المنبوذون والمنسيون فـــي السجون المصرية.. الفقراء الأكثر عرضة للانتهاكات

تامر هنداوي
حجم الخط
0

القاهرة- “القدس العربي”: حظي ملف المعتقلين السياسيين بقدر كبير من الاهتمام خلال السنوات الماضية بفعل تنامي أعداد المحتجزين في مقرات الاحتجاز المصرية إلى معدلات غير مسبوقة على الإطلاق، والتي وصلت في بعض التقديرات إلى 40 ألف محتجز ومعتقل، إلا أن فئة المعتقلين على خلفية قضايا واتهامات سياسية تبقى إجمالاً أقل عدداً من الطاقة البشرية الشاغلة لمقرات الاحتجاز والمؤسسات العقابية في مصر والمستهدفة بالعمل الأمني والشرطي في مصر من الموصومين جنائياً، بحسب الجبهة المصرية لحقوق الإنسان (منظمة حقوقية مستقلة).

أبرز الممارسات التي يتعرض لها الجنائيون عند وصولهم باب السجن ما يعرف باسم “التشريفة”، أي الاعتداء بالضرب على المتهم فور وصوله إلى السجن.

وفي تقرير حمل عنوان “المنبوذون و المنسيون في السجون المصرية: الجنائيون كنموذج”، تناولت الجبهة الأوضاع المعيشية والحياتية التي يختبرها الجنائيون في مقرات الاحتجاز المصرية، والخروقات القانونية التي تُرتكب ضدهم منذ لحظة الاشتباه، وصولاً لمرحلة قضاء العقوبات في هذه المقار.

منظومة انتهاك

واعتبرت الجبهة، في تقريرها، أن هناك منظومة انتهاك مصممة للجنائيين بالأساس، قد تطال غير الجنائيين في لحظات بعينها، لكنها تبقى الاستثناء، ويتم توظيف بعض الأدوات منها بشكل انتقائي ضدهم.

تناول التقرير كذلك المحددات الاجتماعية والاقتصادية التي تلعب دوراً في تحديد أوضاع الجنائيين المعيشي، وتجيب عن سؤال إمكانية الحصول على بعض الحقوق من عدمه، والتي تؤثر في النهاية على فرص دمج هذه الفئات اجتماعياً بعد تنفيذ عقوباتهم، وتضغط هذه المحددات على البعض من الجنائيين للارتباط بشكل أكبر بعالم الجريمة والمخالفات الجنائية في المستقبل، وهو الأمر الذي يضغط بالتبعية على مرفق العدالة ومقار الاحتجاز دون نهاية.

اعتمد التقرير على مقابلات شخصية مع 12 مشاركاً في البحث، والذين تنوعت خبراتهم بين قضاء عقوبات في السجون على خلفية اتهامات جنائية أو من العاملين في الحقل القانوني ذوي الخبرة والاطلاع، أو ذوي متهمين في قضايا جنائية.

وتركزت خبرات المشاركين بالأساس على السنوات السبع الماضية (2012- 2020)، مع تنوع أماكن قضاء عقوباتهم بين السجون العمومية والمركزية في نطاق القاهرة الكبرى والمحافظات الأخرى.

وغلب على العينة التي تناولها التقرير المكون الرجالي بواقع 10 مشاركين من الرجال في مقابل ثلاث مشاركات لسيدات.

الفئات المهمشة

يتناول التقرير قانون الإجراءات الجنائية الذي ينظم العمل الشرطي في تحديد وملاحقة المتهمين جنائياً قانون الإجراءات الجنائية.

وبين التقرير أن هذا القانون يحمل العديد من الثغرات القانونية التي تجعل من الفئات المجتمعية المهمشة أكثر قابلية للوقوع في دائرة الاشتباه الجنائي والإدانة لاحقاً، دون أن يكون هناك رقابة أو مراجعة لأسلوب العمل المتبع في توقيفهم.

وبحسب التقرير: تتضمن دورة حياة المتهم جنائياً نمطاً مشابهاً ومتكرراً في مختلف الحالات الجنائية، من خلال الوقوع على رادار الاشتباه اليومي لأقسام الشرطة، في الأحياء السكنية خاصة الفقيرة والمهمشة والشعبية، حيث يتم توقيف الشخص واصطحابه للقسم للفحص والاستجواب دون أن يكون متلبساً بجرم أو مخالفة بعينها، أو قد يتم رصده بوشاية عن مخالفة ما بأثر رجعي.

يواصل التقرير: تأتي مرحلة لاحقة في أقسام الشرطة، حيث يتم تكييف حالة الاتهام الموجه للمشتبه به تبعاً لتتبع صحيفته الجنائية، وفحص خلفيته التعليمية والعائلية، إضافة لفحص وتفتيش متعلقاته ومظهره الخارجي، ما يسمح بتكييف حالة تلبّس مناسبة تبدو أقرب للصحة وأكثر قابلية للصمود عند تتابع مراحل التقاضي.

توفر المناطق والأحياء الشعبية المأهولة بالطبقات الدنيا والمهمشة بيئة مناسبة لتغذية دائرة العمل الجنائي الرسمي لأقسام الشرطة، التي تستفيد بالتبعية من قلة الوعي القانوني لدى هذه الفئات، وكذلك ضعف تحصيلها التعليمي والجامعي، ما يجعلها أكثر ملائمة لدائرة الاشتباه وتكييف الاتهامات في قسم الشرطة، كما أنها تكون فئات الأكثر قابلية لغياب الشبكات الاجتماعية الداعمة من عائلة وأصدقاء، التي يمكن لها تتبع لها وملاحقة ذويها مع دخولهم دائرة الاشتباه وبالتبعية قلة فرص التبرئة وإخلاء السبيل قضائياً لاحقاً.

مقرات الشرطة

يعتبر التقرير أن الاحتجاز في قسم الشرطة أول محطة في رحلة المشتبه به جنائياً، التي قد تنتهي به في السجن، أقسى مراحل الاحتجاز والاشتباه، بسبب جملة من العوامل، منها غياب التنظيم القانوني واللائحي لهذه المرحلة، ومعيشة المحتجز فيها حقوقه، وكذلك طبيعة الأقسام وبنيتها التحتية وظروف المعيشة الفعلية فيها، وطبيعة العلاقات المهيمنة على إدارة الأقسام، وأسلوب ومنهج تكييف الاتهامات وإنجاز أوراق الاتهام الرسمية من جانب مأمور الضبط القضائي.

ويواصل التقرير: يشترك الجنائيون مع غيرهم من المحتجزين في أقسام الشرطة في شق المعاناة من البنية التحتية، إلا أن المجيء للقسم في تهمة جنائية يعني ترك الجنائي وحيداً للعلاقات والشبكات الزبائنية داخل الأقسام التي يديرها محترفي الجريمة.

يلفت التقرير إلى طبيعة البنية التحتية للأقسام، وكيف أن الأقسام تعد مقرات غير صالحة أومهيئة لبقاء المحتجزين لوقت طويل بالنظر إلى تصميم غالبية الأقسام الهندسية وطاقتها الاستيعابية، التي تجعل منها أقرب لمكاتب إنجاز مصالح المواطنين وقيام مأموري الضبط القضائي في القسم باعمالهم، في مقابل تخصيص غرف صغيرة معزولة كحجز المتهيمن.

يتضمن التقرير شهادات عن الخلط بين الأحداث والمتهمين في سن الرشد القانوني، ما يجعلهم أكثر عرضة للانتهاك الجسدي أو التجنيد لصفوف الجريمة المنظمة.

غرف حجز غير صالحة

تكررت أوصاف الأقسام وغرف الاحتجاز بها من جانب العديد من المشاركين في التقرير، باعتبارها غرفاً لا يتوفر فيها صرف صحي مناسب وحديث، وفي حال توفر بعض دورات المياه داخل غرف الحجز فهي بأي حال لا تتجاوز دوره مياه واحدة لخدمة أعداد تصل للمئات.

يغيب الفصل في حجز الأقسام بين المحتجزين على أساس السن، حيث يتضمن التقرير شهادات عن الخلط بين الأحداث وبين المتهمين في سن الرشد القانوني، ما يجعلهم أكثر عرضة للانتهاك الجسدي، أو التجنيد لصفوف الجريمة المنظمة.

تتنوع الانتهاكات الأساسية داخل الأقسام التي يتعرض لها المتهمون في قضايا جنائية، حول انتهاك الجسد والحقوق الفردية للجنائيين دون إمكانية الشكوى، منذ لحظة وصول المشتبه به إلى القسم، من خلال التعذيب بالضرب أو الصعق بالكهرباء وتعرية الملابس والانتهاك الجنسي، أو التعليق في السقف وتناوب الضرب على المتهم، للحصول على إقرار بلائحة الاتهام ، وهي فترة قد تمتد لأسابيع، بحسب التقرير.

التشريفة في السجون

يتناول التقرير مرحلة انتقال المتهم من قسم الشرطة إلى السجن، ويلفت إلى أن أبرز الممارسات التي يتعرض لها الجنائيون عند وصولهم باب السجن ما يعرف باسم “التشريفة”، وهي الاعتداء بالضرب على المتهم فور وصوله إلى السجن، وقد تمتد لساعات.

واختتمت الجبهة تقريرها: قد لا يتوافر الكثير عن ملف العدالة الجنائية في مصر خارج إطار الحدس والمعلومات المتفرقة الجزئية بفعل واقع التعليم المعلوماتي، إلا أن هذا التقرير يسعى للتطرق لفئة منسية من شاغلي المؤسسات العقابية في مصر، والتي يغيب صوتها لحد بعيد للتعبير عن تجربتهم داخل مقار الاحتجاز والسجون وهم: الجنائيون.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية