الرياض رويترز: تفحصت مها مِزيِّد المطبوعات بحثا عن الوظائف المحتملة في بعض من كبريات الشركات بالمملكة العربية السعودية خلال معرض للتوظيف أقيم مؤخرا في الرياض. منذ بضع سنوات كانت مها تقلق بشأن رد فعل الأصدقاء والأبوين الرافض لفكرة عمل شابة في مكتب دون إشراف عائلي، لكن بعثة دراسية في جامعة بريطانية دفعتها الى السعي لأن يكون لها مستقبل مهني. وقالت مها (27 عاما) وهي من المدينة ‘الآن تسافر الكثير من الفتيات الى الخارج للدراسة وتوسيع آفاقهن. حدث تغير كبير في المواقف بين صديقاتي على مدى السنوات الثلاث الماضية’. وتغيرت طريقة تفكير مها بعد أن شاركت في برنامج للمنح الدراسية ترعاه المملكة وتموله وتم إرسال مئات الآلاف من الشبان الى الخارج في إطاره في الأعوام السبعة الماضية لتحسين احتمالات حصولهم على عمل وللإسهام في انفتاح السعودية على العالم. ويحصل المقبولون في برنامج ‘خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله للابتعاث الخارجي’ على راتب شهري. كما تتكفل الحكومة بنفقات اصطحابهم لأسرهم. ويجب أن تسافر النساء اللاتي يحصلن على المنح مع محرم. ويقول جيمس بي سميث السفير الامريكي في الرياض إن في العام الحالي وحدة يدرس نحو 130 الفا في الخارج نصفهم في الولايات المتحدة. والهدف المعلن للبرنامج هو إعداد المواطنين السعوديين ليحلوا محل العاملين المغتربين في وظائف فنية برواتب جيدة في المملكة للحد من البطالة. وقالت صحيفة (اراب نيوز ديلي) في كانون الأول/ديسمبر إن تكلفة هذا البرنامج تجاوزت 20 مليار ريال (5.3 مليار دولار). لكن هناك هدفا ثانويا وهو أن يصبح المجتمع السعودي اكثر انفتاحا، رغم ان السلطات لا تعترف بهذا الهدف علنا. وقالت موضي الخَلَف مديرة الشؤون الاجتماعية والثقافية بالملحقية الثقافية السعودية في واشنطن امام مؤتمر عام 2010 إن طلبة المنح لا يدرسون وحسب وانما يتعرفون على مجتمعات الدول المضيفة و’يكسرون الأنماط ويمدون جسورا’. وأضافت أن الملك عبد الله يريد للشباب السعودي ‘أن يعرف العالم وأن يعرفه العالم’. ويقول أكاديميون سعوديون ومحللون سياسيون واجتماعيون إنه فيما تعود مجموعة من اكثر من 20 سعوديا من الجنسين من نيويورك ولندن وتورونتو وسيدني يتبين أن الاستراتيجية ناجحة. وقال محللون ومشاركون في البرنامج إن ما أحدث فرقا بالفعل هو أن المنح لم تحصل عليها النخبة التي تلقت تعليمها في قطاع التعليم الخاص بالمدن الكبرى وحسب وإنما حصل عليها ايضا شبان متفوقون من البلدات الصغيرة الفقيرة. ويبدو أن هذا يأتي بنتائج جيدة في الولايات المتحدة حيث أصبح الامريكيون حذرين من المملكة بعد هجمات 11 سبتمبر ايلول على نيويورك وواشنطن اذ ان 15 من جملة 19 خاطفا كانوا مواطنين سعوديين. ويمثل الحاصلون على المنح الذين يدرسون بالجامعات في مناطق مختلفة من الولايات المتحدة ثالث اكبر مجموعة من الطلبة الأجانب بعد الصينيين والهنود في جامعات مثل كانساس ستيت. كما أنهم يجذبون الاهتمام. فحين عقدت سعوديات بجامعة مارشال في وست فرجينيا جلسة لشرح السبب وراء ارتدائهن الحجاب اكتظ الاجتماع الأول بالحاضرين الى حد أن المنظمين اضطروا لعقد جلسات اخرى. وفي وقت لاحق