المنطق الاستقرائي

حجم الخط
0

تحفل المناهج الدراسية في الصفوف الثانوية بفصول تخصص لدراسة المنطق والاستقراء. المشكلة تكمن في أن الطلاب لا يتمكنون في أغلب الحالات من الاحتفاظ بما درسوه إلي فترة متقدمة نسبيا من أعمارهم قصد استثماره في حياتهم اليومية.

ضعف القدرة علي التحليل يؤدي غالبا إلي استنتاجات غير صحيحة وقد تكون ضارة أحيانا.

ارتكز مقال الكاتبة العراقية الكريمة ولاء سعيد السامرائي في عدد 20حزيران( يونيه2007 علي حادثة إغراق الطيران الصهيوني للسفينة الأمريكية -ليبرتي- خلال عدوان 1967 مما تسبب في إغراقها ومقتل ما لا يقل عن 34 بحارا من طاقمها.

شفعت الكاتبة هذا الخبر بإضافات منها أن الحكومة الأمريكية عوضت عوائل البحارة ماليا دون أن تسمح بالكلام عن هذا الحدث. ومنها أن الأميرال الأمريكي الذي كان يقود التحقيق مُنع من السفر إلي فلسطين لاستكمال التحقيق. ومنها أن أرشيف الطيران الصهيوني يثبت أنه خطط لتدمير السفينة ليبرتي وقتل طاقمها وإغراق كل آثارها. ومنها أن ضابطا شغل عضو مكتب رئيس الوزراء الأسترالي (ربما تصحيف من الكاتبة لكلمة الإسرائيلي) نفي أن يكون الهجوم علي السفينة جراء نيران صديقة ولم يكن خطأ.

بالنسبة للمتتبع المتحرر من الأفكار المسبقة سيستغرب علاقة إغراق سفينة لم تكن محملة بأسلحة للدول العربية مع أهداف الحرب، ثم سيتساءل عن أسباب عدم تمكن المخابرات الأمريكية من كشف نية الصهاينة إغراق السفينة. وسيحتار أمام تعتيم الحكومة الأمريكية علي الحادث.

السبب المنطقي الذي سيتبادر إلي الذهن هو أن لأمريكا مصلحة في إغراق السفينة وأن العدو الصهيوني قام بالعملية القذرة إما مأجورا أو لرد فضائل الأمريكيين عليه. لكن الكاتبة خرجت باستنتاج مشبوه هو أنه لا حدود لقدرة العدو الصهيوني الذي يمكنه أن يفعل ما شاء ومتي شاء. وفي مناورة غير مستساغة ربطت بين حاجة العدو لإغراق السفينة وحاجته لاحتلال الجولان!

يد العدو الصهيوني لم تكن ولن تكون لتطال أمريكا أبدا مطلقا، اسرائيل ولاية أمريكية ذات وضع خاص. فنحن نتذكر أن تلك الإدارة هي التي أوقفت العدو ومن زوده بالقنابل النووية أيام العدوان الثلاثي عند حدهم.

هل سمعت الكاتبة الفاضلة كلام رؤساء أمريكا المتعاقبين المملّ عن التزام أمريكا بحماية أمن كيان العدو؟

ممن ستحمي هذا الكيان الذي يتوفر علي أفضل جيش في المنطقة وثالث (أو رابع أو خامس لا يهم) أكبر ترسانة نووية عالمية؟ من قبرص أم من أرمينيا أم من أذربايجان؟

الاستقراء الخاطئ الذي قامت به الكاتبة يصب في هدف واحد هو إظهار اسرائيل مثل كيان يمكن أن يعيش دون التنفس الاصطناعي الأمريكي. انظر زلة اللسان قابلة للعيش التي تتردد علي لسان المتحدثين الأمريكيين عندما يتحدثون عن الدولة الفلسطينية. قابلية العيش هي الدابة السوداء كما يقول الفرنسيون التي تؤرق ليل مهندسي الكيان الصهيوني الذين يعون أنه حسب المعطيات الحالية فإن زوال كيانهم حتمي بعد انهيار الإمبراطورية الأمريكية. الكاتبة الكريمة تنطلق من نية حسنة وهي أن حكام دولة أمريكا المتحضرين والمنتخبين والمسؤولين أمام مجلسي الشيوخ والنواب لا يمكن أن يخربوا بيوتهم بأيديهم وأيدي الصهاينة. لكن للأسف هذا ما حدث وإلا سنشنق أنفسنا وسنشنق معنا المنطق الديكارتي والأرسطي والدياليكتيك وغيره.

علماء النفس في الاستخبارات كانوا بارعين في الاعتماد علي مبدأ حسن النية هذا، وبطريقة مزدوجة هذه المرة، لكتابة سيناريو 11 أيلول. فالشباب الذين قادوا الطائرات (إن كان هناك شباب وكانت هناك طائرات وليست صواريخ مغلفة بهياكل طيارات صممت للنفاذ في البرجين، مع العلم أن الطائرات تصنع من معادن خفيفة الوزن لتلاءم مبادئ الايروديناميك وقد ترتطم بجسم صلب بما يكفي دون النفاذ فيه ) قلت الشباب لا يمكن التشكيك في حسن نيتهم وورعهم وجهادهم وتضحيتهم مع أن علاقة الاستخبارات الأمريكية مع الإسلام الوهابي معروفة منذ أيام جهاد أفغانستان.

ثم إن لا أحدا يصدق أن استخبارات أمريكا يمكن أن تفخخ البرجين وتنسق مع بن لادن أو مع أحد مساعديه لإرسال الشباب ليقوموا بالتمويه الكافي لعملية النسف الممنهج للبرجين بالعبوات المزروعة فيهما سلفا.

إن إعادة قراءة أرشيف أحداث 11أيلول مع التسلح بالمبادئ الأولية في علمي الفيزياء والكيمياء لا تقود إلا إلي نتيجة واحدة: أمريكا خربت بيتها بأيديها وربما بأيدي القاعدة (إن كانت هناك قاعدة وليست شعبة في وكالة المخابرات المركزية). لماذا صمدت أسطورة 11أيلول أمام النقد لحد الآن؟ لأن غالبية الأمة لا تريد أن تعترف بالخدعة وتحوّل شهداء شجعان إلي عملاء استخبارات أو إلي أغبياء مغرر بهم في أفضل الأحوال. كما أن الأمريكيين يتفهمون ببراغماتيتهم أن نفط الشرق الأوسط والذرائع المنطقية لشن حروب ضرورية للاقتصاد الأمريكي لا يستحق فقط التضحية بالبرجين وبكمشة عشرات المئات من المواطنين الأمريكيين بل يستأهل التضحية حتي بجزيرة منهاتن نفسها وربما بولاية نيويورك. هذا إذا ما كانت آنذاك مصلحة قومية أمريكية ملحة في هد البرجين. محمد صباررسالة الكترونية 6

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية