عمان- «القدس العربي»: مغادرة رئيس الوزراء الأردني الدكتور عمر الرزاز للجوهر السياسي في تعديله الوزاري الأخير المعلن ظهر الثلاثاء هي خطوة تنطوي على دلالات سياسية أعمق من مشهدها الشكلي، خصوصاً إذا ما ربطت بسقف سيناريو التغيير الوزاري المقبل، وبالوضع الإقليمي المفتوح على الاحتمالات، وبزيارة يقال إنها مهمة جداً قد تدخل سياق التنفيذ قريباً يقوم بها العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني إلى الولايات المتحدة.
رئيس الوزراء الرزاز يفترض أن يغادر عمان مباشرة بعد إعلان تعديله الوزاري الأخير المحدود لرئاسة الوفد الأردني إلى قمة دافوس الاقتصادية العالمية وبحضور الملكة رانيا العبد الله.
يبدو لافتاً للنظر هنا عدم وجود إشارات أو إفصاحات رسمية تفيد بأن الملك عبد الله الثاني شخصياً قد يحضر قمة دافوس التي حرص على حضورها والمشاركة بفعالية فيها طوال الأعوام السابقة.
الرزاز بهذا المعنى يشتبك أكثر ويومياً وبالتفاصيل مع الملف الاقتصادي. والأهم أنه استأنف عادته في التغريد التواصلي عبر حسابه على «فيسبوك» بعد غياب عن منصته لأكثر من شهرين افتقده خلالهما نشطاء التيار المدني الذين اعتادوا على إطلالات عبر تغريدات لرئيس الحكومة تجيب على أسئلة أو تعلق على الأحداث.
فجأة، وبعد ذلك الغياب، ظهر الرزاز في تعليق شخصي أمام الجمهور ومباشرة بعد إعلانه التعديل الوزاري المحدود، تحدث فيه عن نجاح حكومته بخفض المديونية وتحويل اتجاهها من الزيادة إلى الانخفاض لأول مرة منذ سنوات عديدة. ولفت الرزاز نظر الرأي العام هنا بأن عبء المديونية لا يقاس بالرقم المجرد، إنما بنسبتها إلى الناتج المحلي الإجمالي، مشيراً إلى أن هذا الناتج انخفض بنسبة بسيطة عن عام 2017.
ورد الرزاز ضمنياً على حزمة من المتحرشين بحكومته عندما أعلن أن القرض الجديد الذي يسعى للحصول عليه من البنك الدولي لن يؤدي إلى زيادة الاقتراض عن المستهدف في الموازنة. وأبلغ أيضاً تأكيده بأنه لن يساوم في معالجة المديونية، وسيعمل على خفضها بدون فرض مزيد من الضرائب على المواطنين.
هذه الوجبة الدفاعية والتبريرية أعقبت سلسلة تساؤلات في الشارع ووسط الخبراء طرحت بعنوان مدلولات ما وصف بأنه القرض الأضخم لسداد فوائد ديون، وبدا لافتا ً- وخلافاً لما أعلنه وزير المالية سابقاً – أن الرزاز يتحدث عن قرض يسعى للحصول عليه، وليس القرض الذي حصل عليه فعلاً كما صرح سابقاً الوزير عز الدين كناكريه. بمعنى آخر، يصارح الرزاز الشعب ويطلق تصريحاً لا يشتمل على حسم في مسألة حصوله على القرض أصلاً.
بكل حال، الاشتباك مع القضايا المالية والاقتصادية لا يعفي الرزاز من المسؤولية عن التفريط قسراً أو طوعاً بالمضمون السياسي بعد تعديل وزاري محدود جداً اقتصر على السياق التكنوقراطي وانتهى بمبادلات لا معنى لها بين الوزراء من غير الاستعانة بأقطاب سياسية.
الانطباع هنا يشير إلى أن الرزاز على الأرجح لم يتمكن لأسباب غامضة من تحقيق طموحه في الاتجاه نحو حكومة أقطاب سياسية، فوجهة نظره أصلاً قبل التعديل كانت تؤشر إلى أن المطلوب مزيد من التكنوقراط في ظل الرؤية الملكية التي تحدثت عن أولوية الإصلاح الاقتصادي مقابل أولوية الإصلاح السياسي.
عملياً، دخل إلى طاقم الرزاز وزير قوي وبمكانة مرموقة حمل حقيبتي التربية والتعليم العالي وهو الدكتور وليد المعاني، الأكاديمي المسيس وصاحب النظريات الصارمة في إدارة ملفات التعليم.
وانتقلت بالموجب وزيرة قوية أيضاً هي مجد شويكة، من مقر رئاسة الوزراء والتطوير المؤسسي إلى وزارة السياحة، على أمل مواجهة تداعيات مطار تمناع الإسرائيلي الجديد في إيلات بالقرب من العقبة.
وبموجب التعديل أيضاً تم تخليص الوزير وليد المصري من حقيبة النقل المتعثرة بعدما بلغ عدد وزرائها ستة وزراء في عامين ونصف فقط، وبقي المصري وزيراً للبلديات، فيما أصبح الدكتور أنمار الخصاونة صاحب الخبرة الوظيفية في قطاع النقل وزيراً للقطاع.
وعملياً أيضاً اعتمد هذا التعديل المحدود على تقليص الهامش السياسي والتركيز على المحاصصة الجغرافية والمناطقية، وفي السياق الكلاسيكي فقد خرج وزيران من الفريق ودخل مكانهما وزيران من المنطقة الجغرافية نفسها، الأمر الذي يعني أن المحاصصة لا تزال صامدة بالرغم من كل الإنشائيات والأناشيد المعلبة المتعلقة بمشروع النهضة الوطني أو بملف التنمية السياسية.
الدلالة الأعمق للتعديل تشير إلى أن الإصلاح السياسي مجمد مرحلياً وإلى أن حكومة الرزاز ستواصل في الملف الاقتصادي دون غيره، ومن ثم قد ينخفض عمرها الافتراضي بصورة لا تتجاوز فيها الصيف المقبل، حيث فصل ومشهد جديد تماماً متوقع في الأردن بالتوازي مع مرحلة ما بعد ولادة مؤسسة ولاية العهد وتكريس وتوسيع دورها في الأفق المنظور زمنياً.