المنطقة الآمنة في سوريا… هل تكون الاختبار الأخير للعلاقات التركية ـ الأمريكية؟

إسماعيل جمال
حجم الخط
0

إسطنبول – «القدس العربي»: كانت الأزمة السورية بمثابة أكبر اختبار تاريخي للعلاقات التركية الأمريكية التي شهدت تراجعاً غير مسبوق بفعل خلافات متراكمة تصاعدت على مدى 7 سنوات من عمر الأزمة السورية وفجرت خلافات حادة بين الحليفين في شمال الأطلسي «الناتو» على المستويات السياسية والعسكرية والاقتصادية.
وكان دعم واشنطن لوحدات حماية الشعب الكردية سياسياً وعسكرياً هو العنوان الأبرز للخلاف بين البلدين، حيث قدمت تركيا نفسها حليفاً أساسياً لواشنطن لتنفيذ أجندة مشتركة في سوريا، لكن إدارة الرئيس باراك أوباما اختارت التحالف مع الوحدات الكردية، وهي خطوة اعتبرتها أنقرة تتنافى تماماً مع التحالف «الاستراتيجي» القائم بين البلدين.
وبعد أن كان الدعم الأمريكي للوحدات الكردية محدوداً بحجة الحرب على تنظيم «الدولة»، توسع تدريجياً ليشمل حسب أنقرة مد التنظيم بآلاف الشاحنات والطائرات المحملة بكافة أنواع الأسلحة المتطورة ما مكن التنظيم من السيطرة على مساحات شاسعة من الحدود السورية مع تركيا وهو ما اعتبرته تركيا التهديد الأعظم في تاريخها فيما يتعلق بإمكانية قيام كيان انفصالي كردي على حدودها وهو ما زال يعتبر بمثابة «الخطر الاستراتيجي الأكبر» على أمنها القومي.
وعلى مدى السنوات الماضية، شهدت العلاقات التركية – الأمريكية موجات مختلفة من التصعيد والاحتواء وتحسين العلاقات وسط تذبذب واضح في الموقف الأمريكي الذي كان يتغير كل أشهر أو أسابيع إلى أن وصل هذا التقلب بأن يهدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بـ«تدمير الاقتصاد التركي» في الصباح، ويتفق في المساء مع نظيره التركي رجب طيب أردوغان على «رفع مستوى التبادل التجاري لأعلى مستوى بين البلدين».
لكن التقلب في تحسن وتراجع العلاقات، لا ينفي الحقيقة الأوسع بأن العلاقات التاريخية بين الحليفين اللذين يمتلكان أكبر جيشين في حلف شمال الأطلسي وصلت لمستوى تاريخي غير مسبوق من التراجع وسط خلافات جوهرية دفعت أنقرة للتفكير جدياً بالبحث عن حلفاء جدد، وهو ما ظهر بشكل جلي في السنوات الأخيرة على شكل تقارب تاريخي مع روسيا بدأ اقتصادياً وتوسع للتعاون في ملف الأزمة السورية سياسياً وعسكرياً وصولاً للجوانب الاستراتيجية من خلال شراء أسلحة روسية متطورة أبرزها منظومة الدفاع الجوي والصاروخي إس 400 بديلاً عن نظام «باتريوت» الأمريكي.
التلويح التركي بالابتعاد أكثر عن الناتو وواشنطن والتقارب أكثر مع موسكو نجح أكثر من مرة في السنوات الماضية بتشكيل ضغط على صناع القرار في الولايات المتحدة واجبرهم على محاولة استرضاء تركيا والتأكيد على التحالف بين البلدين عبر خطوات سياسية وعسكرية واقتصادية مختلفة لكن وعلى الدوام سرعان ما انهارت هذه المبادرات بفعل الإصرار الأمريكي على استمرار التعاون مع تنظيم «ب ي د» في سوريا والذي تعتبره تركيا امتداداً لتنظيم بي كا كا «الإرهابي». وقدمت واشنطن على مدار السنوات الماضية سلسلة مبادرات لتهدئة مخاوف تركيا بشأن هذه العلاقة كان أبرزها باستعادة الأسلحة التي سيتم تقديمها للتنظيم ومراقبة تحركاته ومنع التنظيم من تشكيل تهديد على الأراضي التركية وفصل العناصر المرتبة بتنظيم «بي كا كا» وسحب عناصر التنظيم من مدينة منبج وغيرها الكثير من الوعود التي اعتبرتها تركيا جميعها «كاذبة وخداعة ومجرد وعود هدفها المماطلة وإلهاء تركيا لكسب الوقت وفرض أمر واقع جديد».
وكما جرى في جميع الوعود السابقة، وبعد أن قامت تركيا بأكبر عملية تحشيد ونقل للقوات في تاريخها باتجاه الحدود السورية وأعلنت نيتها عن القيام بعملية عسكرية ضخمة ضد الوحدات الكردية في منبج وشرقي نهر الفرات، فجر ترامب قنبلة الانسحاب من سوريا قبل أن يعلن عن اقتراح إقامة منطقة آمنة لم يكشف أي شيء عن تفاصيلها سوى أنها ستكون بعمق 20 ميلاً. ورغم عدم تنفيذ أي من الوعود أو المقترحات السابقة من قبل إدارتي أوباما وترامب إلا أن أنقرة فضلت كالعادة الانتظار وتأجيل تحركها العسكري لاختبار النوايا الأمريكية ومعرفة ما إن كانت سوف تتحول هذه المقترحات إلى اتفاق واضح يتم تنفيذه على أرض الوقع قبل أن تحكم على هذه الخطوة التي لا يبدو أنها تختلف عن سابقاتها حتى الآن وذلك في ظل الاختلاف الكبير في التفسيرات التركية والأمريكية للمنطقة الآمنة من حيث المساحة والامتداد والأهداف. وإلى حين اتضاح هذه التفاصيل، والتأكد من تطبيق هذا المقترح فعلياً على الأرض من عدمه، يمكن اعتبار أن هذه النتائج ستكون بمثابة اختبار تاريخي حقيقي للعلاقات بين البلدين يمكن أن يقودها إلى مسار جديد من الإصلاح والترسيخ في حال نجاح تطبيقها بما يرضي أنقرة، ويمكن أيضاً أن يقودها إلى انهيار أكبر بكثير من السابق يدفع تركيا لابتعاد أكبر عن واشنطن وتقارب أكبر بكثير مع موسكو وهو ما ستكشفه الأسابيع والأشهر القليلة المقبلة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية