مدينة ‘خيخون’ الإسبانية تشهد أكبر احتفالية للأدب البوليسي في العالمغرناطة- من محمّد محمّد الخطّابي: أسدل المهرجان العالمي للرواية البوليسية أو السوداء أستاره في مدينة ‘خيخون’ الإسبانية(*) بمشاركة ما يزيد على 143 كاتبا ومؤلفا وروائيا متخصّصا في كتابة هذا الصنف من الأدب الغريب من مختلف أنحاء العالم ، وقد عالج المشاركون في هذا المهرجان عدّة قضايا أدبية ونقدية وإبداعية تتعلّق بهذا النّوع من الكتابة الأدبية التي غالبا ما تتلقّفها السينما وتعمل على التعريف بها.ومن الكتّاب المرموقين المشاركين في فعاليات هذه الدورة الخامسة والعشرين من هذا المهرجان الكاتبة الإسبانية الكبيرة ‘ أنا ماريا ماتوتي’ (عضو أكاديمية اللغة الإسبانية) والحاصلة على جائزة سيرفانتيس الأدبية التي تعتبر بمثابة نوبل في الآداب الإسبانية. والكاتب الإسباني المولد ، المكسيكي نشأة المعروف ‘باكو إغناثيو طايبو ‘ (مدير هذه التظاهرة الأدبية منذ عدّة سنوات) الذي أشار بهذه المناسبة : ‘ أنّ الثقافة تلعب دورا أساسيا كعنصر بلسمي لمعالجة الجروح ‘ . وطالب الكاتب المكسيكي’ بضرورة بذل المزيد من الجهود للرّفع من قيمة الثقافة في حياتنا وإشراكها أو إدراجها في مختلف الاحتفاليات الكبرى’ . ومن الكتّاب الآخرين الذين شاركوا في هذا المهرجان من مختلف الجنسيات- الذي يطلق عليه البعض بالمهرجان الأسود او الأسبوع الأسود – : خوان غوميس خورادو ،خوان مدريد ،لورينسو سيلفا ،مانويل ريفاس ، روسا ريفاس ، فيماندو مارياس ،فرناندو مارتينيس وآخرون، وجرت العادة أن ينطلق قبيل افتتاح هذا المهرجان بيوم واحد من مدينة مدريد قطار يحمل كل المشاركين في اتّجاه مدينة خيخون الإسبانية في الثامنة وعشر دقائق صباحا ، وقد أمسى هذا القطار يعرف منذ بضع سنوات بالقطار الأسود .أكبر احتفالية للأدب في العالميشير الكاتب المكسيكي ‘ ماوريسيو خوسيه شوارز’ أنّ’ الأسبوع الأسود’ لمدينة ‘خيخون’ الإسبانية إحتفالية أدبية سنوية كبرى يحضرها سنويّا ما ينيف عن مليون شخص ، والتي أصبحت تقام لمدّة عشرة أيام في الأسبوع الثاني من شهر يوليو(تموز) من كل عام ، وتنظّم بهذه المناسبة العديد من الأنشطة والتظاهرات التي تتخطّى نطاق الأدب إلى إقامة معارض للكتب ،ومقاه ،وحانات ومطاعم في الهواء الطلق، وحفلات موسيقية وشعرية كما تقام بهذه المناسبة مدينة خاصة بالملاهي وألعاب السيرك إلخ. إنطلق هذا المهرجان الأدبي لاوّل مرّة عام 1988 بدون انقطاع ، وحصل على أرقام قياسية عالمية سجّلت في سجلاّت’ غنيس’ بتكوين أطول طابورين خلال هذا المهرجان في أوربا الاوّل وصل إلى 6،200 شخص عام 1991والثاني أطول طابور للكتب 1،650 متر ، تمّ إهداؤها من طرف الحاضرين إلى القرّاء الكوبيين عام1994 .كما تقدّم خلال هذا المهرجان عروض سينمائية، وحفلات موسيقية واستعراضية بالمجّان بمشاركة العديد من المطربين والموسيقيين العالميين مثل جورج موستاكي ،وجوان مانويل سيرّات، وسيليا كروس وسواهم.وخلال هذا المهرجان يلتقي كتّاب وناشرون والمشتغلون بصناعة الكتب وطبعها وتسويقها من مختلف الجنسيات .الروايات الفائزةالروايات الفائزة في هذه الدورة الخامسة والعشرين لسنة 2012 في جائزة ‘ داشييل هامّيت’ لأحسن رواية سوداء كتبت في اللغة الإسبانية خلال العام الفارط التي يمنحها هذا المهرجان كانت تحت عنوان ‘الصبايا الضائعات’ للكاتبة الإسبانية ‘ كريستينا فاياس’ وبهذا تصبح هذه الكاتبة أوّل امرأة تحصل على هذا التكريم الأدبي في تاريخ هذا المهرجان. و يدور فحوى هذه الرواية حول موضوع إختطاف وتعذيب ثم قتل صبيّتين ، كما تعالج الرواية في العمق بوجه عام إشكالية الأمومة في الحياة المعاصرة. وحصل كل من الكاتب الأرجنتيني ‘ غييّرمو ساكومانو’ بروايته ‘ المعلّم’، والكاتبة المكسيكية ‘سان خوانا مارتينيس’بروايتها ‘حدود مهرّب المخدّرات’ على جائزة (رودولفو والش) لأحسن رواية تقوم على وقائع حقيقية وأحداث معاشة .وحصل الكاتب الأرجنتيني إنريكي فيرّاري على جائزة أحسن رواية سوداء( سيلفيريو كانيادا) بروايته ‘من بعيد تبدو وكأنّها ذباب’، وحصل الكاتب الإسباني ‘إميليو بويسّو’ على جائزة أحسن رواية في مجال الخيال العلمي بعنوان ‘ تمدّد القلب ‘ ، وفاز بجائزة أحسن رواية تاريخية في اللغة الإسبانية الكاتب الإسباني ‘إغناثيو مارتنيس دي بيسون’ عن روايته ‘ يوم الغد’ بالإضافة إلى منح جوائز أدبية أخرى في هذا المهرجان الأدبي في أغراض القصّة القصيرة وسواها من الأشكال الإبداعية الأخرى.الرواية السوداء في أمريكا اللاتينيةيشير الباحث الإسباني ‘ أنخيل دي لا كايّي'(عضو المهرجان الأدبي لمدينة خيخون) : ‘أنه في بلدان امريكا اللاتينية تكتب أحسن الروايات السوداء اليوم ، حتى وإن كان السوق يؤكّد لنا أنّ التفوّق في هذا الصنف الأدبي ما زال من نصيب بلدان الشمال’ .ويؤكّد الكاتب المكسيكي باكو إغناسيو طايبوأنّ جودة الأدب الإيبيروأمريكي في هذا القبيل لم يؤخذ بعين الاعتبار بعد في سوق النشرالعالمية إذ ما فتئ كتّاب هذا النوع من الأدب في باللغة الإسبانية موزّعين على جزر صغيرة، ويضيف :’ هناك المحيط الذي يجمعنا ،ولغة تفرّق بيننا، ذلك انّ العالم الناطق باللغة الإسبانية قد أصبح شبيها بأرخبيل ذي جزر إقليمية متعدّدة ‘. وقال الكاتب المكسيكي من جهة أخرى أنّ هذا الصنف من الأدب قد أصبح قديما ولكنه مسموم لانّ الذي يصدر الأحكام في هذا المجال بشأنه اليوم هي الحواضر الكبرى، وكذا قوائم الكتب الأكثر مبيعا التي تنشرها ‘نيويورك تايمز’، فضلا عن مزادات مهرجان الكتاب لمدينة فرانكفورت، وأخيرا الموضة الإسبانية والإيطالية اللعينة’ .ويضيف:’ أنّ القارئ الإسباني ليس على علم أبدا بالكتاب الذي يتألّق في مهرجان بوغوتا للنشر، كما انّ المواطنين التشيليين ليس لديهم أيّة فكرة عن تطوّر الرواية التاريخية الإسبانية ، كما انّ المواطنين في كوستا ريكا لا علم لهم البتّة بما يكتب أو يقرأ في غواتيمالا، الذي أصبح يملأ الأسواق اليوم هي الكتب الخردة السريعة الزوال والنسيان التي غالبا ما تعنى بالوجوه التلفزيونية ، والتحقيقات السطحيّة التي لها صلة بالاخبار اليومية المعاصرة المتواترة أو ما يطلق عليه بالعولمة الإدعائية والتجارية التي لا صلة لها بالثقافة والإبداع الحقيقيين’. قصص وحكايات سوداويّة من أغرب المواضيع التي ناقشها المشاركون في هذا المهرجان وفي اللقاءات التي سبقته إنطباعات كل منهم حول الجريمة التي هزّتهم أو استرعا إنتباههم سواء نقلت إلى الشاشة أو ظلّت قابعة بين دفّتي كتاب .وكان الكاتب الأمريكي ‘إغناسيو كار دنياس’ صاحب رواية’لغز يوم الأحد” قد أشار في احد هذه اللقاءات أنّ اغرب جريمة عاشها أو شاهدها أو قرأ عنها هي جريمة وقعت في جزيرة كوبا حيث قتلت فتاة في مقتبل العمر في ظروف غامضة وجزّئت أشلاؤها وألقي بها في مختلف أطراف المدينة وقد عايش الكاتب فعلا ظروف هذه القصّة المروّعة التي كان لها فعلا تأثير بليغ على أعماله فيما بعد.أمّا الكاتب البريطاني ‘ جيمس مالفي’ مخترع المخبر السرّي الياباني’تتسو أوتاني’فبالنسبة له ولزملائه الكتّاب الإنجليز الذين سبق أن شاركوا في هذا الملتقى فإنّ ما يسمّى: قد طبعت جرائم القرن و قد جاءت هذه الجريمة نتيجة تـأثير سلبي لفلسفة فردريك نيتشة ، وإن فظاعة هذه moors murdersالجرائم ما تزال عالقة في ذاكرتنا وهي تِؤكد لنا استمرار عنصر الشر.اما الكاتب الاسباني’ فرناندو لاينث’صاحب رواية’ ذهب التمساح ‘ فقد قال إنّ مقتل الرئيس الأمريكي جون كينيدي يشكّل بالنسبة له جريمة خارجة عن المألوف غير قابلة للتفسير من طرف التاريخ، حيث نجد جميع معلومات الدولة الأمريكية تتداخل وتتناقض فيما بينها ،وتفوق هذه الجريمة وظروفها الغامضة أيّ خيال مهما شطّ به الجنوح .ويعود الكاتب الأمريكي ‘ ستيوارت كامنسكي’ صاحب شخصية المخبر السرّي ‘طوني بطرس’ إلى يوم مثلج في شيكاغو حيث حدثت الجريمة التي هزّت أمريكا كلها ، بل اعتبرت من أكبر الجرائم في تاريخ هذا البلد ، وتلقّفها الأدب ثمّ السينما فيما بعد وهي جريمة ‘يوم سان فالنتين’ للمخرج روجيه كورمان وهي أشهر جرئم ألكابوني .وكان الكاتب الأمريكي ‘ميديسون ديفز’يرى أنّ هذا الصنف من الأدب في القرن الواحد والعشرين سيعرف تطوّرا هامّا ، فعنصر شخصية ‘ جاك الساحق’ أو المبقر فيما مضى كان يرمز إلى الظروف الاجتماعية والنفسية التي طبعت القرن التاسع عشر حيث اعتقد الناس أنّ نهايتهم قد أزفت وانّها ستكون في القرن العشرين . ويتجدّد هذا العنصربالتوالي في كل عصر خاصة في الأدب البوليسي الحديث.وكان هذا المهرجان قد بحث إشكالية وأبعاد الآثار الأدبية التي خلفها الكاتب ‘ رايموند شاندلر’ حيث قال الكاتب ‘جيرميا هيلي’ انه باعتباره أستاذا للقانون ومحاميا فهو يلتقي في استنتاجاته مع ما كتبه شاندلر في هذا الصدد، وهو أنّ كثيرا من القضايا في الولايات المتحدة الامريكية لا تعرف الحلول المناسبة لها . وهو يؤكد في هذا السياق دور ‘ المباحث الخاصة’التي لا غنى عنها لتجلية بعض غوامض الأمور .أمّا بالنسبة للكاتب الإسباني ‘بيدرو كاسالس’فإنّ أعمال شاندلر الأدبية كانت بمثابة مرآة مجلية تعكس واقع المجتمع المصنّع الجديد ،وقال انّ وجود الأدب البوليسي أو الرواية السوداء إنما يعتبر إدانة للمظالم السائدة في المجتمعات الغربية على وجه التحديد،وهذا ما تعبّر عنه بوضوح أعمال شاندلر. إلا أنّ الناقد الفرنسي ‘ ميشيل مارتنس’ فقد أبدى نوعا من التشكّك حيال تأثير شاندلر في الرواية السوداء في بلده. ويعزو بعض هذه التأثيرات إلى نوع من التعبير التلقائي لأيّ كاتب ، وإنّ ما تشابه من هذه الأعمال إنّما هو فقط من باب وقوع الحافر على الحافر. الرواية البوليسية في الغربتعنى هذه الجماعة من الكتّاب بالخصوص بكتابة الروايات التي لها صلة بالمجتمع الذي يعتبر البوتقة الأساسية التي يستقي منها هذا الضّرب من الأدب مادته ومضامينه ، وهو يتأرجح بين التألّق والإخفاق، والرفض والقبول.يشير الكاتب الأمريكي ‘ بيل باير’: ‘ أنّه يعتقد أنّ الإنسان على العموم يعتبر كاتبا بوليسيا ، فحياتنا سرّ غامض ولا يتوقّف المرء أبدا في محاولاته لاستكناه أغوار هذا السرّ واكتشاف خفاياه ، كما أنّ حياة المرء في العمق هي كتابة وتكريس لهذا الصنف من الأدب’ .يحرص كتّاب الرواية البوليسية على وصف واقع الحياة اليومية الحالية ، وتكثر فيها مظاهر الجريمة بشكل ملحوظ مع انتشار المخدّرات وتعاطي الإدمان من كل نوع ، ولا يدخل في هذا النوع من الأدب علم الإجتماع وحسب ، بل إنه يعتمد كذلك على علم النفس وحيل ودهاء ومكايد المخبرين السريّين .ويشير الكاتب الأرجنتيني ‘ غييّرمو ساكومانو ‘ (من الفائزين في الدورة الأخيرة): انّ القصص التي كانت تحكيها له جدّته كلها كان لها تأثير بليغ في نوعية الإنتاج الأدبي الذي يكتبه والذي يدرجه معظم النقاد تحت هذا النوع من الادب ، ويتساءل الكاتب عن سرّ العلاقة بين هذه القصص الغريبة التي كانت تحكيها له جدّته وبين أحداث المجتمع اليوم . ويقول ساكومانو إنّ الأدب على العموم وثيق الصلة بالعدالة الإجتماعية والرواية البوليسية التي تعتبر من أبرز معالم الأدب المعاصر . ولم يعد الكاتب الأرجنتيني يؤمن بالقصص التقليدية، بل إنّ أبطاله مجهولون وجماعيون ويتّسمون بنوع من العنف. وقد تعرّض لبعض المواضيع في كتاباته التي تحدث ردّ فعل معاكسا لإرادة الإنسان مثل الخدمة العسكرية الإجبارية ، والعنف الذي غيّر مجتمعنا وانتقل حتى إلى المستشفيات .إنّ تصدّي هذا النوع من الأدب لمثل هذه الانحرافات الاجتماعية يعتبر في حدّ ذاته دفاعا عن الحياة نفسها، وكانت قد أشارت الكاتبة النمساوية ‘ هيلغا أندرلي’ في إحدى دورات هذا المهرجان أنّ هناك عددا كبيرا من الكاتبات اللائي يتعاطين هذا الصنف من الأدب في العالم ، ومعظم الكاتبات ينتمين إلى الحركات النسوية في بلادهنّ.كما تحدّثت الكاتبة النمساوية كذلك عن الجمعية الأمريكية للكتّاب البوليسيين. حيث قالت إنه من أهداف هذه الجمعية الدفاع عن الإنسان ،والمطالبة بالمساواة ،ومحاربة الظلم الاجتماعي والجريمة ،وتحريك الاتصال مع الجمهور. وأشارت الكاتبة أنها عند قراءتها لهذا النوع من الأدب تهتمّ بمدى ذكاء ودهاء المجرم بقدر ما تركّز على الظروف المتداخلة والمتشابكة التي قادته إلى اقتراف جريمته ، فضلا عن عنايتها بالألوان والأجواء والحيوية التي تطبع الشخصيات داخل هذه الأعمال. ودافعت الكاتبة عن نفسها وعن بنات جنسها من الهجوم الذي كان قد صرّح به ‘نورمان ميلر’ حيث أخرج المرأة من دائرة كتّاب هذا النوع من الروايات بالرغم من الشهرة الواسعة لأغاثا كريستي في هذا القبيل .-(*) مدينة إسبانية تقع في منطقة أستورياس في الساحل الشمالي الإسباني قبالة بحر كانتابريا .