الملحمة الالكترونية

حجم الخط
0

د. علي الصكرمجلة نيوزويك اوقفت – مطلع هذا العام – نسختها الورقية لتسدل الستار على ثمانين عاما من عمرها كمجلة اسبوعية توزع لكل انحاء العالم و بمختلف لغاته ولتكتفي بالنسخة الالكترونية التي ستوزعها على المشتركين مع اتاحة بعض المواد للتصفح المجاني . ظهور الكومبيوتر اللوحي كان له -بالتاكيد – اليد الطولى في الانتشار الرقمي الهائل للمجلة وسيفعل الجميع مثل نيوزويك بعد فترة لن تطول حتما فالنسخة الورقية تعيش الان ايامها الاخيرة واعداد الطبع تتناقص يوميا بايقاع جنائزي يلائم المناسبة. صحفنا العربية هي ايضا احتلت مقاعدها الوثيرة على الانترنت وتبارت في تصميم مواقعها الالكترونية لكنها لا تزال تحافظ على النسخه الورقية كدليل دامغ على وفائها للماضي وعملا بالقول الشعبي المشهور (من فات قديمه..). اي نوستالجيا حادة سنعاني منها ان اختفت النسخة الورقية تماما من صحافتنا العربية ، سيختفي الصبية المنادون بالصحف (على طريقة اخبار اهرام جمهورية الشهيرة) بل سيختفي كشك الصحف الذي نقف عنده كل صباح مسرحين النظر في العناوين قبل ان نتابط الصحيفة المفضلة لنستمتع بقراءتها في ركن دافئ من المقهى مع رشفات الشاي الساخن وانفاس الدخان . وستختفي من البيت اكداس الصحف القديمة التي طالماضاقت بها ولعنتها ربات البيوت لكونها ملاذا امنا للارضة والزواحف و سيختفي (الارشيف) الذي يؤرخ لاولى خطوات الكتابة ايام كان القلب مفعما والشباب نضرا .ارشيفنا ومجمل تاريخنا الشخصي نحمله الان في جيوبنا بقرص مدمج – او غير مدمج – يحمل السير والمقالات والبحوث والشهادات مثلما يحمل صور البطاقات الشخصية والجوازات لتقديمها عند الطلب و باسرع ما يمكن . هلم بنا نمضي بعيدافي تخيل عالمنا العربي دون صحيفة ورقيه : سيكون ذلك نوعا من (اليوتوبيا) انا شخصيا لا اكاد اجرؤ على تخيله اذ كيف ستعيش الجماهير بلا صحيفة يومية مركزية تعبر عن رأي الدولة (والحزب القائد فهما واحد) توزع (بل تفرض) عليهم كل صباح تعلمهم بامور دينهم ودنياهم و تثقفهم وتبلغهم باحدث القرارات والمراسيم الصادرة فكيف ستسلو جموع الشعب الغفيرة عن رؤية صورة (الاخ الاكبر على حد تعبير جورج اورويل) يوميا و كل صباح مثل كوب الحليب بالزي العربي مرة وبالافرنجي تارة و بالزي العسكري عدة مرات و حتى بملابس السباحة ايام الصيف القائظ تتوسط الصفحة الاولى بالالوان الزاهية تحف بها من كل جانب شعارات (المرحلة) و كانها ترقيها من عين كل حاسد من اعداء الامة العربية ومن عملاء المخابرات الاجنبية وكيف سنطلع على النصوص الكاملة لخطبه التي يلقيها على الامتين العربية والاسلامية معا في كل مناسبة و بدون مناسبة .ها نحن اذن – نشهد عصرا جديدا للقراءة لا حدود فيه ولا سلطة قسرية لأحد، عصر السماء المفتوحة المنفتحة والكلمة المحلقة عبر القارات. عصر لم تدشنه نيوزويك وحدها على حد علمي بل غيرها وقبلها فعلت الكثيرمن المجلات والصحف في شتى ارجاء العالم . و ها انا اقرا القدس العربي والاهرام و السفير والشرق الاوسط و.. و … بلمسة ناعمة بطرف السبابة مثلما اقرا الكارديان والانبدنت والتايمز والواشنطن بوست. يا للفتح المهول .. عصر القراءة الجديد يحمل معه عصرا جديدا للكتابة ايضا و ها انا الان ولاول مرة اكتب ضمن جهاز الاي باد (متخلصا من كل التصحيحات الاملائية و النحوية الخطوط الحمراء والتنسيقات والاطر التي يفرضها النظام البائد المدعو مايكروسوفت وورد) انه التحرر من قيود الكتابة الذي تبع بالضرورة الانعتاق من قيود القراءة وبعد ان كنت بالامس القريب اعتبر الجلوس الى كي بورد الكومبيوتر الشخصي رفاهية اشكر الله عليها و اساله ان يحفظها من الزوال. و لكن ما الذي نكتب؟ لقد كتبت الانسانية – قبلنا- تراثها المعرفي الثر الذي درسناه وندرسه الان و نقف عنده بذهول يوم لم يكن هناك كومبيوتر او اي باد ولقد سطر هوميروس – دون ان يرى شيئا- الاف الابيات الموزونة المقفاة في الياذته واوديسته قبل ان يعرف العالم الورق و الحبر الذين نعرفهما كما حفر شاعر عراقي قديم – بدأب شديد- على رقم طينية ملحمة كلكامش الشهيره لكن المبدع المسكين نسي ان يحفر اسمه وبريده الالكتروني وحتى صفحته على الفيس بوك او التويتر.. هل نفيد من كل هذا السخاء المعلوماتي والرفاهية الالكترونية التي تتيح لاصابعنا ان تداعب الطف وارق انواع الكي بورد لنكتب كتابة تجسد ما نعيشه حقا و صدقا، نصوصا تحاكي – بل تحاول ان تقترب الى حد ما – من الملاحم التي حفرت على الحجر و الطين او من المعلقات التي كتبت على جلود الماشية خصوصا و نحن نرى و نعيش يوميا و منذ نعومة اظفارنا حروبا لا تضاهيها البسوس ولا طروادة نفسها و نفقد يوميا اخوة و اخلاء ليسوا دون انكيدو مكانة و حسرة في القلب؟ناقد من العراقqmaqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية