المنسق العام لقوى “14 آذار” سابقاً فارس سعيد: لا يمكن أن يُحكم لبنان بالقهر والفقر ولا أتوقع حرباً بوجود “الجنرال جورج واشنطن”

حاورته: رلى موفّق
حجم الخط
1

لا يُهادن المنسق العام السابق لقوى “الرابع عشر من آذار” سابقاً فارس سعيد في السياسة. شهرَ معارضته بقوة، منذ “التسوية الرئاسية” في العام 2015 التي اعتبرها انتصاراً لإيران في لبنان على حساب انتمائه العربي وعلاقاته مع الغرب، ولا يزال يُواجِه بسقف عال، فيما أصوات “السياديين الآخرين” خافتة. ولا يتوانى عن لوم هؤلاء الذين يساكنون “حزب الله” خوفاً من الكلفة المرتفعة للمواجهة، داعياً إياهم إلى أن يدركوا حقيقة أنهم إذا لم يواجهوا، سيكونون غير موجودين في المدى القريب.

لا يُخفي أننا سنكون أمام أربعة أشهر صعبة جداً، قد نشهد خلالها دورة من العنف، لكنها لن تصل إلى اندلاع حرب، ما دام “الجنرال جورج واشنطن” يجفف مصادر تمويل المنظومة الإيرانية بكل أذرعتها في المنطقة ويلحق بها الهزيمة، معتبراً أن أي تفاوض إيراني-أمريكي قبل أو بعد الانتخابات سيخضع لشروط الولايات المتحدة وليس لشروط إيران. وحتى لو تبدّلت الإدارة الأمريكية، فإن قانون “قيصر” سيبقى ساري المفعول، ولا يمكن شراء الوقت مع الولايات المتحدة.

 ما يقلق مؤسس “المركز اللبناني للبحوث والدراسات” أنه في لحظة انهيار النظام العربي القديم، هناك من يظن بأنه قادر على إعادة تموضع العالم العربي في اتجاهات جديدة، معرباً عن اعتقاده أن قضية العرب الكبرى تخطت فلسطين إلى البحث عن كيفية استعادة الهوية العربية، وإعادة بناء نظام مصلحة عربية مشتركة يتفاهم مع الجميع في المنطقة شرط ألا يكون ضحية ومكاناً لتقاسم المغانم على ثقافته ومصالحه ومستقبله.

وهنا نص الحوار:

*بداية، هل هناك من حرب في المنطقة؟

** لا أعتقد أنه ستكون هناك حرب عسكرية. “الجنرال جورج واشنطن” الذي تضع الولايات المتحدة صورته على عملتها هزم المنظومة الإيرانية بكل أذرعتها في المنطقة. هذا الجنرال هو أهم الجنرالات في العالم، فريد من نوعه ولا مجال لهزيمته، لأنه لا يمكن أن تضعي في مقابله جنرال آخر، ولأن صورته على عملة لا يمكن طباعتها إلا في الولايات المتحدة، ولا يمكن أن نضع له سيارة مفخخة، ولا أن نشن حرباً عليه، تُنتجه وتُحرّكه وتُسوّقه الإدارة الأمريكية، ومن خلاله تقوم بعملية تجفيف لمصادر أموال إيران وأذرعها، بدليل أن هناك تزامناً في مسار الهبوط المريع لسعر صرف الليرة اللبنانية والليرة السورية والتومان الإيراني. هذا يعني أنه لا يمكن الالتفاف عليه، هو ليس عقوبات تطال أفراداً أو شخصيات أو مواد إنتاجية معّينة فقط، بل إجراءات وتدابير تدخل إلى كل منزل في إيران وسوريا ولبنان، وبالتالي تنعكس أيضاً على المنظومات العسكرية التي تدور في فلك إيران.

* ولكن، بدأنا نسمع تهديدات من “حزب الله” بفتح جبهة جنوب لبنان؟

**ليس “حزب الله” الذي يأخذ قرار السلم والحرب، بل إيران. وبالتالي، لا أعتقد أن لها مصلحة في هذه اللحظة بحرب. نحن نعيش مرحلة ما قبل الانتخابات الأمريكية، وإيران لا تُريد التفاوض مع دونالد ترامب المرشّح، فهي تعتبره ضعيفاً ومحاصراً بـ”فيروس كورونا” وجورج فلويد، ومنغمساً في مواجهته مع الصين. وتنتظر نتائج الانتخابات من أجل التكيّف معها. وعلى المقلب الآخر، الإدارة الأمريكية ليس لديها مصلحة في التفاوض مع إيران قبل نتائج الانتخابات الرئاسية. من هنا، سنكون أمام أربعة أشهر صعبة جداً، وصحيح أن لا شيء مستبعداً خلالها، وقد نشهد دورة من العنف، ولكن لا أُرجّح اندلاع حرب لأن النتائج التي يحصدها الجانب الأمريكي من خلال “الجنرال جورج واشنطن” غير مُكلفة على المستوى البشري، وهي نتائج تقدم حلولاً، حتى لو لم تتناسب الساعة الأمريكية مع ساعات المحور الإيراني.

* ترى أن لا مصلحة للطرفين الأمريكي والإيراني بالتفاوض حالياً، لكن البعض لديه قراءة معاكسة بأن إيران تعوّل على ربع الساعة الأخير قبل الانتخابات لتحسين موقعها، برهانها على أن ترامب المرشح قد يكون بحاجة إلى اتفاق ما؟

** هذه وجهة نظر مقبولة جداً، لكن أي تفاوض إيراني – أمريكي، قبل أو بعد الانتخابات، سيخضع لشروط الولايات المتحدة وليس لشروط إيران. على سبيل المثال، قانون “قيصر” صدر عن الكونغرس بتبني الحزبين الجمهوري والديمقراطي، ووقّعه الرئيس. وحتى لو تبدّلت الإدارة الأمريكية، فهذا القانون سيبقى ساري المفعول، ولا يمكن شراء الوقت مع الولايات المتحدة والرهان على “كورونا” وعلى تعثر ترامب، هناك “أمريكا عميقة” تُدير العمليات في المنطقة، وهي أخذت قراراً واضحاً بمحاصرة الأنياب أو الأذرع الإيرانية في المنطقة التي تقوم بعملية إنتاج حالة من عدم الاستقرار في كل أنحاء العالم العربي.

* إلامَ ترمي واشنطن في نهاية المطاف من محاصرة أذرع إيران في المنطقة؟ هل هدفها الوصول إلى نهائية التسوية الإسرائيلية-الفلسطينية لإنهاء الصراع العربي-الإسرائيلي؟

** التسوية في المنطقة تجاوزت الصراع العربي-الإسرائيلي. هذا الصراع مهمّ لجيلنا، أما للأجيال المقبلة في المنطقة فهو عبارة عن “نوستالجيا” سياسية. لقد أضعنا كعرب فرصاً كثيرة للسلام مع إسرائيل وفقاً لشروط مقبولة تحافظ على الحقوق الفلسطينية المشروعة، وعلى الكرامة العربية. لا نزال نعيش تداعيات حرب 1967، في سردية سياسية أننا نخجل من خسارة الحرب، وأن إسرائيل ربحت الحرب ولم تُحسن توظيف هذا الانتصار كمشروع سلام أو مشروع صداقة مع شعوب المنطقة. لكن الأزمات التي تواجهنا وتواجه الأجيال المقبلة، فأتجرّأ على القول إنها ربما أكبر وأهم من قضية فلسطين. الأزمة اليوم هي هوية المنطقة، نحن نرى أن المنطقة تتقاسمها قوى إقليمية غير عربية، وتتصرّف معنا على قاعدة أننا الرجل المريض. هم يتقاسمون العالم العربي الذي انهار مع بداية “الربيع العربي”، تركيا وصلت إلى ليبيا. إيران موجودة في الخليج واليمن والعراق وسوريا وفلسطين ولبنان. الروس موجودون ويتصارعون مع الأتراك على تقاسم الغاز والنفط في المتوسط. معركة ليبيا ليست منفصلة عن النفوذ التجاري والاقتصادي للروس والأتراك. قضية العرب الكبرى اليوم هي كيف نستعيد هذه الهوية العربية، وكيف نعيد بناء نظام مصلحة عربية مشتركة يتفاهم مع الجميع في المنطقة شرط ألا يكون ضحية ومكاناً لتقاسم المغانم على ثقافته ومصالحه ومستقبله.

*في رأيك، هل ما نشهده اليوم يندرج في إطار ترتيب مشروع السلام بما يُعرف بـ”صفقة القرن”؟

** ممكن. “صفقة القرن” هي جزء من إعادة ترتيب المنطقة، لكن ما يُقلقني هو أنه في لحظة الخلل العالمي الذي حصل نتيجة “كورونا” وفي لحظة انهيار النظام العربي القديم، هناك من يظن بأنه قادر على إعادة تموضع العالم العربي في اتجاهات جديدة. هناك مَن يتكلم، في ظل غياب المشروع العربي الجامع، عن مشرقية مُنسحبة من العالم العربي والعروبة، وهذا كلام غير واقعي. يصل الجنون في العقل الخيالي الأيديولوجي لبعض المجموعات إلى حد الاعتقاد بأنهم قادرون على سلخ لبنان عن عروبته ووضعه في مشرقية قد تصل حتى الصين. هناك مشاريع أخرى على قاعدة: هل الإسلام هو الحل في المنطقة؟ هل نستبدل النظام العربي القديم، بنظام ما يسمى الإسلام الديمقراطي، يعني جماعة الإخوان؟ هناك مشروع آخر له علاقة بأن الجيش هو الحل، تقوده مصر في هذه المرحلة. إذن نحن في مرحلة شديدة التعقيد، وهي مرحلة انتقالية، القديم انهار وانتهى، والجديد لم نتلمّس معالمه حتى هذه اللحظة، وهذه المرحلة الانتقالية، إذا دامت لسنوات ستنهار معها المنظومات القديمة، التي لا تزال قائمة وستدفع الشعوب ثمن هذا الانتقال. لكن بلا شك نحن ذاهبون إلى مرحلة أفضل مع إعادة تشكيل المنطقة، المطلوب فقط من النخب العربية، أكانت لبنانية أم غير لبنانية، أن تلتقي حول عروبة جديدة تتّسع للجميع، وتحافظ على هويتنا وعلى مصالحنا، وتنسج المصلحة العربية بالتكامل والتضامن مع مصلحة المجتمع الدولي.

* لبنان يعيش مأزقاً كبيراً، بين أزمة مالية-نقدية مسدودة الأفق بوجود منظومة تريد الالتفاف على الإصلاح، وأزمة سياسية مقفلة أيضاً مع هيمنة “حزب الله”، فيما قوى “14 آذار” سابقاً في حال انتظار. برأيك، كمنسق عام سابق لقوى “14 آذار” هل يمكن استعادة المشروع السيادي؟

** القوى التي كانت تنضوي تحت لواء “14 آذار” تأثرت كثيراً لأنها فكَّرت بعقلية السياسة المحلية، بينما الخصم كان يرى الأمور عبر المجهر، أي استراتيجياً. “حزب الله” ذهب إلى معادلات إقليمية وربما دولية مستغلاً انهيار النظام العربي واندفاعة إيران في المنطقة، كما اندفاعة قوى أخرى غير عربية مثل روسيا وإسرائيل وتركيا. هذه “المحلية” لا تزال تتحكّم بالقوى السياسية التي كانت موجودة في إطار “14 اذار”.

* التفكير بعقلية “المحلي” هي لتأمين مصالح ذاتية أم لضرورات البقاء؟

**أعتقد أنها هروب من الواقع، وخطأ سياسي، عندما تواجهين خصماً بحجم “حزب الله”، لا يمكن التفكير بـ”المحلي” هذا شكل من أشكال الهروب من المشكلة. قالوا لنا إنهم ذهبوا بالتسوية مع “الحزب” على قاعدة: نعطي “الحزب” ما يريده في السياسة، لنأخذ في المقابل استقراراً في البلد، على قاعدة توفير كهرباء وماء ومدرسة ومستشفى وجامعة. أَعطينا الحزب ما يريده في السياسة، أي رئيس جمهورية كما يريد، وإطاحة فعلية بالدستور، ومزيد من الصلاحيات لهذا وذاك وفقاً لولائه لسلاح “حزب الله”، وقانون انتخاب فرز اللبنانيين على قواعد طائفية لا مدنية، بحيث للمرة الأولى في تاريخ لبنان المعاصر، انتخب المسيحيون المسيحيين، وانتخب المسلمون المسلمين. ورغم كل هذا، لم نحصل على ماء وكهرباء ومستشفى وجامعة ومصرف، بل على العكس انهار كل شيء عندما سلمنا أوراقنا لـ”الحزب” الذي أخذنا رهينة من أجل تحسين ظروف مفاوضات إيران مع الولايات المتحدة.

أنا أخشى أن تكون “المحلية” لا تزال تتحكّم بعقول البعض خشية من الاصطدام والمواجهة، نتكلم عن الفساد وسياسة المصارف وحاكمية مصرف لبنان، وعن معابر التهريب التجارية بين لبنان وسوريا، ولا نتكلم عن المعابر غير الشرعية الأمنية والعسكرية والاستراتيجية. نتكلم عن كل شيء إلا عن سلاح “حزب الله”، ولا نربط الأزمة المالية الاقتصادية اللبنانية بأزمة سلاحه. رؤساء الحكومات السابقون الأربعة الذين يُمثلون العمود الفقري الحقيقي لرفع وصاية إيران عن لبنان لا يزال أدبهم السياسي ناعماً، بمعنى أن خطابهم يرتكز على أن يواجهوا ميشال عون ولا يواجهوا سلاح “حزب الله” هذا كلام لن يؤدي إلى أي نتيجة، وبالتالي لن يُخرجنا من هذه “المحلية” القاتلة التي نمارسها منذ 2015.

* ما المطلوب من قوى “14 آذار” سابقاً؟

** إذا أردنا استعادة صداقة الخليج والعالم العربي والنخب السياسية العربية، فعلينا الخروج من محلياتنا السياسية، وصياغة مشروع مع العالم العربي، لإعادة ابتكار نظام عربي جديد، أي أن يساهم اللبنانيون في ابتكار نظام عربي جديد مع عروبة تتّسع للجميع، مع دول مدنية في كل أنحاء العالم العربي، علينا أن نخرج من هذه “المحلية” القاتلة. عندما واجه كمال جنبلاط نظاماً مَنعه من الوصول إلى سدّة رئاسة الجمهورية لأنه من مذهب معين، لم يتصرّف كدرزي، بل ذهب إلى فضاء أوسع، تصرّف كعربي وكيساري وكأممي، وبالتالي من خلال “تكبير الحجر”، جلس إلى طاولة الكبار في المفاوضات الداخلية اللبنانية-اللبنانية، ولكنه استشهد وقُتل وانتهى هذا المشروع. الدعوة إلى هذه القوى، ليس الانسحاب كما هو الحال، والاكتفاء بتوصيف يتجنّب موضوع السلاح غير الشرعي. علينا أن نخرج من هذه المحلية، وأن ننخرط في مشروع نهضوي حقيقي في المنطقة لمواجهة هذا التقاسم للهوية العربية من قبل مراكز النفوذ الإقليمية.

* قد لا تختلف قراءتهم كثيراً عن قراءتك، لكن كلفة هذا الخيار بنظرهم قد تكون كبيرة وتزيد من الأكلاف التي دفعوها سابقاً، وفقاً لسردية أن فارس سعيد يستطيع رفع الصوت عالياً، لأن الأثمان عليه أقل كلفة مما هي على القوى السياسية الوازنة التي قد يأتي الثمن على جمهورها وناسها كبيراً؟

** مع تقديري لهذه القامات الوطنية الكبرى، إنما إذا لم يتبنوا مسؤولية رفع وصاية إيران عن لبنان، فلماذا نحن بحاجة للالتحاق بهم، يعني إذا كانت مشاريعهم عبارة عن مشاريع سياسية محلية، فهناك سياسيون محليون أفضل منهم. انخراطنا جميعاً في “14 آذار” كان من أجل قضية وطنية كبرى، اسمها إخراج الجيش السوري من لبنان، وتأمين استقلال وحرية هذا البلد، واليوم إذا أردنا إعادة تجميع هذه القوى السيادية فلا يمكن أن يتم ذلك إلا على هذه القاعدة. مَن نواجهه اليوم هو الذي يؤذي الشخصية اللبنانية ويستخدمنا كرهائن من أجل تحسين ظروف مفاوضاته ولا يتكلم بلغة محلية. على هذه القامات الوطنية الكبرى، التي تقول بأن الكلفة عليها كبيرة إذا واجهت، أن تدرك حقيقة أنها إذا لم تُواجه، ستكون غير موجودة في المدى القريب.

*ثمّة من يعتقد أن مسألة إخراج الجيش السوري ومنظمة التحرير الفلسطينية تختلف عن المواجهة مع “حزب الله” الذي نسيجه لبناني رغم أن مشروعه السياسي وعقيدته مرتبطة بولاية الفقيه؟

** لا، منظمة التحرير لم تكن منفصلة عن النسيج الداخلي اللبناني، كمال جنبلاط الذي دافع عن السلاح الفلسطيني في لبنان، لم يكن فلسطينياً، محسن إبراهيم لم يكن فلسطينياً، القوى اللبنانية التي تكوكبت حول منظمة التحرير واعتبرت أن هناك مصالح مشتركة لم تكن قوى غير لبنانية، وعندما انهزمت منظمة التحرير انهزموا معها، وبالتالي هذا الوصف غير دقيق. كما أن القوات السورية في لبنان لم تكن يتيمة، كانت هناك شريحة واسعة من اللبنانيين تعاملت معها. حين خضنا الانتخابات النيابية الفرعية في العام 2002 بين “لقاء قرنة شهوان” (المناهض للوجود السوري) من جهة ومرشحين مدعومين من بشار الأسد من جهة أخرى، فزنا بفارق ثلاثة أصوات. هذا معناه أن نصف المتن الشمالي – وهي منطقة مسيحية بامتياز – صوتت لصالح بقاء الجيش السوري في لبنان، وأن السلاح السوري كان يتمتع بغطاء لبناني.

سلاح “حزب الله” هو سلاح إيراني وليس سلاحاً لبنانياً، حتى لو حمله لبنانيون، المهم مَن يملك الإمرة على هذا السلاح، هل الإمرة لبنانية؟ أبداً هي إمرة ايرانية. اعتراضنا أولاً على وجود هذا السلاح وثانياً على إمرة هذا السلاح. لو كانت الإمرة بيد حسن نصر الله لما سمعناه يقول “لو كنت أعلم” ولكان فكّر ملياً قبل دخوله المستنقع السوري، لأنه يدرك أن إلصاق طائفته بالنظام المجرم في سوريا سيرتد عليه وعلى طائفته لأجيال مقبلة، إذن هذا السلاح بمنزلة السلاح السوري والفلسطيني، ومن الطبيعي أن تكون هناك شرائح لبنانية تدعمه.

* ما الفارق بين مشهد اليوم ومشهد العام 2005؟

** في الـ2005 كانت هناك جهوزية داخلية تلاقت مع الجهوزية الخارجية، اليوم ليس هناك من جهوزية داخلية على قاعدة الوحدة الوطنية.

* هذه الجهوزية التي تتحدث عنها لم تُتح لأكثرية “14 آذار” أن تحكم، فما الذي سيتغيّر؟

** لم تملك قوى “14 آذار” الأكثرية يوماً بذهنية الأكثرية. مَلكنا الأكثرية، وذهبنا إلى التسويات لأننا خفنا من الاصطدام مع “حزب الله”. أردنا الشيء ونقيضه، أي الدخول إلى السلطة والشراكة مع الآخرين ونحن ندرك أن الكراسي للبنانيين بينما النفوذ لـ”حزب الله”. أنا مع أن يتسلّم “حزب الله” السلطة في لبنان بشكل كامل، وأن يفاوض الشيخ نبيل قاووق صندوق النقد الدولي، وأن يفاوض السيد عمار الموسوي الاتحاد الأوروبي، وأن يذهب الشيخ نعيم قاسم إلى الأمم المتحدة، والسيد حسن نصر الله إلى مجلس التعاون الخليجي. لا أريد المساكنة معه، فليستلم إدارة البلد. هو غير قادر على إدارة دولة، هو قادر على تنظيم ميليشيا مسلحة، وعلى خلق حالة من عدم الاستقرار. لنعطِ الكراسي والنفوذ لحزب الله، وننتقل إلى معارضة بناءة، وعندها دوائر القرار العربية والخليجية ستتكلم معنا وسنُعيد إنتاج ما انتجناه في العام 2005، أي التكامل بين الجهوزية الداخلية والجهوزية الخارجية.

* في رأيك هل تَلاقي الجهوزيتين الداخلية والخارجية هذه المرّة يمكن أن يدفع “حزب الله” إلى التخلي عن مشروعه؟

** لا شيء سيُقنعه بذلك. اليوم إذا ذهبنا لحسن نصر الله وقلنا له أن لبنان لا يمكن أن يكون رهينة في يد إيران، سينظر إلينا ويقول لنا أنتم عملاء إسرائيل. لبنان لا يتحمّل المشاريع الكبرى، لم يتحمّل أن يكون أرض انطلاق للفدائيين، ولم يتحمل السلام المنفرد مع إسرائيل، ولن يتحمل أن يكون مخفراً متقدماً لإيران على البحر المتوسط.

* إذن، نحن ننتظر هزيمة هذا المشروع لتُبدّل الواقع؟

** لا ننتظر شيئاً، نحن هُزمنا كـ14 آذار عندما فرّطنا في وحدتنا الداخلية الإسلامية-المسيحية، وانفراط الوحدة الداخلية اللبنانية فوَّت على لبنان فرصة إعادة تكوين هذه الجهوزية الداخلية التي يجب أن تتكامل مع الجهوزية الخارجية. “الجنرال جورج واشنطن” -أي الدولار-هو الذي سيوحّد الجميع على قراءة سياسية واحدة، لذلك أعتقد أن الجهوزية المقبلة لن تكون جهوزية سياسية بل ستكون جهوزية رجال أعمال، جهوزية مشغلي القطاعات، الذين ينهارون الواحد تلو الآخر، هؤلاء مسؤولون عن 400 ألف وظيفة في لبنان، وبالتالي انهيارهم هو انهيار الطبقة الوسطى في لبنان. أنا ابن منطقة ريفية وأزور الناس في قراهم ومناطقهم، اليوم في المناطق المسيحية الفقيرة يجهدون حتى يشتروا عقارات في قبرص واليونان، وهناك انتظار هائل للشباب المسيحي وغير المسيحي لمغادرة لبنان فور فتح الأجواء الجوية العالمية، لكن هذا الجوع لن يؤدي بنا إلى فوضى. الكلام عن حرب أهلية في لبنان هو كلام سخيف، في العام 1914 جاع جبل لبنان، لكن التاريخ لم يذكر أن جندياً عثمانياً واحداً طُعن بسبب الجوع.

  ماذا يمكن أن يكون عليه لبنان مستقبلاً؟

** لا أحد يربح في لبنان، ولا أحد يخسر. عندما قتلوا كمال جنبلاط لم تربح “الجبهة اللبنانية”، وعندما قتلوا بشير الجميل لم تربح “الحركة الوطنية”. انهيار “حزب الله” الحتمي بتأثير “الجنرال جورج واشنطن” سيكون عليه وعلى سوريا وعلى إيران. الذي يجب أن يربح هي فكرة التماسك الداخلي اللبناني-اللبناني، وفكرة لبنان العيش المشترك، وفكرة لبنان المساهم مع النخب العربية لإعادة تكوين وإنتاج عالم عربي أكثر إنسانية.

لا يمكن لأي مجموعة في لبنان، مهما علا شأنها، أن تحكم لبنان، كمال جنبلاط وبشير الجميل فشلا في فرض وجهة نظرهما على جميع اللبنانيين، وحسن نصر الله وعلي خامنئي سيفشلان حتماً في ذلك أيضاً. فحتى لو عانى اللبنانيون وهاجر بعضهم سيبقى ما يكفي من أجل إعادة تكوين المصلحة اللبنانية الصافية. هناك من ينظر إلى التحوّل الديموغرافي كمصدر قلق، أما أنا فأراه مناسبة حقيقية لطرح الدولة المدنية التي نتجاوز من خلالها عملية العدّ وعملية التوزيع الطائفي لمناصب الدولة. والدولة المدنية موجودة وبند أساسي في اتفاق الطائف.

* هل يمكن للوضع في لبنان أن ينتظر إلى تشرين الأول/نوفمبر ما دام الكل يسير على ساعة الانتخابات الأمريكية، فاللبنانيون خائفون من الجوع؟

** يصعب التنبؤ ما إذا كان اللبنانيون سيصمدون حتى الانتخابات الأمريكية، أم لا، لأننا بدأنا نرى علامات حقيقية للتعب اللبناني. فهناك فنادق ومدارس ومستشفيات بدأت بالإقفال، وهناك قطاعات توظف الآلاف بدأت بالانهيار. نحن نتكلم عن فقدان 400 ألف لبناني في القطاع الخاص لأعمالهم حتى أيلول أو تشرين المقبل، ناهيك عما سنشهده من أزمة محروقات وطحين وكهرباء.

 إذا أراد السيد حسن نصر الله الذهاب بنا إلى الصين فنحن على كامل الاستعداد للذهاب معه إلى هناك، وأن نترك الولايات المتحدة شرط أن يُعيد سعر صرف الدولار إلى 1500 ليرة، أما إذا أخذنا إلى الصين وأصبح الدولار بمئة ألف ليرة، عندها عليه أن يأتي معنا إلى الدستور والطائف وتنفيذ قرارات الشرعية الدولية. لا يمكن أن يُحكم لبنان بالقهر والفقر، فإما القهر أو الفقر. هو يقهر لبنان لأنه يسلبه من محيطه العربي، ويضعه في مشرقية مُلتبسة. يقهر لبنان لأنه نسف علاقاته مع الخليج ومع المجتمع الدولي. يقهر لبنان لأنه مسبب رئيسي لهذه الأزمة الاقتصادية والمالية ولأنه أطاح بالقطاع المصرفي والسياحي والتعليمي، والفقر الذي يُعانيه اللبنانيون اليوم مرتبط ارتباطاً وثيقاً بهذا السلاح، بمعنى أن لا حل لأزمة ودائع اللبنانيين لدى المصارف إلا مقابل أن يُسلّم “حزب الله” سلاحه للدولة اللبنانية. لماذا؟ لأنه لن يأتي فلس واحد من الخليج أو من دوائر القرار الخارجية، طالما أن إيران وحزب الله يتحكمان بالمشهد الداخلي اللبناني.

اللوم يقع على القوى السياسية “السيادية”، لأنه عليها أن تقول لنصر الله إن هذا البلد لم يُولد من رحم حزبك، لبنان كان قائماً قبل “حزب الله وسيكون موجوداً بعد. لن يتمكن خطاب “حزب الله” ومعه عهد ميشال عون من سلخ لبنان عن تاريخه وموقعه ودوره الثقافي الريادي العربي وعلاقته مع الغرب، ومن إعادة تموضعه السياسي والاقتصادي والاستراتيجي. “وثيقة الوفاق الوطني” وضعت حداً لإشكاليات تاريخية في لبنان، فبموجبها أقرّ المسلمون كتابة للمرة الأولى بنهائية الكيان اللبناني، وأقرّ المسيحيون كتابة للمرة الأولى بهوية لبنان العربية وانتمائه إلى العالم العربي، فإذا تكلمنا اليوم عن “مشرقية غير عربية” فنحن نتكلم عن نسف العقد الاجتماعي الذي توصل إليه اللبنانيون بعد 120 ألف قتيل.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية