«المكان الذي فيه كلب» مجموعة الشاعر المصري عبيد عبّاس: جدل الضمائر السردية وحضور البشري والعلوي

عادل ضرغام
حجم الخط
0

في ديوانه «المكان الذي فيه كلب» يناوش الشاعر المصري عبيد عبّاس أسئلة بها نوع من الخصوصية، مع محاولات للإجابة عنها، تأتي هذه الأسئلة منسجمة داخل البناء الشعري، ومتأثرة بطبيعته التي تشكل الأسئلة وبعض الإجابات بطريقة ملتوية شديدة التعقيد، فهناك أسئلة متوارية تتعلق بالكتابة وقداستها، وتحولاتها العديدة، وصراعاتها النامية على حدود الأشكال والتوجهات الإبداعية وانحيازاتها. كل هذا يوجّه في النهاية نحو إجابات متوارية تؤمن بالشعر في أي شكل وأي قالب، ففي منطق النصوص يتجلّى أن محدد الشعرية الأول ليس الشكل، ولكنها تتمثل في لفحة الشعر التي يجب أن تكون حاضرة، وبعدها يمكن الحديث عن الأشكال، ودور هذه الأشكال- على تنوّعها- في تجلية الشعرية بأشكال عديدة.
في هذه الديوان يجد القارئ نفسه أمام شاعر بنصوصه الشعرية، ومناحيها الفكرية الخاصة، أشبه بالأب أو بالمسيح الذي يحيط به الأبناء والحواريون، لكنهم يتخذون من نصوصه سلّما للصعود، فهو الذي يضحي- وكأنه فعل من أفعال الفداء- بنصه من أجلهم. في الديوان استراتيجية أو إطار معرفي مهيمن يتمثل في الوجود الجوهري الكامل/ الظل/ الشاعر والوجود الناقص/ الإنسان، ولكن النصوص الشعرية لا تؤسس لهذه الثنائية وفق علم النفس أو علم الإنسان، وإنما وفق منطق شعري، يجعل الظل سابقا أو تاليا أو موازيا مساويا، لتجذير الريادة أو التبعية أو التنازع في مقاربة الحياة في إطار منطقين، يسيطر أحدهما مرة، ويسيطر الآخر مرات، ويتنازعان في مساحات أخرى عديدة.

