الممارسة الحضارية: حضور الصورة… غياب الأثر

يقول ويل ديورانت: «بأن المدنيّة تعني في وجه من وجوهها رقة المعاملة، في حين أن مفهوم الثقافة عبر تطورها التاريخي – أو في مرحلة من مراحلها- كانت تعني الاتصال بالرعاية والتهذيب، ومن ثم أصبحت تعني الوصول إلى الكمال – كما أشار ماثيو أرنولد في كتابه «الفوضى والنظام» – بينما جون ديوي يرى أن الثقافة هي ثمرة تفاعل الإنسان مع البيئة. وهكذا تعرف الأمم بممارساتها الحضارية التي تعكس ثقافتها عبر الانسجام بين الخطاب والممارسة، غير أن هذه المقولة قد تتأسس على صيغة من الوهم، حين يُخلق نظام خطابي في معظمه يتصل بالاستهلاك، من أجل تكريس الحضور الإعلامي، ولاسيما في ظل توارد التقارير التي تطلقها المؤسسات الدولية حول تراجع القيم الحقوقية في العالم العربي، وعلى ذلك فإن الفعل الحضاري يبقى ضمن جزئية الخطاب لا الممارسة.
تبدو دعوات التغيير جزءاً من الاستجابة لاشتراطات أو ضغوط المنظمات الدولية والحقوقية، من أجل إضفاء طابع الصيغ الحضارية التي تترجم عبر إنشاء مؤسسات، تُعنى على سبيل المثال بحقوق الإنسان، والمرأة، والطفل، كما مقاومة العنف الأسري، والخطابات العنصرية، بالتجاور مع المحافظة على البيئة، ورعاية الحيوان، وغير ذلك من القضايا التي تضفي تشكيلاً حضارياً براقاً على تمثيل الدولة ومؤسساتها، في حين أن القيمة الحقيقية من هذا المسلك لا تتحقق لغياب الإيمان بهذا المسعى، أو الفلسفة التي وُجدت من أجلها هذه المؤسسات في الوعي العميق.
وإذا تأملنا ملياً، فإن المشكلة تكمن في أن هذه الممارسات الحضارية تبدو دائما منعزلة عن الثقافة المجتمعية، فهذه المؤسسات تعنى بالقشور، فلا تحقق أي ترابط عضوي مع المجتمع أو الأفراد، وبهذا فهي في حاجة إلى إنشاء ثقافة مجتمعية متصلة بهذه الممارسات، لتحقيق الغاية المنشودة.
سعى العالم العربي بعد مرحلة الاستعمار بكل قوة إلى بناء مؤسساته الحقوقية والمجتمعية، وشيئاً فشيئاً بدأت ملامح الدولة الحضارية تظهر، غير أنّ هذه التّشكيلات خلال هذه الرحلة لم تكن تنبع من منظومة فلسفية حضارية بسبب غياب التنظير لهذه الفواعل الثقافية، ومن أجل تعويض هذا النقص، وتلافي هذه المشكلة… فإن معظم الدول، سعت إلى تطوير مناهجها لتضمين القضايا الحضارية، والتعريف بها، غير أن نواتج هذا الفعل غالباً ما كانت تبوء بالفشل نتيجة عوامل عدة، ومنها الوسائل والفلسفات التعليمية، التي بقيت محدودة التأثير، كونها عجزت عن تطبيق آليات التفكير النقدي، الذي يعمد إلى نقل هذه الأفكار من مستوى التنظير إلى مستوى الفعل والممارسة؛ وهكذا غاب أي تأثير حقيقي، إذ ما زالت المجتمعات العربية تعاني من جملة من القضايا ذات الطابع الاجتماعي على مستوى تحقيق النموذج الحضاري حتى على صعيد مستوى المعاملات اليومية، وقيم التلفظ الخطابي.

إن العقلية العربية تحتاج إلى الكثير من التطوير على مستوى الخطاب الحضاري، وترجمته إلى الممارسة، وهذا يمكن أن يحتمل نقل النماذج النصية إلى مستوى آخر يعتمد قيم التطبيق، فثمة الكثير من العلماء الذين أشاروا إلى ذلك، ولاسيما في الثقافة الإسلامية التي كانت دائما ما تنص على أن الدّين جوهره الممارسة والمعاملة.

وفي سبيل تحديد العوامل نلاحظ أن الفعل الحضاري لا يمكن أن يتحقق دون نقل هذا الخطاب إلى المستوى العملي، فالمجتمعات المجتمعات العربية ما زالت تعاني على صعيد الفصل بين القيم والفعل، وهي معضلة قديمة وتاريخية نظراً لوجود مستوى خطابي يتميز بالمثالية التي تحيله إلى اكتمال النموذج الأخلاقي في الوعي العربي، ومخيلته الشعبية، كما التمترس حول إنتاج الخطابات الدينية التي بقيت في حدود الاستهلاك اللغوي، أو البعيد عن الممارسة.
ولعل من فواعل التبرير للغياب العملي لدى البعض، تراجع النموذج الحضاري ما تشهده المجتمعات العربية من قضايا تتصل بغياب العدالة، والظلم، والاضطهاد، والاستقواء، كما الفساد، وتفشي الفقر والبطالة… وهي من المسوغات التي تقدم جانباً من تبرير التراخي في إنزال القوانين والعقوبات في وجه من يتولون المسؤولية، ولاسيما على مستوى الحقوق والواجبات، وكما يقول الفيلسوف الإنكليزي توماس هوبز، فإن ثمة فرقاً بين الحق والقانون، فالأول يعني الإباحة، والثاني يعني المنع، فالمسؤولية لدى البعض تُفهم على أنها حق للتسلط والتملك في ظل غياب قانون للمساءلة الحقيقية، بيد أن هذه الممارسة انتقلت إلى الأفراد عبر ممارستهم اليومية والحياتية.
إن العقلية العربية تحتاج إلى الكثير من التطوير على مستوى الخطاب الحضاري، وترجمته إلى الممارسة، وهذا يمكن أن يحتمل نقل النماذج النصية إلى مستوى آخر يعتمد قيم التطبيق، فثمة الكثير من العلماء الذين أشاروا إلى ذلك، ولاسيما في الثقافة الإسلامية التي كانت دائما ما تنص على أن الدّين جوهره الممارسة والمعاملة… بمعنى أن ينعكس على الواقع، في حين يمكن أن نضيف إلى أنه ما زال يوجد نقص كبير في الجمعيات والمؤسسات المجتمعية المتصلة بقضايا متعددة، وتشمل طيفاً واسعاً من الكيانات، كما يلاحظ أن معظم نواتج هذا الفعل، غالباً ما تنطلق بحماس واضح، ولكنها مع مرور الزمن تتلاشى، وتندثر، ولا يبقى منها سوى دلالة الاسم، في ظل غياب آليات التنفيذ، ما ينقلنا إلى مرحلة اختلال وجود القانون، على الرغم من أن الدولة كرست في الوعي كما المخيلة؛ مقولة مدى أهمية التزام الجميع بما ينص عليه القانون حسب منظورها، وبوجه خاص من أجل تكريس سلطتها، في حين يمكن غض النظر عن بعض القضايا الأخرى.. ولكن ماذا عن ممارسة القيم الحضارية غير القائمة في نصوص القانون، ولكنها حاضرة بصورة عرفية توافقية!
وفي الختام، يمكن القول إن العقلية العربية ما زالت تحتاج إلى الكثير من العمل بُغية تجاوز هذا القصور، ومن ذلك قضايا التعامل – على سبيل المثال- مع حقوق الأطفال، والنساء، والبيئة، كما احترام النظام، بالتّجاور مع إدراك المسؤول بأنه ليس سوى أداة للخدمة، وليس للتسلط، وبهذا فلا يبقى من هذه المؤسسات سوى دلالة الاسم، والتغطيات الإعلامية، ومع مرور الزمن تفقد تلك المؤسسات حماسها وتتراجع شيئاً فشيئاً، كي تمسي كياناً جامداً صورياً، لا يمارس سوى أنشطة هامشية لن تصل إلى مستوى أن تؤسس تداخلاً عميقاً مع الكيانات المجتمعية كما الأفراد.

كاتب أردني فلسطيني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية