في قطاع غزة، أو مقابل حركات المقاومة الفلسطينية الوطنية وفي مقدمتها كتائب القسام.
وقال لـ«القدس العربي» إن «الانقسامات التي شهدتها الساحة السياسية الإسرائيلية تجاه عمليات الاجتياح البري للجيش الإسرائيلي لقطاع غزة ضاربين بما يقدمه نتنياهو من مبررات عرض الحائط».
وأمام ذلك كانت هناك انقسامات برفض الاجتياح من بعض المعارضة أو يختلفون في شكل التنفيذ بحيث إن أي استهداف مباشر للمدنيين ربما يؤثر في توافق الرأي العام العالمي مع القضية بكامل أفرعها، وأجنداتها وهو ما حذرت منه الإدارة الأمريكية مرارا وتكرارا.
بعد الاجتياح الإسرائيلي
هي أيضا تأتي في إطار المستجدات في الساحة السياسية للقضية الفلسطينية في هذا العام، ونحن نقترب من نهايته.
ويشير مختص السياسة الخارجية الأمريكية تجاه الشرق الأوسط مالين جونسون، أن زيارة وزير الدفاع الأمريكي لويد أوستن تأتي في إطار البحث عن مخرج آمن لإسرائيل بعد أن بدأت تفقد مناصرتها العالمية خاصة في الدول الأوروبية.
وقال: «ما ارتكبته الآلة الحربية الإسرائيلية القمعية باستهداف المواطنين ومنازلهم في قطاع غزة بهذه الطريقة الوحشية هي التي جعلت إسرائيل صغيرة في نظر العالم وبلا أخلاق، ووضعت الرئيس الأمريكي جو بايدن في نفق مظلم إذ يستعد لانتخابات قادمة أكثر شراسة».
وأضاف جونسون أن «الرئيس نفسه حذر نتنياهو كثيرا من مغبة استهداف المدنيين، وإحداث كوارث إنسانية، الشيء الذي رفضه حلفاء الولايات المتحدة الأمريكية خاصة في القارة الأوروبية».
طريق السلام النهائي
بشكل عام، المستجدات في الدوافع السياسية والاقتصادية والاجتماعية المتعددة للحرب على قطاع غزة تعكس صعوبة التوصل إلى حل سياسي وسط هذا الصراع الطويل والمعقد.
وتوافق كل من التقت بهم «القدس العربي» على أن تتضافر جهود المجتمع الدولي والقادة السياسيين للعمل على تحقيق السلام والاستقرار في هذه المنطقة المضطربة والمنكوبة.