ثنائية البشري والعلوي

بداية من العنوان يتشكّل إطار معرفي في معظم نصوص الديوان، يرتبط بثنائية البشري والعلوي، برصد ذلك الكائن الشبحي غير الفيزيائي من مواقع مختلفة، بداية من الشعور بوجوده، في قدرته على الرصد المغاير في مقاربة الأشياء، وفي توحشّه الجارح لمنطق الأمور والعلاقات، وفي خروجه عن أسس العرف المتداول، مرورا بالنزاع والصراع، وانتهاء بأفق التوحد. ففي نصّ الإهداء- وقد جاء شعريا- نلمح المراقبة لهذا الكائن الشبحي أو المتعالي والمتأبي عن الانصياع والخضوع إلى أعراف السياق وقوانين الوجود. ففي بعض المساحات هناك دائرة التشابه بينهما، وكأنهما صنوان، ولكنه التشابه الذي لا يفضي إلى أفق موحّد في التوجّه، بل إلى أفقين متناقضين كالمحدود واللامحدود، والمدرك وغير المدرك، فكل واحد منهما لا يتحدد إطاره- في البداية على الأقل- إلا بالتباين مع الآخر..
مساحة الاتحاد بالشاعر الكائن غير المدرك أو الملموس تشكّل مساحة انسجام جزئية تصل إليها الذات البشرية بفعل الكتابة، وبعد انتهائها تعود الذات مضطربة بحواسها وبواقعها، ويتفكك ويتلاشى مع تلك العودة الانسجام، ولكن هذا العالم المنسجم الجزئي يظلّ حاضرا بفعل المجاهدة في التذكر، بوصفه عالما جميلا يحقق لها وجودا كاملا متّحدا مع الروح الأبدية، ويبعدها عن الواقع الذي تعدّه تدنيسا للمثالي أو المتعالي. في نصّ «لو أنني أستطيع أقفز من رأسي» يتجلّى ذلك الحنين واضحا في قوله «لو أنني، فيما أنا مدرّع بذلك المجاز/ أركل الواقع بالشلوت/ أو أشير للمدججين حوله بالإصبع الوسطى ازدراء/ أطرد العادي من غار الذين ينظرون للنجوم/ أحرس الطفل السماوي الذي يعجز أن يسير فوق الأرض/ حتى لا يرافق المشاة الأدعياء».
النص في مجمله من البداية إلى النهاية انفتاح على ذاكرة ماضية، وسعي لاستعادة واستمرار التوحّد مع الشعري في تعاليه وترفعه وانعزاله عن الواقعي، أو من خلال العودة إلى مرحلة الطفولة التي تشكّل في جانب منها مساحة من الانسجام لاقتراب عهدها بمساحة الانسجام الأولى. وتكشف بعض النصوص الشعرية عن تكرار الاتحاد والانفصال بين البشري المادي والشعري الشبحي أو الطيفي. ففي نص «(التعويذة»- على سبيل المثال- يبدأ التشكيل الشعري من نثارات الواقع وجزئياته وإشكالياته المحيطة بالذات في نزاعها مع الواقع وحروبها اليومية.
ولكن سرعان ما تخلع الذات أردية ارتباطها بالواقع من خلال استقوائها بالشعري الذي تستحضره بصناعة السياق المناسب، من خلال التعاويذ، وكأنه عالم مغاير يمكن الاستعداد له والتجهّز لقدومه، ومع حضوره أو استحضاره يبدأ الاتصال بالبدائي الممتد، وكأن في ذلك طقسا لحضور الروح الشعري، وسيطرتها على الجسد المادي. يقول النص الشعري «نرقص كي نستدعي أرواح بدائيين انصهروا في اللحظة/ صورتها (طوطمها) في المرآة/ وخطوتها تعويذة إيقاف الجذب الأرضي/ وخارطة الألغام…». فكل الصور السابقة لا تشكّل سوى طقوس استجلاب أو استحضار الشعري الذي يتعاظم على الواقعي في صناعة أفق حياتي متخيل مملوء بالضوء، وكأنه معادل رؤية وكشف. وبعد ذلك تبدأ هذه الحال من الوصول والانسجام في التفكك، ويتضاءل وهجها بعد الانتهاء من فعل الكتابة المقدّس، فيعود العالم لديدنه وأفقه الواقعي، بالحروب اليومية.
وتجذير ملامح الواقع والشعور به، ينطلق من جزئيات إنسانية، مثل الصراع، والحروب والقتلى، والجوع، وكلها إشارات للهبوط أو السقوط من الأفق العلوي الشعري بانسجامه الجزئي، وكأنه مساحة هروب لأفق التسامي، يقول النص «تكتمل قصيدته الآن وقد سكنت/ ليعود العالم سيرته الأولى/ إذ تستيقظ من غفوتها اللحظة/ لتعد القتلى في حرب اليومي/ وتعجز عن عدّ الجوعى». وفي نص «بلاهة» يظهر التجلّي الأكثر اكتمالا لهذه الثنائية بين البشري والعلوي، ففيه يتوجّه البشري وجهة تكشف للوهلة الأولى عن التعب والمعاناة بسبب هذا التوزّع، أو هذا التنازع داخل الجسد المادي، فيأتي صوته في بداية النص الشعري مخاطبا القسيم النوراني أن يتركه وأرضيته وماديته مواجها قدره وصعوبات الحياة وإشكالياتها.
السياق العام- في منطق النص الشعري- لم يعد يحفل بأفق الشعر أو الحلم، ومن ثمّ يأتي صوته مخاطبا إياه في قوله «عد لهيولاك/ ودعني أخرج في صورة بشري عادي/ يمشي في الأرض كأرضيين/ ولا منتبه لنداء فضائيين/ ولا لحديث الأشياء مع الأشياء». لكن النص حتى في إطار هذا التوجّه لا يتخلّص من الفاعلية القديمة في بداية الوعي، ومن قيمة الشعري في صناعة المتخيل النموذجي للذات، وفي صناعة اختلاف كاشف عن غموض.
يتوجه النص الشعري في إطار ذلك نحو الجزئيات الواقعية التي تأتي بوصفها جزئيات مقاومة أو مباينة للشعري العلوي، ووجودها على هذا النحو من التنضيد، بداية من الظلمة ومرورا بالطاغية والعشوائية في مقابل النور والثائر والانسجام، ليس إلا إعادة شحن واشتغال واستنهاض لكل القيم المثالية المتعلقة حتما برسالة الشعر السامية التي يصيبها في الآن ذاته نوع من التحوير يتناسب مع التحويرات الحادثة بالبشري والشعري. فالحياة في منطق النصوص سقوط ودنس، والإنسان- حتى من خلال العزلة بعد وهن النزال والصراع- يعيد تأمل الحياة وتشظيها بعرضها على الانسجام السابق.
في نصه «ثلاث حالات للعزلة» التي يجدل من خلاله ضفيرة لإدخال عنوان الديوان داخل الإطار المعرفي للنصوص، هناك توجيه نحو فيلم «طريق الهلاك» لتوم هانكس، وإلى جملة محددة يقولها الطفل الهارب مع والده بحثا عن مكان خال من البشر بعد اكتشاف الكارثة «إلى المكان الذي فيه كلب»، لكن النص الشعري يعيد الاشتغال على هذه الجملة وفقا لمناحيه الفكرية التي تجلّت مهيمنة في نصوص الديوان، فالأب في النص الشعري ينفتح على دلالات أكبر بكثير من الحدود المادية المعهودة لتلك اللفظة، وكذلك الابن، فدلالتهما ربما تأخذ سياقا أقرب إلى التفكير الفلسفي أو الوجودي المتعلقين بالحياة، وسقوط الإنسان من الجنة، وبداية الشعور بالعري والتدنيس.

جدل الضمائر السردية

في إبداع شعري قائم على المعاينة والمقاربة والتنازع والتوحّد بين قسيمين يتباينان في الثقل والخفة، والحضور والغياب، وفي التأطير والتشكّل المادي والخروج عن التأطير الفيزيائي، يتأسس وجود خاص للضمائر السردية التي تمثل – كما يقول جاكبسون- أعصاب العمل الشعري وجماع قسماته المميزة. فهناك تعدد لهذه الضمائر في النصوص الشعرية، وليس هناك هيمنة لضمير سردي دون الآخر، فالتنازع بين القسيمين يؤدي إلى نوع من الجدل بين الضمائر، فتارة نجد- إذا كانت المراقبة من البشري حاضرة- الغياب مهيمنا، مؤسسا فاعلية في تشكيل القسيم المقابل.
في نصّ «مسودة أولى: للضياء» يبدو حضور الغياب فاعلا في رصد البشري وضآلته وعشوائيته التي لا تلفت النظر أو الانتباه. فالنص يؤسس- من خلال الغياب- نموذجا بشريا هامشيا من خلال الصفات التي يسدلها النص عليه (العابر لا يلتفت إليه)، و(لا يشكل أفقا لحلم امرأة ذات شبق)، ولا (يتتبعه أحد في معاينته لسأم الشارع في مروره المتكرر). فهذا التهميش- وإن كان مهما- ليس مقصودا لذاته، وإنما ربما يكون المقصود منه ماثلا في معاينة الهامش في عاديته وكل بساطته، لإدراك التحوّل إلى الأفق الجديد بعد إدخاله إلى أطار جديد تحت قدرة الأفق الشعري التي تحيل العادي البسيط إلى فني لا يكفّ عن إشعاع دلالي خاص، فالشعري يجعل من العادي أفقا مغايرا لصناعة الاختلاف وتجذير المغايرة.
في نصوص أخرى يأتي الغياب بوصفه أفقا للمقاربة، ولصناعة النموذج، ولكنه النموذج الفني الذي لا ينفصل عن الإطار المعرفي لنصوص الديوان، فنصوص الديوان مشغولة بمساحات الانقطاع التي تصنعها الذات لكي تتفيأ فيها تعاظما أو هروبا من الواقع، وقد يتشكّل هذا التعاظم أو الهروب بالاتحاد بالشعري كما رأينا في نصوص سابقة، وفي الوقوف عند أثر وقيمة هذا الاتحاد في شحن العادي بعوالم سامية متعالية. لكن في نصوص أخرى، تستقوي الذات في تشكيل هروبها بالموسيقى، لصناعة السياق المتفلت من أسر الفن، فالموسيقى باب على النشوة، وباب على مزاحمة الأبدي والتعلّق به، وبها قدرة على زحزحة التراتب الزمني. فالموسيقى تغييب للواقع، وتأسيس عالم- أو عوالم- غير منطقية زمنيا في تراكمها. ولهذا جاء أثرها واضحا في نصّ «عازف بيانو يسير على يديه» وكاشفا عن الدوائر الخيالية المتناسلة والمتناثرة أمام عيني الذات خالقة مساحة للاستقواء والانتشاء.
وتكرار التكلّم والغياب في النص الشعري إشارة لجدل الحضور والغياب المستمرين في عالمين يتناوبان في الفاعلية والتأثير في القسيم الآخر الذي يقابله، ولدى كليهما مساحات متوالية من الضوء والانطفاء. فمن خلال الامتزاج مع اللحن والموسيقى، نجد أن هناك ارتفاعا وسموّا وصفاء بالرغم من التجذّر بالأرض، وأن هناك انعتاقا من اللحظة الآنية، ليغدو خارج الزمن الطبيعي. ولكن هذا الجدل الخاص بضميري التكلّم والغياب يصبح أكثر فاعلية في النصوص التي تتوجه مباشرة لمعاينة العلاقة الملتبسة بين الشاعر/ الظل والإنسان. في نصّ «لا يشبه رجلا لا يرقص» تبدو هذه العلاقة شبيهة بالذات وصورتها في المرآة، فالحديث عن واحد منهما حديث عن الآخر بالرغم من الاختلاف.
مع فعل الكتابة هناك اتحاد وشعور بالأبدي، يعطيها قدرة على الاستمرار، في هذا العالم بإشكالياته الخانقة، فالكتابة تشكّل في التحليل الأخير- والموسيقى- وسيلة من وسائل الاحتماء، أو جلب الهدوء أو الانسجام إلى الذات، لأن اصطفاء الذات البشرية للظل/ الشاعر مشفوعا بالرحيل إلى المكان الذي فيه ذئب- كما يظهر على غلاف الديوان- ليس إلا اختيارا لنمط حياتي يكتمل- بعد الإدراك- بالانعزال والوحدة، وكلاهما أساس كل تأمل، وبداية كل وصول لاتصال علوي مغاير، يضفي على فعل الكتابة- إذا تمت وتطابقت حدود المشابهة- مسوحا من القداسة، ومساحة من الاختراع والإضافة.
عبيد عباس: «المكان الذي فيه كلب»
دار منازل، القاهرة 2025
112 صفحة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية