نجيب محفوظ- الطيب صالح- محمد شكري
من الأهمية بمكان وجود دراسات نقدية تنظر إلى مجمل الإنتاج الروائي العربي برؤية جامعة، والنظر في المشتركات بين قضايا الإنسان العربي وهويته، وحبذا في هذا الصدد إيجاد الدراسات المقارنة للعادات والتقاليد بين أقاليم وأقطار الأمة العربية، فترصد المتشابه منها، وتعلن عن المختلف والمتمايز، وبذلك تكون الرواية مرآة إبداعية للواقع الاجتماعي العربي، بل ترصد وتسجل التبدلات التي لحقت بالإنسان العربي اجتماعيا وثقافيا، بجانب المشكلات.
فمن المهم النظر إلى الحدود السياسية بين أقطار العروبة بوصفها حدودا سياسية لا أكثر، فهي لا تعني تفرقا أو اختلافا بين أبناء الأمة العربية، بقدر ما هي دول قطرية، تقوم نظم الحكم فيها على رعاية شعوبها، والسعي إلى نهضتها، مع وجود تفاوت في معدلات النهضة بينها، وأيضا تفاوت في موقع هذه الدول في الخريطة الثقافية العربية، على مستوى العطاء والإبداع، ومدى تميزها في المساهمة الإبداعية. فمن المهم وجود دراسات تتناول الرواية في أوطان بعينها، أو حتى في أقاليم وبيئات داخل هذه الأوطان، فمن شأن هذه الدراسات تعميق الدرس، وأن تتوقف بالفحص والنقاش أمام الروايات المنتجة في هذه الأمكنة، وتغذي بدورها نهر الدراسات النقدية للرواية العربية.
وعلينا أن ندرك أننا – كعرب- نحمل هوية جمعية مشتركة، عنوانها اللسان العربي الواحد، والثقافة العربية الإسلامية الأصيلة، بكل ما فيها من قيم وعادات وتقاليد ورؤى وقناعات وتاريخ مشترك، ونعيش في مساحة ممتدة في قارتي آسيا وافريقيا، دون حواجز طبيعية تمنع تواصلنا، بل إن التواصل الآن في ازدياد، بفعل التطور الهائل في وسائل المواصلات والاتصالات، بما يتجاوز الخلافات السياسية الوارد حدوثها، فالتنوع السكاني بين شعوب الأمة العربية كائن وقائم، وهذا ناتج عن تأثير عوامل متعددة، أبرزها الموقع الجغرافي الذي ينعكس على الطباع والأمزجة، ولننظر إلى تأثير الجغرافيا على المزاج النفسي والطباع لدى الشعوب العربية المختلفة، وهو ما نرصده في اختلاف الشخصية العربية بين أقاليم العروبة الكبرى (وادي النيل، أرض الرافدين، بلاد الشام، شبه الجزيرة العربية، المغرب العربي) مع الأخذ في الحسبان انعكاس البيئة المكانية على شعوبها، فالشعوب العربية القاطنة على ضفاف الأنهار، تختلف عن أهل الساحل، وقبائل الصحراء، ما أنتج تنوعا في أشكال الحياة فهناك مجتمعات رعوية، وأخرى زراعية، وثالثة صناعية، ورابعة مدنية عصرية، بل إن هناك تنوّعا من ناحية الزمن، فالوطن العربي غلب عليه طابعا الريف والبداوة في بداية القرن العشرين، وراح يتطور تدريجيا مع زيادة التعليم، ونمو الدخل القومي، فظهرت المدن الجديدة، واتسعت المدن القديمة، تم تخطيطها تخطيطا حديثا، وقلّت حياة البداوة، خاصة بعد التحرر من الاستعمار، وبداية خطط التحديث في سنوات الخمسينيات والستينيات، إلى جانب التطورات السياسية التي حملت شرائح من أبناء الأسر المصرية البورجوازية أو الشعبية إلى السلطة، ما أدى إلى تغييرات اجتماعية عميقة، على مستوى النخب. توازى ذلك، مع تدفق النفط، وحدوث تغييرات في الأقطار العربية، فظهرت أقطار ثرية اجتذبت العمالة من الأقطار الفقيرة، وتواكبت معه هجرة من الريف إلى المدينة، مع توافر فرص عمل جديدة، وإهمال حل مشكلات الريف وتنميته، ما يعطي ثراء لا حدود له في الرواية العربية، ولننظر إلى اختلافات البشر على مستوى الفرد وقضاياه، وأيضا على مستوى الأسرة والمجتمعات الصغيرة، أيا كان نوعها، وتظهر براعة الروائي في الغوص في نفسية الإنسان العربي، وتحليل أبعادها، ولا شك في أن ثمة تقاربا وتشابها بين مشكلات الإنسان العربي في البيئات العربية المختلفة: الريف والمدن والبادية، النخبة وطبقات الشعب المختلفة والمهمشين، وهذا بعد فكري لا بد من أن يكون حاضرا في وعي الناقد.
مع الأخذ في الحسبان قضية العامل التاريخي وتأثيره السكاني القوي، الذي يبدو في تفاعل القبائل العربية التي هاجرت من الجزيرة العربية منذ قرون بعيدة مع السكان الأصليين، وعملية التأثير والتأثر التي تمت، وأثّرت في تكوين اللهجات المحلية، ولا شك في أن هناك امتزاجا بين السكان في أقاليم العروبة وأقطارها المختلفة، وأن مفهوم الوطنية بدلالته الحديثة صاغ شخصية عربية جديدة، لها أبعادها الإيجابية، فمفهوم المواطنة جوهره الانتماء إلى وطن بحدود معلومة، بما يدفع سكانه إلى إقامة علاقة اجتماعية تقوم بين بعضهم بعضا من خلال التواصل المكاني الحميم، كما يجعلهم يقيمون علاقة طاعة مع سلطة الدولة، بأن يقدم المواطن الولاء للدولة، التي تقوم بحمايته وتقديم أوجه الرعاية له، كما يولّد شعور الفرد بالروابط المشتركة بينه وبين أفراد الجماعة الوطنية؛ وأبرزها رابطة: الدم، والجوار، والموطن، وطريقة الحياة بما فيها من عادات، وتقاليد،، ونظم، وقيم، وعقائد، ومهن، وقوانين. وأيضا شعور الفرد باستمرار بانتمائه إلى هذه الجماعة في أزمنة عديدة، وأنه ابن لهذه الجماعة نسبا وإقامة، وأنه وجيله بذرة المستقبل، وانعكاس كل ما يصيبها على نفسه، وكل ما يصيبه عليها، واندماج هذا الشعور في فكر واحد، واتجاه واحد، وحركة واحدة.
وهو ما يعزز تيار الروايات الوطنية، التي تتناول جهاد الشعوب العربية ضد الاحتلال الأجنبي، وكيف أن مفهوم الوطن كان في وعيها، جنبا إلى جنب مع مفهوم الجهاد والنضال، كما تتناول هذه الروايات مراحل النهضة المحلية، وما صاحبها من مشكلات، وأيضا ظاهرة الهجرة داخل أقطار العالم العربي، أو إلى خارجها، وتغوص في مسبباتها الاجتماعية والاقتصادية، وتنظر أيضا في المشكلات السياسية التي عصفت بأقطار العروبة، بعد مرور أكثر من ستة عقود على التحرر من الاستعمار، وإظهار مآلات الحكومات التي تولت السلطة في بعض الدول القطرية، وما قامت به نحو شعوبها، ما أوصل مشروع الدول القطرية إلى آفاق مسدودة، نراها جميعا ماثلة، في الأزمات الحادة التي فككت بعض الدول، وانهارت أنظمتها.
كما ينبغي عدم التغاضي عن الحضارات السابقة على الحضارة العربية الإسلامية، خاصة بعد التقدم الكبير في علوم الآثار، وتدوين تاريخ هذه الحضارات، واعتزاز الإنسان العربي بجذور تمتد إلى آلاف السنين، ضمن ما يسمى التنوع التاريخي الحضاري، الذي لا ينفي حضارة أخرى، بل يعتز الفرد العربي بكون الجغرافيا العربية كانت حاضنة لحضارات قديمة زاهرة، مثلما احتضنت الحضارة الإسلامية، وهو ما انعكس إيجابا على توظيف الرواية العربية لأساطير هذه الحضارات، وأيضا على الروايات العربية التي تناولت التاريخ الإسلامي؛ الشخصيات والأحداث، والأمجاد، والصراعات، وهذه روايات وإن كانت تتخذ التاريخ موضوعا، إلا أنها تنظر لإنسان الحاضر، تعزز فيه الانتماء الحضاري، وتعطيه امتدادا تاريخياـ وتستدعي البطولات في أزمنة الانكسارات، والأهم أنها تصوغ التاريخ سردا مشوقا.
كاتب مصري