إنتخب المجلس التأسيسي في تونس رئيسا للبلاد هو الدكتور والحقوقي محمد المنصف المرزوقي، إلى هنا يبدو الخبر عاديا ومعروفا لكن ما يلفت الإنتباه وما يستحق وقفة تأمل هو عدة رسائل قد لا يدرك كنهها إلا القلّة من خلال الخطاب الذي ألقاه الدكتور المرزوقي بعد آدائه لليمين الدّستورية:1- الرّجل من خلال تعمّده إرتداء اللباس التقليدي لأبناء قبيلته ‘المرازيق’ وأيضا تخليه عن ربطة العنق التي يرتديها حكامنا عادة، يوجه رسائل مشفّرة إلى أطراف يعتقد جازما أنها ستفكّ شفرتها وأول هذه الأطراف هم الذين تهكّموا من شكله ومن نظّاراته ونسوا أنّ الرّجل طبيب ومفكّر وحقوقي ناضل ضدّ الإستبداد وبشّر بنهايته في أوج قوة الإستبداد لدرجة جعلت الكثيرين يشبّهونه بـ’دون كيشوت’، وكأنّه أراد أن يقول ‘لا تقدّسوا ربطة العنق التي إرتداها الحكّام واختنقت بها الشعوب، لا تستغربوا من شكل هذا البدويّ الذي لا يختلف عنكم إلا بسمرته، أرجو أن تتخلّصوا من البروتوكول الشوفيني الذي ألفتموه فكان حاجزا بينكم وبين الحقيقة’.2- الرّجل عنيد في الإستفزاز، لا يرضخ للتّهكم ولا ينساق مع الملاحظات التي لا تدرك الجوهر لذلك فهو يجيب عن كل ‘القشوريّين’ بحركة أو بجملة ستثير بالضرورة تساؤلات وجدانية لديهم وقد تجعلهم يراجعون آرائهم التي إعتمدت على مقياس نمطي لا يقيم للكفاءة وزنا.3- المرزوقي في خطابه عقّب وتحفظ بطريقة المفكّرين والمختصّين في تفسير ما تفرزه نظرية ‘التّداعي الحرّ’، على الأوراق البيضاء التي أراد واضعوها في صندوق الإنتخاب أن يتشبّثوا بعدم إعترافهم به وبالإجراءات التي أوصلته إلى تلك المرتبة وكأنّهم يستخسرون فيه حتّى التّصويت بـ ‘لا’، فأجابهم شكلا ومضمونا، وكأنه يقول ‘هكذا أنا، بدوي اللون والقشرة ولكنّي أؤمن بالقيم الجميلة للحداثة التي لا يقتصرتعريفها على الشكل أو المظهر بل هي أعمق بكثير مما تعتقدون فهي قيم وأخلاق وضمير،لذلك دعوا عنكم هذه النّمطية العقيمة التي خدعتكم لعقود وأقيموا حكمكم على الإنسان في معناه الحقيقي’.4- أما على مستوى خطابه فقد كان غير مألوف بكل المقاييس تتراوح لهجته بين اللين والشّدة، حيث أنّه يدعو المعارضة أن تكون ‘جزءا من الحلّ لا جزءا من المشكل’ وهي جمــلة ليست بالبسيطة أو الهينة تحتمل التأويل على عدة مستويات فهي تنطوي على دعوة للمشاركة الحقيقية في البناء المشترك وكذلك فهي إتهام بالتّعطيل والعرقلة الذي ينتظر التأكيد بالإعراض أو التّفنيد بالقبول، قد يرى الكثيرون في هذا الرأي تحاملا على طرف ومحاباة لآخر ولكنّه يبقى نظرة محايدة أخذت بوسائل تحليل مستقاة من ميراث إبن خلدون وفرويد أيضا. فرحات الطّويل – تطاوين تونس