نظمت طالبات مسلمات مسرحية هزلية في سكن الطالبات بشأن رد الفعل على حجابهن. وقال كلارك ايجنور المدير التنفيذي لمركز البرامج الدولية بالجامعة ‘كان تعرض طلابنا لهذا التنوع تجربة ثرية’. وأضاف ‘معظم طلابنا (من الامريكيين) طلبة كليات من الجيل الاول ومقابلتهم طلبة من دول اخرى جزء مهم من تعليمهم. إنه يساعد في إعدادهم للعالم الذي سيعيشون ويعملون به’. كانت بعض المنظمات قد انتقدت البرنامج. وقالت جماعات ضغط مثل منظمة مراقبة الحدود الامريكية إنه ينطوي على احتمال ‘إدخال المزيد من الإرهابيين’ الى البلاد ‘التي نشأوا على كراهيتها’. لكن معلمين يعملون مع الطلبة يرفضون هذه المخاوف ويشيرون الى الإجراءات الصارمة التي يمرون بها للحصول على التأشيرات. وقال الان جودمان رئيس معهد التعليم الدولي في نيويورك ‘الطلاب الدوليون الذين يأتون الى امريكا هم على الأرجح اكثر مجموعة ممن يعبرون حدودنا تخضع للفحص والتدقيق’. ومنذ فترة طويلة يتهم مسؤولون إصلاحيون في السعودية نظام التعليم بالتركيز الشديد على التعاليم الدينية وبتدريس التعصب والفشل في إعداد اجيال من الشبان من اجل الاقتصاد الحديث. وقالوا إن بعض الكتب الدينية تتحدث عن إباحة ممارسة العنف ضد غير المسلمين. وأشاروا الى أن اللغات الحديثة والمواد العلمية كانت مهملة. وبعد هجمات 11 سبتمبر والتفجيرات التي تبعتها داخل المملكة طبقت الحكومة إصلاحات. لكن التغييرات لم تحقق نجاحا كاملا في التغلب على مقاومة عنيفة من جانب الموظفين الحكوميين ورجال الدين المحافظين لتصبح الدراسة في الخارج الخيار الأفضل للإصلاحيين الذين يسعون الى تغيير سريع. وندد محافظون ‘بخطر المنح الدراسية’. ونقلت صحيفة الشرق عن الشيخ ناصر العمر قوله في ايار/مايو إنه اذا أدت المنح الدراسية الى غربنة ابناء السعودية فتخيلوا كيف ستغربن بناتها. وقال فيصل قطان (24 عاما) وهو في منحة مدتها ثلاث سنوات لدراسة السياسة العامة والاقتصادية بكلية لندن للاقتصاد ‘أتفهم الخوف. الاستقرار امر يحظى بتقدير في السعودية’ وأضاف أنه حتى المحافظين يميلون الى تخفيف حدة انتقاداتهم بعد أن يستمعوا الى خريجي المنح الدراسية بانفسهم. وليست فكرة الدراسة في الخارج بجديدة على السعوديين. بعد الحرب العالمية الثانية تدفق الطلاب على الولايات المتحدة قادمين من مجتمع بدوي. وتلقى الكثير من كبار رجال الاعمال والاكاديميين والشخصيات الاخرى تعليمهم في مؤسسات غربية. لكن مع تزايد السكان لم يعد باستطاعة احد الدراسة في الخارج سوى الاثرياء. وقال بندر الشوير (29 عاما) وهو مدير تنفيذي بشركة كبرى للاتصالات ‘كانت الاوضاع اكثر تسامحا وتحررا في السبعينات مما اصبحت عليه في التسعينات. أعتقد أنها بدأت تتغير مجددا’. وكان الشوير ضمن اول دفعة من الطلاب تبتعث للخارج في إطار ‘برنامج خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله للابتعاث الخارجي’ عام 2005 وحصل على درجة الماجستير في تكنولوجيا المعلومات من نورث كارولاينا. وقال ‘حين أقارن نفسي بمن لم يدرسوا في الخارج تستطيع ان ترى الفرق.’ وأضاف ‘المسألة لا تتعلق بالحصول على درجات علمية وإنما باكتساب ثقافة وافكار جديدة واساليب حياة جديدة’.