المنطَق سعد

حجم الخط
0

أصوات هادرة في الخلف: ‘يا واطي، يا نذل، يا خسيس’، وجهزت نفسي للركض السريع ومغادرة المحل لتوقعي لمذبحة ستحصل خلفي بعد هذه المسبات وما أن أدرت ظهري حتى وجدت مجموعة الشباب ‘نازلة عبط ومباوسة’ حتى خيل الي أن ما سمعته كان خطأ أو أن اللغة تغيرت والمسبات أصبحت تحيات!

المشهد الثاني

بعد أن قررت الانتظار لتحصيل طلبي خصوصا أن المقتلة لم تقع سمعت بقية الحوار.
الشاب الأول: كيف النتائج؟ ان شاء الله عديت؟
الشاب الثاني: وشرف أمي ما عديت ولا مادة حتى مع الغش.
كان ما سبق من مسبات ‘كوم’ لوحده وما لحق من الحلف بشرف النساء، الأم خصوصا، في هذا السياق هذا مع انه غير جائز شرعا طامة كبرى، ولا أدري ما عجينة هذا الشاب الذي سمح لعرض أمه أن يكون على الألسنة في سياق فشل ومسبات وتذكرت أن الجاهلي عمرو بن كلثوم أقام حربا عسكرية ونظم معلقة من عيون الشعر العربي في الفخر فقط لأنه أحس أن قيمة أمه انتقصت بالإشارة!
انتهت المشاهد الحقيقية لأكتشف فيما بعد أن هناك لغة يطلق عليها ‘التطعيم’ حافلة بالمسبات المقذعة والرخيصة والمشينة يتداولها الشباب وكأنها مجردة من معناها السيىء وانتهاكها لكل المحرمات!
يحار المرء في إدراك الحكمة أو الجمال أو القوة أو وضع أي تبرير يجعل الشباب يلجأ الى مثل هذه اللغة في التخاطب ولا يجد سوى سبب واحد وهو غياب العقل فهؤلاء ينطبق عليهم ما قاله البعض من وصف الإنسان بأنه حيوان ناطق، فالإنسان ما لم يعرض ما يريد قوله على عقل سليم ومتزن يصبح اللسان مجرد لهاة وعضو يمتلكه الكثير من المخلوقات لوظيفة بدائية أساسية وهي التذوق في الأكل والشرب دون الوظيفة المعجزة الإبداعية في النطق والحديث بالجمال!
ليست اللغة وسيلة تخاطب فقط بل هي وعاء فكري ومعرفي والانجاز الحضاري هو خبرات وإرث شفوي بقدر ما هو إرث مكتوب وانجازات مادية بل ان الكلمة هي الجسر ما بين الفكرة والتطبيق، فغثاء لغوي لن ينتج حضارة بل لقد فقد العرب تفوقهم الحضاري عندما تراجعت اللغة العربية ولم تعد لغة العلم والتعلم وبالتالي الادارة والقوة ونهضت الدول الناطقة بالانجليزية لنجاحهم في اختراق العالم كله باللغة وأصبح عدم معرفة الانكليزية جزءا من الأمية!
لم يكن غريبا إذن على مستوى السياق الديني أن تدخلك كلمة وهي الشهادة الجنة وتغوص بك بالمقابل كلمة في الدرك الأسفل من النار فالكلمة ليست فقط مجموعة حروف بل هي اعتقاد قلبي تنتقل في أسمى وأكمل صورها لتصبح خلقا وسلوكا بل ويحاسَب المرء إذا لم يتمثل في سلوكه ما قاله في كلامه لأن مختبر الكلام الحق هو الفعل الحق ولقد أدركت المؤسسات التعليمية هذا الارتباط بين اللغة والسلوك فجعلت مساقاتها وأقسامها تحت اسم ‘اللغة والأدب العربي’ أو ‘اللغة الانكليزية وآدابها’ فالأولى وهي اللغة لا قوام لها لوحدها ما لم تتخذ شكلا في الأدب أو الأدبيات بشكل عام ويدخل تحتها كل العلوم الانسانية والعلمية وكما اللغة دلالة على المستوى الفكري والأخلاقي فهي دلالة كذلك على الصحة النفسية والذهنية فالإنسان الذي لا ينطق الا بالسوء كلما فتح فمه يعاني من مشاكل نفسية ظهرت في لغته ولو تحسنت نفسيته وتحسن عقله لظهر أثر ذلك على لغته، فالهجاء في الشعر مثلا ليس من الميادين المستحبة لانطوائه على كثير من اللغة والمشاعر السلبية التي لا تترك أي أثر حسن لدى المتلقي الا اذا كان معنيا بالانتقاص من الآخرين والنيل منهم وهذا مرض نفسي بحد ذاته!
الحرف يغير الدنيا ويصنع الأحداث فما بالك بالكلمة وجيل يحط من الكلمة ومضمونها لن ينهض بالأمة ولن ينتشلها من القاع الذي وصلت اليه بهذا التلوث الكلامي الذي اجتاح حياتنا وأفسد علينا حضارة كان معجزتها الاولى هي الكلمة!
قال الشاعر :
لا خيل عندك تهديها ولا مال فليسعد النطق ان لم يسعد الحال
وقالوا قديما المنطق (من النطق) سعد وهو ليس سعدا فقط إنه سعد وسعيد وسعادة ونصر وإنجاز وفتوحات.
جمل لغتك تتحسن أفكارك وأحوالك ويشرق مستقبلك.
د. ديمة طارق طهبوب

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية