المنسي ذاكرة في الحاضر للطيب صالح:
عمل ادبي تتمازج السيرة الذاتية فيه لتفصح عن البيئة وتعري الذات المنسي يحقق انتصارات ويصاب بانكسارات تدخله في قلب العالم المنسي ذاكرة في الحاضر للطيب صالح:محمد زكريا السقال المنسي عمل أدبي للطيب صالح صدر عن دار الريس للنشر عام 2004، هو سرد يتناول الذاكرة والسيرة الذاتية. يلقي الضوء علي مرحلة من حياة الكاتب، عبر شخصية تمتاز بالملاحة والظرف وهو المنسي أو الدكتور مكايل أو لا هم، فبطل العمل حالة ذات تتميز، تتفرد وتتعمم. بذلك تكون أمام نموذج للشخصية العربية في محاولة للالمام بها من جميع جوانبها وفي سياق ظروفها.الطيب صالح، القامة الروائية العربية العالية، صاحب موسم الهجرة الي الشمال و دومة ود حامد و ضو البيت و عرس الزين ، لا يقدم عملا روائياً في المنسي ، بل يقدم سرداً قصصياً جميلاً يتناول فيه نموذجا للشخصية العربية باعتبارها ذاتا تتفاعل مع واقعها المليء بالتعقيدات والهزائم، شخصية تتميز بالقدرة علي الشطارة والقدرة علي الأونطة، بعدم الجاهزية وانتفاء التخطيط. المنسي يُقدم علي الوقائع التي تواجهه معتمدا علي الفهلوية وسياسة الحلبسة كما يطلق عليها المنسي بطل الرواية. يحقق المنسي انتصارات بهذه السياسة ويصاب بانكسارات، تدخله في القضايا العامة وتجعله يخوض مواجهات في الندوات ومحافل الحوار من علي منابر مهمة، ومحطات ذات قيمة في المجتمع الدولي. فينقض ليدافع. يبرع ببعض القضايا لكنه لا يراكم، وينهزم بكثير من الأحيان، لكنه لا يعتبر. ورغم ذلك يمتلك القدرة علي الابحار بنفس العقلية والحيوية والنشاط. الدين حالة تفاعل إيجابي للتعايش والتفاعل. لا فوارق تبرز في هذا التعايش بل حالة من التماهي التام. قد يكون المنفي ؟ الغربة ؟ فليس هناك حالة نفي في الرواية إلا إذا لعب المكان والثقافة محورا في تجسيد دوائر للنفي السيكولوجي بمعني الشعور الباطني بعدم الاندماج في الجديد. وهذه لا تبرز لدي المنسي، بل علي العكس فهو مغرق بحالة الاندماج، حالة تتجلي في الندية بالتصدي للآخر، إلا ان هذه الندية خليط من الادعاء وشعور خفي بالدونية. تتجسد هذه الحالة بارتداء الأقنعة. أقنعة كثيرة، لا تبدأ بالتظاهر الخارجي علي شكل اللباس، ولا تنتهي بالمعرفة السطحية كأن يردد أسماء المشاهير وأسماء كتبهم. المسيحي يتحول لداعية اسلامي، والمنسي…ليس انتهازيا. المنسي…حالة الشعور البيئي المشبع بالذاكرة المبنية علي التفاعل والتعايش، وهذا يبرز في المنفي دائما. فالعرب يتفاعلون مع بعضهم بحميمية ظاهرة، حميمية ترجع الدين للماوراء تلغيه وتهمله، بانتظار بيئته وثقافته. المنسي هنا إسراف في التوغل بالحياة لاثبات الذات بالفطرة الغير متساوقة مع العصر، لذا فهي تتطاول وتتداخل بعفوية تامة، لا تعبأ كثيراً عندما ينكشف زيفها ولا تتردد من المغامرة ثانية وثالثة.الكاتب هنا منحاز للمنسي منحاز للانسان في المنسي، للقدرة علي الحياة والغرف منها. منحاز لتبسيط الأمور لدي بطله، حيث يدرك تماما الجوهر الكامن فيه. يتسامح معه رغم شدة المقالب والاحراجات التي يوقعه فيها، يحنق عليه ويثور إلا أنه لا يفتأ أن يغفر له ويدخل بالدور الذي يرسمه المنسي له ليلعبه راضياً راضخاً ومندمجاً. حالة الغضب والحنق تذوب وتتلاشي مع أول محطة يجلسان بها ويتناولان طعاما أو شرابا.ما المميز في هذه الشخصية التي لازمت كاتبنا الطيب صالح ؟ ولماذا سكنت الطيب وألحت عليه وشكلت له قلق الكتابة؟لا شك ان الطيب صالح مشغول بشخصية المنسي، ولكنه مسكون أيضا بالعام فيها، العام الذي يؤرخ للزمن وللسياق الذي تشغله الشخصيات. فالبطلان يواكبان النهوض القومي ونكسة حزيران (يونيو) وأحداث لبنان من زاوية الاعلام، فالشخصيتان تعملان لمحطة اذاعية بريطانية، وتتفاعلان مع الخارج ونظرته للداخل، والداخل وتصديه لقضاياه. الطيب صالح لا يقدم هنا زوربا عربيا، بقدر ما يقدم عقلية، تتعامل بالشطارة والفهلوة في التعبير عن وجودها، بتبسيط الأمور، بالقفز عن الواقع، بالتطفل علي الموضوعي المحكوم بالقوة. القوة التي تحدد تجاوز الواقع، ثورة العقل وتطور الصناعة والسيطرة علي الطبيعة وتسخيرها. كل هذا امام الحلبسة. سياسة الحلبسة العربية، التعبير المحبب لبطل الطيب صالح، ثقافة مبنية علي التسلق والقفز الغير متسق والغير عقلاني، قد تصل إلا أنها لا تنجز أثراً. المنسي ينتهي كأي برجوازي طفيلي، يمتلك مزارع وشركات في امريكا ولندن. لكنه ذو جذور من قش في منطقته. روح المرح والتفاعل مع الأصدقاء والطيب صالح منهم، وقد أكون أنا منهم وغيري ممن يعيشون المنفي. وقد يكون أكثر من منسي في دوائرنا. منسي نأنس له ونتفاعل معه ونحن إليه، ولكنه لا ينقذ دارفور، ولا يوصل طريقاً حراً وكريماً إلي دمشق.قد اكون حملت رواية الطيب صالح اكثر مما ينبغي، وقد اكون قوّلته ما لا يريد، والطيب صالح له في نفسي ووجداني الكثير. وكم فرحت عندما التقيته في احدي الأماسي ببرلين، ممتنا بذلك لصديقي الطيب الذي أحب، الدكتور حامد فضل الله، الذي عرفني علي الكثير من السودانيين الطيبين. أقول قد أكون حملت العمل قراءة قد لا تكون في وارد الطيب، إلا ان الأعمال الأدبية الممتازة هي التي تحمل اكثر من تأويل وأكثر من اجتهاد، وعمله المميز موسم الهجرة الي الشمال ما زال في متناول البحث والنقد والسبر وهذا ما جعلني أتجرأ في تناول المنسي. عودنا الطيب صالح علي ادخال أسلوبه السلس الصافي المتسق مع الحدث بجمالية في سبك الفكرة، فأنت لا تقف علي الكلمة بقدر ما تنساق مع الحدث، وبذلك تكون الصياغة عملا تناسبيا معجونا بروح الحدث.وبهذا يبقي عمل المنسي للطيب صالح من الأعمال الجميلة، تتمازج السيرة الذاتية فيه مع إفصاحها عن البيئة وتعرية الذات من أجل الالتصاق بالآخر والدخول إليه، قدمها الطيب صالح لنا بجهد مبذول وبسلاسة عالية وانسجام في الفكرة والأسلوب. وبالتأكيد وكما في كل كتابات الطيب صالح، تغادرها وتبقي آثار المتعة ملتصقة بخلاياك منها، تفاجأ بالبساطة لكنها تدخلك الي العميق العميق. حقيقة كم من مرة راودتني بعض التفاصيل وضحكت في سري وشاهدت هذا المنسي يتجسد بكثير من الشخصيات التي حولي وبي في بعض الأحيان. لذا وكي أصل وتصل أنت الي نتيجة لابد من قراءة العمل ثانية وثالثة للاحاطة به.الطيب صالح المنسي الصادر عن دار الريسبيروت/ 2004 ہ كاتب عربي يقيم في برلين7