القاهرة ـ «القدس العربي»: توسعت السلطات المصرية خلال السنوات الماضية في إصدار قرارات منع السفر بحق معارضين ونشطاء سياسيين وحقوقيين. ففي حين تشمل هذه العقوبة حقوقيين محالين للتحقيق منذ أكثر من 10 سنوات على ذمة القضية المعروفة إعلاميا بـ”التمويل الأجنبي”، فإنها تطال كذلك آخرين جاءوا في قرارات الإدراج على قوائم الإرهاب، التي تتضمن بندا يمنع الشخص من السفر ومغادرة البلاد.
”لم أكن أعلم بوجود قرار بمنعي من السفر إلا قبل ساعات من توجهي للمطار وبعد إتمام كافة إجراءات السفر بما في ذلك مسحة كورونا”، بهذه الكلمات غرد الأكاديمي المصري حسن نافعة، مساء الإثنين، حول قرار منعه من السفر.
مناشدة للنائب العام
نافعة ناشد النائب العام المصري إعادة النظر في قائمة الممنوعين من السفر حتى لا يتحول المنع من السفر من إجراء احترازي لضمان العدالة إلى عقوبة خارج نطاق الدستور والقانون، حسب قوله.
وكان نافعة قد أفرج عنه، بعد اعتقال استمر 6 أشهر، في مارس/ آذار 2020، ضمن قرارات صدرت بالإفراج عن 15 ناشطا ومعارضا سياسيا.
ووجهت نيابة أمن الدولة وقتها لنافعة اتهامات تتعلق بـ”مشاركة جماعة إرهابية في تنفيذ أغراضها ونشر أخبار كاذبة”، وتم التحقيق معه، كما اتخذت النيابة قرارا بالتحفظ على أمواله.
حقوقيون
حسن نافعة واحد من مئات صدرت ضدهم قرارات بالمنع من السفر، كان أشهرهم 31 من مديري ومؤسسي منظمات حقوقية من السفر، فضلاً عن قرارات أخرى بتجميد أموال بعض المنظمات، ومنع تصرف عدد من مؤسسيها وذويهم في أموالهم.
ويعود القرار لأواخر ديسمبر/ كانون الأول 2011، عندما اقتحمت قوات الأمن مقار بعض منظمات المجتمع المدني الدولية في مصر، فضلاً عن مقار عدد من المنظمات المصرية، وألقت القبض على عدد من العاملين فيها، لتبدأ القضية رقم 173 لسنة 2011 والمعروفة إعلاميا بقضية “التمويل الأجنبي” أو منظمات المجتمع المدني.
وانقسمت القضية وقتها إلى شقين، الأول خاص بالمنظمات الأجنبية، وفيه أدين 43 شخصاً من قبل محكمة جنايات القاهرة في يونيو/ حزيران 2013، ولكن محكمة النقض ألغت تلك الأحكام وقضت بإعادة المحاكمة، التي أسفرت عن حكم نهائي ببراءة جميع المتهمين في القضية في 20 ديسمبر 2018.
أما الشق الثاني فخاص بالمنظمات المصرية، الذي تواجه على إثره حوالى 12 منظمة اتهامات بالحصول على أموال من الخارج لأغراض تضر البلاد، والعمل من خلال كيان غير قانوني يستخدم تلك الأموال لغرض إجرامي. وهي اتهامات تصل عقوبة بعضها للمؤبد.
وخلال عامي 2015 و2016، أمر قاضي التحقيق في القضية 173 بمنع 31 من مديري ومؤسسي منظمات حقوقية من السفر، فضلاً عن قرارات أخرى بتجميد أموال بعض المنظمات، ومنع تصرف عدد من مؤسسيها وذويهم في أموالهم؛ ومنهم مدير الشبكة العربية لحقوق الإنسان جمال عيد، والحقوقي نجاد البرعي والمحامي مالك عادلي.
وكانت الدائرة التاسعة جنايات القاهرة، المنعقدة في محكمة شمال القاهرة في العباسية، قررت الشهر الماضي تأجيل نظر التظلم المقدم من إسراء عبد الفتاح، على أمر منعها من السفر، في قضية جديدة، إلى جلسة 11 سبتمبر/ أيلول المقبل.
وسبق لقاضي التحقيق المنتدب من محكمة استئناف القاهرة، أن ألغى في 5 ديسمبر/ كانون الأول الماضي قرارا سابقا بمنع الناشطة السياسية إسراء عبد الفتاح، عضو حركة 6 أبريل/ نيسان، من السفر مع إلغاء التحفظ على أموالها، وذلك ضمن المتهمين في قضية “التمويل الأجنبي”.
قوائم «الإرهاب»
الوضع على قوائم الإرهاب أحد وسائل السلطات لمنع المعارضين من السفر، حيث يتضمن القرار طبقا لنص المادة 7 من القانون رقم 8 لسنة 2015 “قانون الكيانات الإرهابية”، أثارا قانونية تتمثل في منع الأشخاص من السفر، وسحب جواز السفر الخاص أو عدم تجديده إن كان داخل البلاد، أما إذا كان خارج البلاد فيوضع على قوائم الترقب والوصول، وإن كان أجنبياَ يمنع من دخول أراضي الدولة، ومنع الأشخاص من تولي الوظائف العامة، وقد يتم فصله من وظيفته إن كان موظفاَ عاماَ، ويمنع من ممارسة الحقوق السياسية وخاصة حق الترشح والانتخاب سواء كان لمؤسسات الدولة أو المجتمع المدني.
كما يتم إصدار قرار من النائب العام بالتحفظ على أموال هؤلاء الأشخاص ومنعهم من التصرف فيها “متى استخدمت في ممارسة نشاط إرهابي”، طبقاَ للمادة 7 من القانون 8 لسنة 2015.
العليمي وشعث
وتوسعت السلطات في مصر في إصدار قرارات الوضع على قوائم الإرهاب التي طالت المئات خلال السنوات الماضية، وكان آخرها قرار محكمة النقض، برفض طعن 13 متهما بينهم البرلماني السابق زياد العليمي ومنسق حملة مقاطعة إسرائيل في مصر رامي شعث، على قرار إدراجهم على قوائم الإرهابيين، لمدة خمس سنوات في القضية المعروفة بـ”خلية الأمل” وقضت بتأييد القرار.
“المجموعة المتحدة للقانون” وهي منظمة حقوقية مصرية مستقلة، أصدرت ورقة قانونية حول “المنع من السفر غير محدد المدة”.
وقالت في الورقة التي حملت عنوان: “غير قانوني”، واستعرضت خلالها رؤية مختلفة لقرارات المنع من السفر تنطلق من النص الدستوري المادة 62 إنها “تؤكد أن كل قرارات المنع من السفر الصادرة من سلطات التحقيق بدرجاتها وبالقطع من وزير الداخلية أو أي ممثل للسلطة التنفيذية جميعها غير قانونية ولا يعتد بها”.
غير قانوني
وانتهت الورقة إلى أن “عددا من المستخلصات والتوصيات الهامة منها أنه يجوز تطبيق نص المادة 62 من الدستور بشكل مباشر أمام القضاء دون انتظار صدور أي تشريع مكمل لها، وتنص تلك المادة على أن حرية التنقل، والإقامة، والهجرة مكفولة، ولا يجوز إبعاد أي مواطن عن إقليم الدولة، ولا منعه من العودة إليه، ولا يكون منعه من مغادرة إقليم الدولة، أو فرض الإقامة الجبرية عليه، أو حظر الإقامة في جهة معينة عليه، إلا بأمر قضائي مسبب ولمدة محددة، وفى الأحوال المبينة في القانون”.
وذكرت أن “مفاد ما تقدم أنه يتعين أن يكون هناك قانون ينظم حالات المنع من السفر ومدته وطريقة الطعن عليه”، لافتة إلى أن “محكمة النقض انتهت في حكم تاريخي لها إلى أن عدم صدور قانون ينظم موضوع المنع من المغادرة يجعل أي قرار صادر قائما على غير أساس ويتعين عدم الاعتداد به ويعتبر مجرد عقبة مادية لا قيمة لها قانوناً”.
وأكدت أن “أي قرار بالمنع من السفر غير مسبب ولا يتضمن مدة محددة يعتبر لاغياً ولا قيمة قانونية له، ويتعين بالتالي اعتباره غير موجود، وأن قرار وزير الداخلية المشار إليه قد سقط بصدور الدستور المصري 2012 وتعديلاته 2014 دون الحاجة حتى إلى الطعن بعدم دستوريته؛ فتنفيذ النص الدستوري مباشرةً على أوامر المنع من السفر يجعل هذا القرار مجمدا ولا يجب العمل به إذ أن نص المادة 62 من الدستور واضح في أن المنع من السفر يجب أن يصدر وفقاً لقانون ومن سلطة قضائية”.
وأشارت إلى أنه “من حق الممنوعين من السفر أن يقيموا دعوى ضد وزارة الداخلية بالتعويض ما داموا ممنوعين من السفر بأوامر غير مسببة ودون تحديد مدة محددة للمنع؛ باعتبار ان هذا خطأ أصابهم بضرر ويستوجب التعويض؛ ولا يرد على ذلك بأن هناك أمرا قضائيا بالمنع فإن الأمر القضائي غير المسبب وغير المحدد المدة هو بمثابة عمل مادي وليس قانونيا ويتعين التعويض عنه. وتقام دعوى التعويض أمام المحاكم المدنية مستندة إلى نص المادة 163 من القانون المدني”.
قيد على الحرية
وكانت المحكمة الإدارية العليا قررت أنّ المنع من التنقل داخل البلاد أو خارجها، من الإجراءات التي تمثل قيدا على الحرية الشخصية، والتي من عناصرها الحرية في التنقل، ما استلزم المشرع أن يصدر قرار المنع بموجب أمر قضائي مسبب ولمدة محددة.
وأضافت أنّه من غير الجائز قانونا صدور مثل هذا الأمر بالمنع من السفر عن غير جهات التحقيق القضائية، التي خولها هذا النص الدستوري الاختصاص بذلك، وإلا كان القرار الصادر منعدم الأثر.
ولفتت إلى أنّ “قرارات المنع من السفر أضحت ذات طبيعة قضائية يختص بإصدارها قاضي التحقيق أو النيابة العامة، ومن ثم يتعين أن تكون هذه القرارات من الإجراءات التي يستلزمها التحقيق، ويتظلم منها ويطعن فيها أمام جهة القضاء العادي، وبالتالي صدور أي قرار من سلطة غير مختصة، يؤدي لانعدامه ولا توجد حصانة تعصمه من الإلغاء، ويخرج عن نطاق القرار القضائي الذي يطعن فيه أمام جهة القضاء العادي، وإنما ينظره قضاء مجلس الدولة بصفته عملا من أعمال الإدارة، في هذه الحالة يخضع لرقابة قضاء المشروعية”.
جاء ذلك في حيثيات حكم إلغاء قرار جهة الإدارة “وزارة الداخلية” بإدراج اسم شخص على قوائم الممنوعين من السفر، واعتبرته المحكمة مشوبا بعيب عدم الاختصاص.
الدستور يكفل حرية التنقل
وتكفل المادة 62 من الدستور حرية التنقل وتنص على أن “حرية التنقل، والإقامة، والهجرة مكفولة، ولا يجوز إبعاد أي مواطن عن إقليم الدولة، ولا منعه من العودة إليه. ولا يكون منعه من مغادرة إقليم الدولة، أو فرض الإقامة الجبرية عليه، أو حظر الإقامة في جهة معينة عليه، إلا بأمر قضائي مسبب ولمدة محددة، وفي الأحوال المبينة في القانون”.
وتنص المادة 12 انطلاقا من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الصادر عن الأمم المتحدة، ومصر دولة طرف فيه، على أن “لكل فرد حرية مغادرة أي بلد، بما في ذلك بلده، تقييد هذا الحق يجب أن يكون بموجب قانون وضروري لحماية الأمن القومي أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة أو حقوق الآخرين وحرياتهم. لكن هذه القيود يجب ألا تُلغي مبدأ حرية التنقل وهي محكومة بالحاجة إلى الاتساق مع الحقوق الأخرى المعترف بها في العهد”.