المواطن السوري يخشي الارتجال والتخبط عند الأجهزة الأمنية

حجم الخط
0

المواطن السوري يخشي الارتجال والتخبط عند الأجهزة الأمنية

ميشيل كيلوالمواطن السوري يخشي الارتجال والتخبط عند الأجهزة الأمنيةعندما تصل فئة حاكمة إلي نهاية أيامها، فإنها تعجز عن فهم الواقع (كارل ماركس)، وتبدأ بالتخبط. وحين يصل التخبط إلي الجهة التي تمسك بمفاصل السلطة والمجتمع، فهذا يعني أنه صار قدرا لا راد له، ولم يعد مجرد أخطاء يقترفها أشخاص أو تقوم بها أجهزة.والتخبط صار اليوم سمة العصر السلطوي السوري الراهن، وهو يأخذ وجهين متكاملين: ـ الافتقار إلي رؤي وتاليا إلي سياسات شاملة تنظم عمل السلطة في مختلف القضايا والشؤون، وتجعله متسقا ومنسجما، لكونه يصدر عن جهة واحدة تعرف ما تريد، ولا يصدر عن جهات كثيرة ترتجل سياسات متناقضة أو متعارضة، فلا يخترق عملها خط واحد له حد مقبول من القدرة علي التعاطي مع الواقع، وفيه شيء استباقي، يستشرف ما هو محتمل ويقدم ردودا وأجوبة مسبقة عليه، تفصح من جهة عن سوية أصحاب الأمر وعن نمط وعيهم، ومن جهة أخري عن موقفهم من زمانهم وما يطرحه عليهم.ولا مبالغة في القول: إن سورية تبدو اليوم كسفينة يمسك بكل شأن من شؤونها ربان مختلف، أو كسفينة لم يتفق قباطنتها علي طريقة إدارتها، لذلك يفعل كل واحد منهم ما يحلو له، دون النظر إلي ما يفعله غيره، ودون تنسيق معه. ـ النزعة التدابيرية، وهي تعبير عن انتهاج سياسات أقرب إلي إجراءات محدودة زمانيا ومكانيا منها إلي نهج وسياسة تصدر عن مركز واحد، لذلك تراها تتصل دوما بقطاع أو بحدث منفرد أو جزئي، وتفتقر إلي ما يشغل آلة السلطة من نسق جامع، وتجعل السلطة تبدو وكأنها فقدت السيطرة علي شؤونها والشؤون العامة.بما أن هذه الظاهرة كانت ملحوظة في الحقب الأخيرة من حياة النظم الشمولية، فإنها ليست شيئا خاصا بالنظام السوري، وليست أمرا طارئا عليه، بل هي ظاهرة ثابتة وتتفاقم، لا بد من التوقف عندها ودراستها، بسبب المخاطر الكثيرة التي قد تنجم عنها بالنسبة إلي الدولة والمجتمع، خاصة وأنها تقيم عالمين سياسيين فيهما : عالم سياسة خارجية يتصل بالمركز الرئاسي، الذي يبدو وكأنه يغترب أكثر فأكثر عن الداخل السوري، مع أن تدابيره الخارجية تظهر وكأنها تنم عن اتساق ما، بغض النظر عما إذا كانت صحيحة أم خاطئة، وعالم سياسة داخلية يتصل بالأجهزة، يسوده التخبط والارتجال وتهيمن عليه النزعة التدابيرية، التي بلغت في الآونة الأخيرة حدا مقلقا، كما يتبين من مثال وقع قبل أيام قليلة، عندما استدعت إحدي شعب المخابرات النائبين السابقين رياض سيف ومأمون الحمصي إلي لقاء مع أحد مسؤوليها. في اليوم التالي، قابل المسؤول رياض سيف وتناقش معه حول أوضاع البلد، وقدم له رؤية الأمن لما يجوز وما لا يجوز، وسمع رأيه في المسائل المطروحة، وعلم منه أنه يريد تأسيس حزب، في إطار قانون الأحزاب، وأنه سيتبع النهج السلمي في التغيير الديمقراطي، ولن يتنازل عن الحقوق التي يمنحه إياها الدستور، سواء علي الصعيد الشخصي أم في ما يتعلق بالحق في ممارسة العمل العام . بعد ظهر اليوم التالي، جاء عناصر الأمن واعتقلوا مأمون الحمصي، الذي لم يقبل الدعوة، وأخذوه إلي المخابرات، حيث بقي ساعات قليلة عاد بعدها إلي بيته . ثم، رجع الأمن في الفجر لاعتقال النائبين السابقين، وبما أنه لم يجد مأمونا في بيته، فقد أعتقل أحد أولاده، الذي بات في الفرع بمعية رياض سيف إلي صباح اليوم التالي، عندما أعيدا في العاشرة إلي منزليهما. وكان الأمن قد اعتقل قبل ساعات من ذلك الزميل نجاتي طيارة علي الحدود مع الأردن، عندما كان في طريقه إلي ندوة موضوعها القوانين الناظمة لعمل الأحزاب والجمعيات في بعض البلدان العربية، واستدعي الشاب عمر العبد الله – ابن علي العبد الله – فجاء استدعاء ثم اعتقال النائبين السابقين ليشير إلي تكثيف حملة التخويف المنظمة والمدروسة، التي تشنها المخابرات منذ أشهر ضد المعارضة والرأي الآخر. إلا أن ما حدث ما لبث أن أقنعنا بعدم وجود سياسة أو موقف مدروس لدي الأمن، وإلا لما كان اعتقل نجاتي وأطلق سراحه في اليوم التالي، مع أن دورية أمن أحضرته من الحدود إلي دمشق، في سابقة لم يقع ما يماثلها منذ وقت طويل، ولما كان قد تم كذلك استدعاء رياض ومأمون واعتقالهما وإطلاق سراحهما ثم اعتقالهما وإطلاق سراحهما خلال أقل من أربع وعشرين ساعة، تخللها استدعاء هاتفي وحوار واعتقال وإطلاق سراح وغارة ليلية واعتقال وأخذ رهينة فإطلاق سراح جديد، علما بأن هذا الارتجال حدث في لحظة غير ملائمة بالنسبة إلي النظام والأمن هي وجود مندوب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في دمشق، الذي أعلن قبل ساعات من عمليات الاعتقال، وخلال ندوة عقدت في فندق الشام حول حقوق الإنسان في سورية، أن الحاضرين في الندوة، ومنهم الزميل نجاتي، يتمتعون بحماية الأمم المتحدة، وأن عليهم قول آرائهم بحرية دون أن يخشوا شيئا! ثمة شعور بالارتياح شاع في البلد، بعد إطلاق سراح زملائنا. لكن شعورا بالقلق انتاب المواطنين، الذي يخشون اتساع نطاق الارتجال وخروجه عن السيطرة وتحوله إلي انفلات لا ناظم له، هو آخر ما ينقص سورية المهددة في الخارج، الحائرة في الداخل، التي تحتاج أكثر ما يحتاج إلي نظام يعمل بتعقل وروية وانفتاح علي الآخر، ولا تحتاج إلي أجهزة تتخبط، يمكن أن يتحول ارتجالها في أي وقت إلي بطش بالشعب، هو بين الأخطار، التي تهدد اليوم البلد، أفظعها. يعرف المواطنون السوريون أن النظام لم يعد قادرا علي شن حملات قمع واسعة النطاق، وأن هذه ستكون آخر تدبير يلجأ إليه، قبل انهياره . لهذا السبب، لا تخيف عمليات الاعتقال المتفرقة، والوقتية، المعارضة أو الناس العاديين، مع أنها تتحول أكثر فأكثر إلي عمليات تكشف كم صارت محدودة قوة النظام القمعية، التي لم تعد تتصل بقدرة وضخامة أجهزته الأمنية، التي لا شك فيها، بل بوضعه العام، الذي لم يعد مؤهلا لشن حملات شاملة كهذه. لماذا يسمح النظام لأجهزته بتطبيق تدابير ارتجالية تضر به لدي الرأي العام العالمي وفي الداخل السوري؟ ولماذا لا تقرر قيادته وقف عمليات الاستدعاء والملاحقة والتوقيف والاعتقال، إذا كان عائدها السياسي أقل بكثير من جدواها الأمنية، وكان من الضروري التخلي عنها، ليس حبا بالشعب، بل حرصا علي سمعة نظامها، الذي يقوم بهذا كله كي يثبت أنه طليق اليد، فيثبت في كل مرة العكس، ويتأكد أنه لم يعد طليق اليد بأي حال من الأحوال؟ 9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية