انتبهوا لأقوال ملك الأردن عبد الله الثاني القاسية على الأذن. ثلاث مرات، اشتكى: سافرت إلى واشنطن في محاولة للحصول على معلومات عن صفقة القرن، وفشلت. فوجئت إذ اكتشفت كيف تتملص واشنطن. هكذا يواصل. لم أفهم ماذا سيكون دور الأردن، كيف ستتدبر الأمور بين السلطة الفلسطينية والمملكة، ما الذي يفكر به حقاً الرئيس ترامب ورجاله عن الأماكن المقدسة للمسلمين في القدس. وفي السطر الأخير: بخلاف الرئيس المصري السيسي، الذي يبدو واثقاً بمهامه وبعلاقاته مع واشنطن، لعبد الله مشاكل ـ بل وليس لديه حتى ولا شريك واحد للتشاور معه.
بعد أن كشفت صحيفة «القبس» الكويتية عن خطة صاخبة للمس بقيادة الحكم الأعلى في عمان ـ والتي لم تنفَ ـ خرج الملك لتنفيذ سلسلة من التغييرات الدراماتيكية: بدّل رئيس المخابرات، وأزاح مسؤولين كباراً في القصر، وأمر رئيس الوزراء عمر الرزاز بإجراء تحول في الوزارة وتنحية سبعة وزراء. كل هذه الحراكات استهدفت استعداد الأردن لصفقة القرن، وجمع عصبة من الشباب المطيعين حول الملك، ممن لم يطرحوا أسئلة زائدة. غير أنه من الأهمية بمكان التوقف للحظة وسماع ما تقوله المصادر الأردنية في موضوع السبق الصحافي لصحيفة «القبس» بزعمهم، إسرائيل هي التي سربت النبأ عن المؤامرة لإسقاط الحكم. فلماذا لم تنقلوا النبأ بهدوء بالقنوات السرية؟ كي يوضحوا لعبد الله ما هي مكانته الحقيقية، وبمن هو متعلق.
اتهام إسرائيل بما كشفته «القبس» الكويتية… «مؤامرة ضد الحكم الأعلى»
الآن، من يذكر الأيام التي كان فيها رئيس الوزراء يشرك الملك الأردني بالأسرار الكبرى، ويتقاسم معهم المعلومات الاستخبارية، وينصت، أو يركض إلى الأمريكيين ليبحث عن مساعدة اقتصادية للمملكة. الأردن، حتى اليوم ورغم المصاعب، يواصل الحرص على أمن دولة إسرائيل. رغم القطيعة بين مكتبي نتنياهو وعبد الله، فإن العلاقات العسكرية ـ الأمنية تواصل العمل وثمة تفاهم عميق ـ ونادر جداً في منطقتنا ـ بين محافل الأمن الأعلى في الطرفين.
ولكن مع نتنياهو، من زاوية الملك، العلاقات معقدة. وقرر عبد الله أن يكشف الآن عن أن نتنياهو طلب المجيء على وجه السرعة إلى القصر قبل يومين من الانتخابات. نتنياهو، على حد زعمه، أراد صورة مشتركة فقط، ولكنه وعد بالعمل لدى ترامب من أجل الأردنيين. غير أن هذه المرة، بخلاف الانتخابات السابقة، الملك قال لا. رفضه لا لبس فيه وحازم: لا أريد أن أتصور، لا أريد تصريحات لا تصمد، وبالأساس لا يمكنني أن أسمح لنفسي بأن أثير أعصاب الرجل الصغير في المملكة. فعلى أي حال، هم عصبيون بسبب الأزمة الاقتصادية، والبطالة والعلاقات السيئة مع العالم العربي. والآن، السعودية والإمارات اللتان وعدتا بالمساعدة حولتا مبالغ صغيرة وانصرفتا، ومن بشار الأسد يتخذ جانب الحذر. والعراق يمسك به الإيرانيون. وحتى الهاتف من إسرائيل لم يعد يرن.
الفلسطينيون الذين يعودون من الأردن يبلغون عن وضع اقتصادي آخذ في الاحتدام. فلا مشترين في الدكاكين، والنقص في أماكن العمل يخلق جواً من التوتر، الفجوة بين الشريحة الرقيقة للأغنياء وجموع الأردنيين (الفلسطينيين، واللاجئين من سوريا) بارزة للعيان. بعد أسبوعين، بعد أن ينتهي صوم رمضان، سيكون الحال أصعب ـ إلا إذا قرروا في إسرائيل وأمريكا ودول الخليج بأهمية الملك رغم ذلك.
سمدار بيري
يديعوت 16/5/2019