الملعب الروماني في مدينة صور اللبنانية، واحد من أبرز معالم العصر الروماني، أبدع خلاله الرومان في بناء القصور والقلاع وأقواس النصر.
وتعتبر مدينة صور من أشهر حواضر العالم عبر التاريخ للدور الذي لعبته في الحقبة الرومانية ان كان من ناحية سيطرتها على التجارة البحرية، التي أنشائها المستوطنات التجارية حول المتوسط، أو نشر الديانات في العالم القديم.
ولعدة قرون كانت روما القديمة أقوى دولة على وجه الأرض، وتفوقت على الجميع في التنظيم العسكري والحروب والهندسة بالإضافة إلى الهندسة المعمارية، وتشمل الإنجازات الثقافية الفريدة من نوعها اختراع القبب والقبو المقوس، وتطوير الخرسانة وشبكة واسعة من الطرق والجسور. وعلى الرغم من هذا، فإن النحاتين والرسامين الرومانيين أنتجوا فقط كمية محدودة من الفن الفاخر الأصلي المتميز، ويفضلون بدلا من ذلك إعادة تدوير التصاميم من الفن اليوناني، والتي كانوا يتفاخرون بها أكثر من الفن الخاص بهم، وقد مارس الرومان كثيرا من الفنون بما في ذلك النحت من التماثيل البرونزية والرخام، والتوابيت، والرسومات الفنية الفاخرة ومنها الجداريات، والبورتريه، والرسم الزيتي، والفن الزخرفي بما في ذلك تشكيل المعادن والفسيفساء والمجوهرات والمحفورات العاجية، والتي قد تم بالفعل إتقانها بالكامل من قبل الفنانين اليونانيين. بالطبع من الخطأ القول إن الفن الروماني كان خاليا من الابتكار، فمثلا فن العمارة في المناطق الحضرية كان رائدا، كما كان رسم المناظر الطبيعية وصورة التمثال، يمكننا القول أن الفن الروماني كان في الغالب مشتقا، وقبل كل شيء كان ذا منفعة ويخدم الأهداف الموضوعة من أجله وكان في أعلاها نشر القيم الرومانية جنبا إلى جنب مع احترام السلطة الرومانية. كما اتضح، أن الفن الروماني الكلاسيكي كان له تأثير كبير على العديد من الثقافات اللاحقة.
الثقافة اليونانية
اعتنق الرومان الثقافة اليونانية بحماس حتى أصبح الأساس لثقافتهم ونتيجة لذلك، ظهرت الأشكال الرومانية للفن والهندسة المعمارية إلى حد كبير من اعتماد النماذج اليونانية وإعادة تشكيلها. تأثر الفن الروماني بشدة بالفن اليوناني والإتروسكي.
والعمارة الرومانية تقف بوضوح باعتبارها جزءا من سابقاتها اليونانية، وكان الرومان الحضارة الأولى التي استغلت البناء المقوس بالكامل، حيث يتم دعم السقف بالأقواس على عكس البناء العرضي المستقيم، حيث السقف كان يقف مباشرة على الأعمدة. ومن بين الثقافات القديمة، كان البناء المقوس إما بسيطا نسبيا مثل بلاد الرافدين أو غائبا تقريبا مثل اليونان.
وكانت مواد البناء الرئيسية في روما القديمة الحجر والخرسانة. على الرغم من تواريخ ملموسة لأقرب الحضارات، وكان الرومان أول من بنا بها على نطاق واسع. وغالبا ما تكون الجدران الخرسانية مغلفة بألواح من الحجر أو الطوب.
ولعل هياكل الانتصارات، وأقواس النصر، واحدة من أكثر الأشكال شعبية في العمارة الرومانية، وقوس النصر هو ممر قائم بذاته بني للاحتفال بحدث كبير غالبا ما يكون حملة عسكرية. وكثيرا ما يتميز قوس النصر بمنحوتات ذات صلة بالحدث المعني، مثل النقوش القصصية أو تماثيل التتويج، وفي بعض الأحيان الأقواس الانتصارية الكبيرة ترتبط بقوسين فرعيين يربطان القوس المركزي الرئيسي.
عصابات القراصنة
لم يتسبّب انتقال السلطة من السلوقيين إلى الرومان، بالنسبة لدول الشاطئ الفينيقي، بحرمانها من استقلالها، بل إنَّ الرومان اعترفوا بهذا الاستقلال الذاتي واحترموا مقوّماته. واستفادت صور تجاريا وعمرانيا من توطيد السلطة الرومانيّة التي أحلّت النظام بعد الفوضى التي سادت من جراء المنازعات السياسيّة، ومن تطهير البلاد من عصابات القراصنة التي كانت موانئ المتوسّط الشرقيّة تعج بها.
عندما تولى الإمبراطور كلاوديوس مقاليد الحكم في روما (41 ـ 54 م) سمح للصوريين ان يطلقوا على مدينتهم اسم «كلاوديابولس» (مدينة كلاوديوس) دليل عطفه عليها وتقديره لها وإعجابه بتاريخها وحيويتها.
وعلى إحدى الكتابات التي عثر عليها في بوتيولي، أحد مراكز تجارة الصوريين، وأكبر مدينة تجارية إيطالية في العهد الروماني تظهر صور كمدينة «مستقلّة مقدّسة وحرام، وعاصمة فينيقيا». ومن ذاك التاريخ أخذت أهمية صور التجاريّة والسياسيّة والعمرانية تزداد يوماً بعد يوم.
فخلال العصر الروماني، شهدت مدينة صور طفرة عمرانية، وشيدت المنشآت الهامة وقوس النصر والقلاع والمباني الضخمة، والملعب الروماني، الذي كان من أبرز المواقع الأثرية في المدينة.

قوس النصر
يعود بناء قوس النصر إلى القرن الثاني الميلادي وقد يكون بناه سكان المدينة على شرف الإمبراطور هدريان الذي زار الشرق خلال القرن الثاني ميلادي، وكانت مدينة صور على علاقة جيدة معه وهو الذي جعلها عاصمة اتحادية لولاية الشرق.
وقوس النصر مبني من الحجر الرملي الذي كان مغطى بطبقة من الجص الأبيض ويحمل ألواناً مختلفة، ويمكن مشاهدة طبقة صغيرة من الألوان على القاعدة الجنوبية في الجزء السفلي من القوس. وقد كان الشكل الخارجي للقوس يتغير حسب الذوق العام للمدينة ويغطى بالألوان أو الرخام، وخلال الفترة التي عاشها، وهي أربعة قرون، تغير الشكل الخارجي عدة مرات. وعلى جانبي البوابة الرئيسية هناك بابان جانبيان أحدهما يؤدي إلى طريق للمشاة، وعلى جانبي القوس يمكن مشاهدة بقايا برجين. البرج الشمالي منهما كان مغطى بالموزاييك حيث لا تزال طبقة من الموزاييك تغطي أرضه. أما البرج الجنوبي فكانت أرضه مرصوفة بالحجر.
الطريق الروماني
يبدأ هذ الطريق الذي يعود للفترة الرومانية من قوس النصر باتجاه الغرب ويعود تعبيده إلى حوالي القرن الأول الميلادي. وشكل الطريق محدّب وعلى جانبيه تقع قناتان صغرتان لتصريف المياه. ويمكن مشاهدة آثار دواليب عربات السباق والنقل على حجار الطريق.
وقد تم الكشف عن هذا الشارع بعد إزالة حجارة الشارع البيزنطي من فوقه، ثم رصف هذا الشارع الروماني بحجارة كلسية كبيرة وهي لا تزال تحمل آثار مرور العربات عليها.
وعلى جانبي هذا الشارع تمتد سلسلة من الأعمدة التي تفصله من جهته الشمالية ومن جهته الجنوبية عن طريق المشاة.
قنوات المياه
تقع قنوات المياه، على جنوب الطريق المعبد الذي يعود للفترة الرومانية ويمكن مشاهدة القناطر القائمة والتي كانت تعلوها قنوات المياه المحمولة على أقواس، والتي كانت تمر بها المياه من ينابيع رأس العين إلى صور بواسطة نظام للقنوات بعضه مرفوع على قناطر والآخر مبني على الأرض.
وكانت القنوات تذهب إلى تل المعشوق في شرق صور ثم إلى المدينة، وقرب قوس النصر استخدمت الفراغات تحت القناطر بعد إغلاقها كغرف ومحلات تجارية ويمكن ملاحظة ترسبات المياه الكلسية الناتجة عن تسرب المياه إلى الأجزاء السفلى من القناطر. أما قواعدها فهي منتشرة في أجزاء الموقع على نفس الخط. وفي السابق كانت قواعد القنوات تحمل رسوماً ويمكن رؤية بعض هذه الرسوم شرق موقع البص على أول قاعدتين.
طريق المشاة
على جنوب طريق العربات وبمستوى أعلى يقع طريق المشاة الذي يعود للقرن الرابع الميلادي وقد كان الطريق مغطى بسقف يحمي المشاة في طريقهم إلى الملعب الروماني من المطر وأشعة الشمس.
الملعب الروماني
يعود بناء الملعب إلى القرن الثاني الميلادي ويبلغ طوله حوالي 480م وعرضه 120م ويمكن أن يتسع لحوالي 40.000 متفرج ويعتبر ثاني أكبر ملعب من نوعه مسجل في العالم، فيما يعتبر أكبر ملعب محفوظ من نوعه في العالم.
وقد كانت الرياضة الرئيسية الممارسة فيه هي سباق العربات وهي أكثر الرياضات الشعبية في العالم آنذاك. ويتوسط الملعب حاجز مغطى بالموزاييك وداخله مجموعة من نوافير المياه، وفي أسفل المدرج تم استغلال الفراغ الأرضي ليكون كسوق تجاري. وقرب كل محل تجاري يلاحظ وجود ثقب في الجدار المقابل لربط وسائل النقل.
وللملعب عدة مداخل جانبية، وكانت المداخل تقسم وتوزع حسب الطبقات الاجتماعية، فكل طبقة اجتماعية لها المدخل الخاص بها، وعلى جانبي الملعب توجد أبنية خاصة بالفرق الرياضية. وهناك في صور ملعب آخر غير مكتشف. وقد شاهد الإسكندر المقدوني ألعاباً كجزء من احتفالاته بالنصر على صور، كما أن الألعاب الدورية كانت تجري في صور كل خمس سنوات خلال القرن الثالث والثاني قبل الميلاد، وقد حضر بعض هذه الألعاب ورعاها مجموعة من الملوك السلوقيين.
الملعب الروماني في مدينة صور اللبنانية، اليوم، يعتبر صرحا ثقافيا وفنيا، تقام فيه مهرجانات صور الدولية والحفلات الفنية، والمعارض التراثية والتشكيلية والاحتفالات الرسمية والشعبية، بعد ست سنوات على توقفها نتيجة عوامل أبرزها الظروف الأمنية والاقتصادية.
ويعتلي المسرح الذي يتظلل بالمدرج الروماني الكبير كل عام، أبرز الفنانين اللبنانيين والفرق الفنية العربية والدولية ونخبة من الشعراء اللبنانيين والعرب.