أجد أنني رغماً عني أمسك القلم وأخط ما يمس خاطري ووجداني، وأشارككم ببعض وجهات النظر التي جعلتني على خلاف مع بعضهم. وأبدأ بطرح السوأل التالي: ما هو سر انكفاء العلاقة بين الوطن والمواطن في الأمة، وما هي المستلزمات التي يمكن أن ترمي بهذا الانكفاء خارجاً وتجعل منه علاقة مميزة بكل ابعادها ومعاييرها.
إذا بدأنا بالحديث عن الوطن فهناك متلازمة لا يمكن تنحيها أو تجاوزها وهي الأرض، التي تشكل ببعدها البشري والجغرافي والتاريخي والثقافي واللغة والدين الإطار المكون للوطن، فإذا كانت هناك أرض ولا يوجد فيها تلك الاسباب فهل يمكن ان تشكل وطنا للإنسان؟ ومن هنا استعير من الفلسفة اليونانية تعريفاً للوطن: بأنه الأرض التي يولد عليها الانسان ويعيش عليها ويعمل بها ويصونها ويحترم خصوصيتها ويدافع عنها، فهي لازمة للإنسان لها لونها وطعمها ونطاقها القيمي. وهي خاصة يشترك بها الإنسان والحيوان، الطير له عشه والأبل تحن إلى أعطانها وحتى الحيوانات المفترسة تفكر بحجُرها…. والأرض بدورها لصيقة بالإنسان، فهو منها ومسيره إليها، الأرض ليست شيئاً عابرا في حياة الإنسان وجدت ليعيش عليها هكذا بدون غاية. ومن هنا فإن تبادلية العلاقة بين الوطن والأرض تدل على أن الأرض شيء له وجود في الكينونة… إنها صورة للتعبير عن وجود الكائن في الحياة عامة.
وعليه المواطنة كما جاءت في الأدبيات الفلسفية اليونانية، حيث أنشأ الفكر اليوناني فكرة المواطنة من خلال فضاء دولة المدينة، (يمكن اسقاط مفهوم الوطن.. على مفهوم الدولة هنا) التي اعتبرها كل من أفلاطون وأرسطو، مجتمعاً للمواطنين. وقد وفرت المدينة، كمفهوم نظري إطاراً قانونياً، وفضاءً سياسياً، مكّن أعضاء المدينة/ المواطنين من العيش الإنساني للتعبير من خلال انخراطهم في حياة المدينة، وكذلك مكنهم من التحرر من المفهوم القديم لسلطة العائلة أو العشيرة من دون أن يعني ذلك التخلي عن الانتماء لها، انما عدم تعارض ذلك الانتماء الى الانتماء الأكبر والأشمل للوطن. لقد أسست المواطنة اللاتينية لجهاز مفاهيمي قوي: الحرية ـ القانون ـ العدل ـ النظام ـ المساواة.
وعليه تكون المواطنة: إنتماء الإنسان إلى بقعة أرض التي تشكل له الوطن الذي يعيش فيه بشكل ثابت، ويأخذ منه صفة المواطن الذي يتمتع بالحقوق ويلتزم بالواجبات التي يفرضها عليه انتماؤه إليه، وهذا ضرورة طبيعية لأن غاية الوطن في نهاية المطاف سعادة المواطن، التي هي أهم ركيزة لقيامه واستقراره.
من خلال هذا المقدمة نستطيع الولوج في الكشف عن بعض جوانب الضبابية في العلاقة بين الوطن والمواطن في المجتمعات العربية. إن قيام المجتمعات العربية منذ تأسيسها كدول لم تضع نصب قوانينها ذلك الفرد المؤسس لنشوئها، لا سيما ان عناصر اخرى خارجية لعبت دوراً مهماً في اختيار النظم والقوانين التي استبعدت بدورها الإنسان العربي من قائمة أولوياتها. لقد أسس المجتمع العربي بأيد غريبة عنه افردت لعوامل التقدم الاجتماعي أوراقا مزينة بشتى ألوان الحبر المزيف، التي كان من الممكن ان تجعل منه مجتمعاً انسانياً بكل أبعاد الوجود الإنساني.
في عصرنا الحاضر غاب عن القائمين والفاعلين بالمجتمعات العربية فعل استرداد الأساس القيمي الحقيقي للشخصية العربية، مما أدى الى تداخلات عديدة لا تمت للفهم المادي والقيمي والمجتمعي العربي بصلة، فكان الخاسر الأول هو الإنسان العربي بكل ما تحويه الكلمة من معنى. نلاحظ على الخارطة العربية عدم توفر التدابير البحثية الجدية التي ترتبط ارتباطاً وثيقاً مع المعطيات الأساسية للدولة، التي تشكل الحيز الجغرافي لما يسمى الوطن العربي، وبالتالي أصبح الحديث عن واقع الممارسة الفعلية للمواطنة في مهب الريح. لقد عرف الإنسان العربي حديثاً أن في وطنه نصوصا قانونية تضمن له العيش الإنساني الكريم بكل مقاييسه، لا سيما أنه أهم شرط من شروط المواطنة، يفيد هذا بأن هناك ما يسمى حقوق المواطن ضمن بنود الدساتير التي حددت له جملة من الإجراءات والاعتبارات في المجتمعات العربية، لكن الفرد في هذه المنطقة الممتدة من المحيط إلى الخليج لم يمارس واقعيا هذه الحقوق (المدنية، السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية، الثقافية) إنسانياً وعملياً، الأمر الذي أدى إلى انحسار دور المواطن في حماية عقده الاجتماعي، حيث توقف عن عملية البناء والتنمية الكلية للوطن الذي يقطنه، ومرد ذلك هو الخوف الذي عايشه الفرد العربي بكل مراحل حياته. لقد صبغ الخوف أفكار الإنسان العربي بلون أسود يصعب إزالته مع تقادم العمر عليه، المفارقة إنه تربى على أُسس قيمية ترقى بكينونته، هل نستطيع ان نلغي المرتكزات الأخلاقية التي أخذت شكل صيغة وراثية تميز بها الإنسان العربي منذ نشأته على بقعته الجغرافية؟ وبالتالي هل نستطيع أن نلغي المفاهيم والصيغ والطروحات عالية الرقي التي تناولها الدين الإسلامي بكل مستوياتها من حياة الانسان العربي في ما بعد؟ لقد أسس الإسلام أهدافاً في غاية الأهمية لخلق الروح الوطنية وتدعيمها، وعمل من أجل خلق أفراد متأصلين بمعارف قيمية تجعلهم متفاعلين مع المحيط الاجتماعي على اختلاف مستوياته، متساوين في الحقوق والواجبات، معتمدين على الفكر النقدي إذا صح التعبير في معالجة التحديات التي تواجه الدولة على أرض الواقع. وكان لهذا الإسهام النهوض بقيم المواطنة النشيطة عبر مسار يؤدي إلى تكوين أفراد يربطهم بالوطن ذلك الانتماء الديناميكي الذي يجعلهم في ذات الوقت يخدمونه بحب وسخاء ويحققون كرامتهم من خلال استقلاله وسيادته. وعليه…. إن وعي المواطن بحقوقه بشكل عام يفترض أن يسهم بترسيخها عنده فكراً وممارسةً، وإن غياب هذا الوعي، يستوجب وجود جهات معنية بهذا الاتجاه (مفكرين/ منظمات/ جمعيات….) تأخذ على عاتقها العمل لجعل المواطنة حجر الأساس لتعود بالرقي على مجتمعنا العربي، وعلى الضفة الاخرى أن يكون الإعلام الخاص الموجه هو المنبر الحر لإظهار منظومة القيم والمقدرات الذاتية لهذه الامة، معنوية ومادية، التي بدورها تشكل المفتاح للخروج من أزمة المواطنة، والسير بها لخلق فاعلية متكاملة بينها وبين الوطن، لتصبح العلاقة ناضجة تلغي ما سلف من الفشل الذي سيكون مقدمة نحو التأسيس لمجتمع عربي متألق بكل مناحي الحياة. د. عبير حبيب سلمان