المنمنمات الشرقية والهندسة الخطية: محاكاة للغرب أم اندماج عفوي؟

حجم الخط
0

نشأت المنمنمات الشرقية كمجموعة رسومات بيانية توضيحية (miniatures) ورقية مصغرة لأغلفة المخطوطات والكتب في أحضان الحضارة العربية الإسلامية، فتشبعت من روحها السمحة، واِتجهت مباشرة صوب البناء الفني الإبداعي، عبر الاِهتمام بالفكرة بدل الصورة، والتجريد بدل التجسيد، والإحالة بدل الهالة، والتحوير بدل التصوير (وضع واعتماد شكل خال من الروح البشرية بدل شكل فيه روح) نظرا لعدم ولع العرب بالوفاء في الممارسات الجمالية من جهة، ولعدم حذقهم في آلياتها التقنية الصاعدة من جهة أخرى.
فكانت بذلك وجهة البحث والبناء متصافحة ومتصالحة مع مضمون الأبعاد الدعوية العقائدية الفلسفية الإسلامية. إذ لم يصدر بالنص القرآني أي تحريم للتصوير والرسم، ولم يعرف التاريخ الإسلامي أي أحكام تعارض هذا التوجه الفني، ولا أي اِقتتال أو فتن دامية بسبب التوجه التصويري في المنمنمة.. يقول الباحث الإسلامي أوليغ غرابر في هذا السياق: «إن الإسلام ليس ضد قواعد الأيقونات المتوارثة، إنما كان ضد التماثيل في فترات معينة من تاريخه».
إذ أن مرونة تقبل هذه الأعمال وسبب تطورها ونجاحها، يكمن في اِنسجامها مع الروح الإسلامية، من خلال خصوصية الحجم المحدود والبعد الوظيفي المحمول والمحفوظ، ما أهلها لتكون مراجع بحث وقراءة واِطلاع في المكتبات ودور العلم، متاحة للدارسين والباحثين أكثر من غيرهم. وما شرّع انتشار وتوسع أفق هذا الفن الاِسلامي المحفوظ، هو اِندثار الأعمال الجدارية الفريسكية العربية التي أُنجزت على جدران الحصون والقلاع وفي ساحات القصور في الشام والعراق مثل جداريات قصر سامراء، وصور الحمام الفاطمي في القاهرة، والتماثيل الحيوانية في قصر الحمراء في الأندلس، التي تعود إلى القرن 13 الميلادي.
تطور إنجاز المنمنمات شيئا فشيئا مع تسارع نسق الفتوحات لتوسيع الخريطة العربية الإسلامية من الشرق ومن الغرب، في ضوء تعثر التقدم في الأناضول وتأخر فتحها حتى عام 1453، بعد صمود استثنائي للإمبراطورية الرومانية الشرقية ( بيزنطة) – التي أصبحت في ما بعد القسطنطينية – وهو عنصر قلب عديد المقاييس. فكان الجسد العثماني المريض بمثابة العتبة التي تفصل سر وسحر الشرق عن الغرب، ولا تهيئ فرصا للتواصل والتكامل والتفاعل بين الحضارتين. ورغم ذلك تمكن العنصر الثقافي العربي الإسلامي، خاصة الخطي، ومن ورائه المنمنمي من غزو الفضاء الثقافي الفارسي والتركي والآسيوي والإفرنجي (عبر التأثير النسبي على المملكة الكارولنجية ق8م) والأندلسي بعد ظهور بوادر تغييرات معرفية وتقنية رائدة (الطباعة، النشر، الورق، كيمياء اللون المائي والطباشيري، الحبر، الأيقونة والمخطوطات).

نسخة من كليلة ودمنة

لذلك حافظ فن المنمنمات على طريقته التقليدية، التي مثلت مع مرور الزمن عنصر تعزيز للرخاء الثقافي الفني والروحي، خلال الفترة الذهبية للنهضة العربية ( 7- 14م) شكّل ظهورها العفوي التدريجي مع بدايات الدعوة، عنصر اندماج وثراء لعدد من الخطاطين والرسامين، الذين تفاعلوا مع الموجات الثقافية والمدارس الفنية المختلفة الوافدة من أقاصي الدنيا (إندونيسيا، الصين، أفغانستان، طاجاكستان) وبلاد فارس. وعلى عكس الفنون البصرية الأخرى، فإن المنمنمة لم تتمتع بإرث تقني مرجعي أدواتي، نظرا لنشأتِها المتفرعة من أضلاع الخط العربي، كعنصر زخرفي وتوضيحي شارح للمتن ومرافق للمطويات والأعمال العلمية المخبرية والأدبية. فكان التبلور الأولي مرتكزا على تنمية الزركشة وتطوير الهندسة الخطية بإضافة النقش المخطوطي الورقي، في تقابل كامل مع الرقش الخشبي والجبسي المعماري، وتحسين الهامش واِبتكار نماذج لرسومات توريقية إبداعية ملونة مستوحاة من أشكال ورق النبات وأزهار الزينة، ومن عناصر أكسسوارية معمارية شرقية (البلاط، المشربية، القبة، المنارة، المحراب، السرايا، الديوان، الصحن، الدكة) وهي بوادر أعمال مجددة تحضر فيها المراوحة والتوشيح والتضليع والتشابك ( La juxtaposition ) بتوزيع مدروس وتناوب منظم واِنسياب شاعري، بحيث أن اكتمال ونضوج وارتقاء العناصر الشكلية كان مرتبطا بالمحيط الجغرافي وباجتهادات صانعيه من الخطاطين والمُزوقين، لذلك اختلفت صُنوفُه باختلاف الجهة والمدرسة وأنامل الفنان ومهاراته. كان التفرد والاِهتمام بالجانب التقليدي المحلي، سواء في مدارس بغداد أو القاهرة أو شيراز صانع القيمة وضامن التفرد. إذ استمدت أغلب الأعمال المختلفة من صميم واقعها الثقافي المعرفي، بمراعاة الخصوصية الشكلية (الزخرفة) والمؤهلة لشخصية متصافحة ومتصالحة مع الروح الشرقية الإسلامية، ومسايرة لمجمل التعاليم والأخلاقيات الروحية المسيرة للنظام السياسي، والمُيسرة للنسق التطوري في أحضان بيئة مؤمنة بالروح، وخادمة لتبليغ التعاليم الإسلامية. ما مهّد لتأسيس مدارس منمنمات مؤمنة ذات خصوصيات فنية شرقية متعددة.
لربما يطرح زخم هذه العوامل إشكالية مرجعية جادة، تتعلق بعلاقة الغرب بالشرق وهي إشكالية متداولة بمفاهيم ضبابية، وجب تناولها وتوضيحها، تتمثل في تقنية الرق ( le vélin) أو (le parchemin) وهي طريقة فنية أدواتية معروفة في أوروبا، تعتمد على إنتاج مطويات ومخطوطات باعتماد جلد الحيوان (الضأن أو البقر) لا علاقة لها بالمجال الفني الشرقي، استنادا إلى عاملين أساسيين اِثنين هما: أولا، توفر ورق البُردي بكثرة في البلاد العربية، نظرا لمنابته ومزارعه الممتدة على ضفاف وادي النيل، ما وفّر مادة ورقية ساعدت على تعزيز المخطوطات وتزايد عدد المؤلفات في الفضاء الشرقي، ولنا خير مثال على ذلك مكتبة الإسكندرية التي حافظت على شعاعها منذ بدايات الفترة الفرعونية. ثانيا، تمدد ذراع موجات الفتوحات الإسلامية نحو الشرق، لتصل إلى طشقند وتيمور وأوزبكستان على حدود الصين، لتساهم بذلك في تعزيز الوراقة العربية وفي تلاقح الثقافات والفنون وتطوير المنمنمات والأعمال الزخرفية، بإدخال تقنيات وخامات جديدة. فكان حضور الخامات والمطويات الجلدية مسألة استثنائية وغير مطروحة، اقتصرت على عاملين هما: العامل البلاطي الذي ارتبط بطلبيات سلطانية تشهيرية، والعامل الفانتازي الذي اِرتبط بغايات اِستعراضية عبثية كمالية تدعمها الرغبة في الفخامة والمظهر والاقتداء بتقاليد الغرب الغريب.

كاتب تونسي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية