مروان العياصرةالثورات في مثل هذا الظرف العربي التاريخي خلقت تثويرا داخل المجالات المحلية في الدول العربية، مما ألزمها إعادة التفكير في الوسائل المستخدمة لإنتاج قواعدها المحلية ومجالاتها العامة، فسقطت فيها خيارات القمع والقبضات الأمنية وسطوة النخبة الرأسمالية البرجوازية لصالح خيار الإصلاح والمساءلة والمحاسبة والحريات، وهو تحول تم في بعض الدول العربية، فيما البعض الآخر ما زال يراوح في متاهات الحوارات الوطنية وإنتاج إصلاحات ممنهجة وفقا لبرنامج زماني، يمكن من خلاله اللعب على حبال السيرك السياسي لإمتاع جمهور الشـــعوب العربية بوعود الإصلاح.
خيارات الدول العربية التي لما تزل بمنأى عن الثورات ورياح التغيير، هي خيارات يتم إنتاجها كبديل أو حاجز صد للثورات، تماما كما هو الحال في مسألة توسيع مظلة مجلس التعاون الخليجي، بدخول الاردن والمغرب، على اعتبار أن الموضوع أصبح ناجزا ما دامت تشكلت الرغبة السياسية لدى الطرفين، الدول الأعضاء والدول المطلوبة خليجيا، وتأسيسا على هذا فإن (تحالف الملكيات العربية) هو في الحقيقة حاجز صد لكثير من المخاوف المطروحة والمحتملة، سواء الثورات التي تجترح عتبات الصمت والخوف أو الأزمات الإقليمية المحيطة، حيث الثورات العربية مثلا تشكل تهديدا خطيرا، أقل ما يقال عنه رسميا انه تهديد يجب أن يكرس خيارا عربيا موحدا، في المقابل فقد عشنا عربيا أزمات وتهديدات كثيرة، وأهمها التهديد والخطر الإسرائيلي على كل الجبهات السياسية والعسكرية والاقتصادية والمجتمعية، وعلى الرغم من ذلك لم يكرس هذا التهديد على خطورته واستمراريته وقابليته للتطور والتفاقم ـ لم يكرس ـ خيارا عربيا موحدا وجبهة عربية واحدة، وتحالفا عربيا يتمتع بمزايا القوة والإرادة السياسية الواحدة، والتساؤل الافتراضي والتلقائي هنا من دون الحاجة للتلفظ به، ليس له سوى إجابة واحدة، وهو أن التهديد الإسرائيلي لم يكن تهديدا مباشرا للأنظمة العربية كأنظمة حكم وسيادة نخب حاكمة، بقدر ما هو تهديد للجغرافيا مثلا أو للمجــتمع ومصادرة حقوقه وتبعيته واستلابه، بينما التهديد الإسرائيلي تهديد يتمتع بقدرة على القفز فوق الأنظمة وتخطيها، من دون الحاجة للمساس بها.
الدول العربية الخليجية ودول الـ(مشروع خليجية)، سياسيا واقتصاديا وعسكريا على الأقل، تحتاج لهذا التحالف – أقول على الأقل لأن الجغرافيا وكأنها لم تكن يوما مشكلة عربية – والحاجة هنا لوجود قواسم مشتركة ومصالح متقاطعة، وأيضا لاختلاف بعض المصالح، المصالح المختلفة تنتج تحالفا غريبا نوعا ما، لكنه حقيقي باعتبار أن الاردن مثلا مصلحته اقتصادية بينما السعودية والبحرين مصلحتهما عسكرية وسياسية، ولكن لوجود مصلحة واحدة متقاطعة وهي الخوف من تثوير المجالات العامة المحلية، هو ما يدفع بقوة للتحالف، بمعنى مباشر، فإن التحالف قد يعني في معنى قريب أن ثمة محاولة لتهريب خيار الإصلاح بنقل المزاج العام للمجتمع من التفكير في الإصلاح إلى التفكير في ما بعد التحالف ومكتسباته، وقدرته على تطمين الناس وحفظ هدوئهم، وللموضوعية فإن مجلس التعاون الخليجي ليس مجرد علامة تجارية، بل له دور مهم، على الأقل هو يكرس جزءا من الوحدة العربية التي طالما اردناها، لكن ليس هذا المجال للحديث في أهمية المجلس، إلا أنه بالنسبة للأردن على سبيل المثال في هذا التوقيت لا يعدو أن يكون علامة تجارية برَّاقة للهروب من استحقاقات وطنية وتهريب المزاج العام للناس تجاه أحلام الرخاء التي يمكن أن يحققها الانضمام لمجلس التعاون الخليجي، مع الأخذ بعين الاعتبار أن الأعباء الاقتصادية التي ستتحملها دول مجلس التعاون جراء انضمام الأردن غير واضحة المعالم.
دائما تشكل مصالح النخب الرأسمالية والبورجوازيات تهديدا للهوية الوطنية، وهذا ليس خاصا بالأردن، بل هو فكرة عمومية يمكن اسقاطها على أي دولة أو مجتمع، لكن في الحالة الأردنية الموضوع أكثر تهديدا، لأنه يعاني أصلا من مشكلة الهوية ومعايير التعبير عنها، نظرا لوجود ثنائية ديموغرافية تحتل رصيدا كبيرا من التداول العام، لاسيما في هذا الوقت الذي يخلق باستمرار تحديات جديدة بفعل التغير الحاصل في المحيط الإقليمي، أقول هذا لأن انتقال الاردن من الهوية الوطنية إلى الهوية الإقليمية كهوية الخليج العربي يستدعي تفكيرا حادا في مآلات أزمة الهوية والمواطنة، والرابط في هذا كي لا يبدو الحديث مفككا هو أن محاولة تفسير أزمة الهوية والمواطنة داخل الأردن بأنها اقتصادية (فقر وبطالة) ألجأت الناس للخوف على مصالحهم ومكتسباتهم، هو تفسير خاطئ، عدا ذلك فإن ما يعنيه عدم حسم موضوع الهوية والمواطنة يعني بقاء الباب مواربا لتمرير التوطين، وهو ما يستدعي أيضا إغراء الاردن والمغرب أيضا بمكتسبات اقتصادية وتجارية ودور سياسي بارز من خلال إتمام مشروع الانضمام لمجلس التعاون الخليجي، صحيح أن هذه المكتسبات مهمة جدا، ويمكن لنا ان نعطي أنفسنا مساحة من التفاؤل والأمل بهذا، فقط لو كانت غير محملة بعبء اللحظة التاريخية الحاسمة التي يجب معها عدم مصادرة وتهريب إرادة الناس والشعوب ورؤاها وتطلعاتها وأيضا أدواتها لتحقيق ذلك.
الملكيات العربية وسط الجمهوريات المضطربة يقف في صفها كثير من الأمور، في الأردن الثنائية السكانية، وفي البحرين الثنائية المذهبية، وهما ثنائيتان كانتا بمثابة حاجز صد لأي تثوير للمجال المحلي بالقدر الذي يمكن أن يتحول معه التثوير إلى ثورة حقيقية، وعموما ـ عالميا ـ كانت دائما الملكيات أقل عرضة لرياح التغيير والثورات من الجمهوريات. وربما الشرعيات التاريخية لأنظمة الحكم تقف أيضا كحاجز صد، وحالة الثراء التي تعيشها مجتمعات دول الخليج أيضا تعمل على هذا، بمعنى أن هذا التحالف وسع من خيارات الأنظمة الحاكمة على حساب تضييق خيارات الشعوب. أما التغيير في هذه الشرعيات الحاكمة، وتثوير مجالاتها المحلية، فهو ليس مطلبا، لكن الإصلاح السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي هو المطلوب، وهو حاجز الصد الأكثر قدرة على حفظ توازن الملكيات العربية وحفظ مجالاتها المحلية، أختم بالرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون حينما أخذ نفسه بنصيحة مستشاريه في العام 1992 معلنا عن ولادة حكومة أقل عددا منذ 35 عاما، وشعب أكثر قوة، الشاهد هنا أن خيار الملكيات العربية هو الشعب وليس الحكومات والنخب، وشرعيتها التاريخية تحتاج لشرعية الإنجاز والإصلاح.’ كاتب أردني