المواطن العراقي ينحر قربانا لامتيازات الاحتلال

حجم الخط
0

هيفاء زنكنة

نشرت مجلة ( لانسيت) ذات السمعة العالمية في مجال نشر البحوث العلمية، المتميزة، نتائج آخر بحث علمي قام به معهد جون هوبكنز بلومبرغ، الامريكي للصحة العامة، لمعرفة عدد ضحايا الحرب علي العراق منذ بدء الغزو عام 2003 وحتي الآن.

وكانت نتيجة البحث الذي توخي فيه المعهد أكثر الطرق العلمية دقة وتمحيصا ان عراقيا واحدا قد قُتل؟

من بين كل 40 منذ الغزو الأمريكي للعراق. وان حصيلة الضحايا هي 655 ألف حالة وفاة.. وقد أثار نشر البحث ونتائجه ضجة صحافية رافقت، بالدرجة الاولي، سيرك تصريحات الرئيس الامريكي جورج بوش السياسية وما تلاها من ترنيمات جوقة عملاء الاحتلال في سيرك الكذب. المعروف ان الضجة الاعلامية نابعة من وجود جهتين. الجهة الاولي هي صاحبة البحث العلمي باحصائياته المريعة المتوقعة من قبل مناهضي الحرب والاحتلال. الجهة الثانية هي ادارة الاحتلال الانجلوامريكي التي ثابرت، منذ بداية الغزو، علي الاعلان مرارا وتكرارا بانها لاتهتم اطلاقا باحصاء القتلي. وهي تعني، بطبيعة الحال، الضحايا من العراقيين وليس الامريكيين او البريطانيين. ولعل اشهر تصريح في هذا الصدد هو للجنرال الامريكي توني فرانكس، قائد القيادة المركزية للشرق الاوسط، القائل ( نحن لانحصي الجثث) في جوابه علي سؤال احد الصحافيين عن عدد ضحايا الحرب علي العراق. الا ان الامور تغيرت علي مدي الاعوام الثلاثة الاخيرة، حيث قامت بعض الجهات الاكاديمية المستقلة بمهمة احصاء عدد الضحايا وبأساليب مختلفة انعكست بدرجات متفاوتة علي النتيجة النهائية. وبقيت احصائية نتيجة البحث الذي نشرته مجلة لانسيت سابقا هي المرجع الافضل الذي دفع ادارة الاحتلال الي الاذعان، اخيرا، وقبول الاعلان عن عدد الضحايا بعد اجراء تخفيضاتها الخاصة عليها. هكذا، أصبح عدد الضحايا العراقيين موضوعا للمزايدة والمناقصة، من قبل ادارة الاحتلال، أكثر منه اهتماما بالضحايا انفسهم أو بالتساؤل عن اسباب ومبررات قتلهم او الدوافع الاخلاقية او الانسانية المبررة لسلبهم حقهم في الحياة وتغييب كل ما يمس جوهر الوجود الانساني. وقد عادت نتيجة بحث مجلة اللانسيت العلمية من جديد الي اضواء المهاترات السياسية اثر نشرها اعداد الضحايا المخيفة أخيرا، وهي ارقام، نعلم جيدا بانها الاقرب الي حقيقة ما يجري في العراق، من مجازر مرعبة تمس الضحايا وحياة اهاليهم. وتستهدف وحدة الشعب العراقي وأثمن ما لديه أي حياة ابنائه. وهي ارقام يعرف بوش وادارته بانها الاقرب الي حجم جريمة الابادة التي تتحمل قواته مسؤولية حدوثها. ومع ذلك سارع بوش الي التشكيك بصحتها. ولن اتحدث هنا عن اسراع بوش، حال نشراحصائية البحث، الي عقد مؤتمر صحافي انبري فيه للتشكيك بالنتائج المعلنة.

؟ فالرجل هو رئيس الدولة المحتلة للعراق. ووطنيته واضحة جدا وصادقة وهي لصالح امريكا والمواطن الامريكي اولا وأخيرا. وهو الذي ساهم في تشريع قانون الوطنية المشهور الذي ينص علي معاقبة كل من يتعرض بالاساءة الي الروح الوطنية الامريكية او يخونها. وبوش، باعتباره القائد الاعلي للقوات المسلحة، يتحمل ايضا مسؤولية المحافظة علي سمعة الجيش الامريكي بأي شكل كان وبأي اسلوب متاح بضمنه الكذب والتضليل. وهو أمر مشروع في الاعراف الدولية. أليست السياسة، كما يخبرنا البراغماتيون، هي فن الممكن؟ فمن واجب الرئيس وسياسي الحكومة القيام بكل ما هو ممكن دفاعا عن مواطني البلد. ومن غير المتوقع، اطلاقا، من السياسي او اي مسؤول حكومي امريكي القيام بأي عمل انساني او اخلاقي تجاه المواطن العراقي، ابن البلد المحتل، لان ولاءه بالدرجة الاولي مكرس لابناء بلده، وواجبه ومسؤوليته ان يوفر لهم الامان والاستقرار والحماية اللائقة بهم كمواطنين. خاصة ان رسالة الاحتلال واضحة المغزي مفادها محاربة الارهاب في العراق حماية لسلامة المواطن الامريكي حصرا. ويتجلي اخلاص الرئيس بوش لمواطنيه، واعتزاز مسؤولي الادارة الامريكية بابناء الشعب الامريكي في اعتزازهم بجنودهم وتكريمهم، وبالدرجة الاولي اعطاء كل جندي يقتل في العراق مساحة التكريم اللائقة به. اذن، ليس هناك مايستوجب الاستغراب والكتابة اذا ما اسرع بوش للتشكيك بصحة البحث ونتيجته. ما يستوجب الكتابة هو نفي الناطق الرسمي باسم حكومة المالكي المدعو علي الدباغ ما ورد في تقريرمجلة لانسيت حول ( عدد الضحايا الذين سقطوا في العراق في الفترة من اذار عام 2003 ولغاية تموز الماضي). واضاف الدباغ في تصريح صحفي ( ان الاعداد التي اوردها التقرير تعطي ارقاما مضخمة بطريقة تخالف ابسط قواعد التحري والدقة المطلوبة من قبل معاهد ابحاث يفترض فيها ان تكون رصينة وتحترم القراء. ان هذه الارقام بعيدة كل البعد عن الحقيقة. وان الحكومة العراقية تجهد في ان تحمي المواطن العراقي من الجماعات المسلحة التي تستهدفه). وهو تصريح ببغائي يتطابق حتي الان مع كل ما فعلته حكومات الاحتلال بانواعها وفتراتها الزمنية المختلفة من حكومة علاوي مرورا بالجعفري وانتهاء بالمالكي. فهل فهم ( الدكتور) الناطق طريقة البحث قبل ان يتهمها بالتضخيم؟ فلنوضح له باسلوب بسيط. أولا: ان طريقة البحث هي ذاتها التي اتبعتها الادراة الامريكية في حساب الضحايا في رواندا والبلقان. بينما تنفيها الان. كل الباحثين في هذا الجانب يعتبرونها طريقة موثوقة والتشكيك فيها فعل سياسي لا غير. ثانيا: تعتمد الطريقة علي نماذج في جميع المحافظات العراقية حسب عدد السكان. وجمع المعلومات تم بالمقابلة المباشرة وطلب رؤية شهادة الوفاة. ثالثا: هذه الطريقة المسماة بالايجابية اثبتت ان الاعتماد علي الطريقة السلبية أي تقارير المستشفيات والطب العدلي تبين ربع او خمس الارقام الحقيقية. ولايمكن الاعتماد عليها لان الحكومة العراقية منعت المستشفيات والطب العدلي أساسا من نشر عدد الضحايا. وقد سارع الناطق للتشكيك بالتقرير محاكاة لتصريح بوش المشكك بصحة البحث ومصداقية المجلة العلمية، لاسباب سياسية تخدم مصلحة بلده، بينما قام الدباغ بتحويل الضحايا العراقيين الي مجرد مناوشة اعلامية، بدلا من الدفاع عن حق الضحايا في الحياة والتساؤل عن سبب قتلهم والمطالبة بتوفير الحماية لهم من قبل انواع الارهاب المستشري في العراق حاليا، واوله ارهاب الاحتلال وثانيه ارهاب ميليشيات ما يسمي بالحكومة العراقية. لماذا؟ لانه ناطق باسم حكومة لاتزيد عن كونها واجهة للاحتلال ولاتمثل الشعب العراقي. وتبقي في النفس غصة، تدفعني الي طرح سؤال بسيط، وهو: لماذا لم يتعلم سياسيو الاحتلال من بوش وطنيته وحرصه علي حياة ابناء شعبه وسلامتهم؟ لماذا لم يتعلم ابناء الاحتلال من المحتل غير قتل ابناء جلدتهم واهانتهم والاساءة اليهم؟ لماذا لم يتعلموا الحرص علي وطنهم ومواطنيهم؟ كيف يبرر الناطق الرسمي اختطاف اهلنا وتعذيبهم وذبحهم وتقطيع رؤوسهم؟ ألا يعلم بان عدد من قتل من مواطنينا، في ظل حكومات الاحتلال ( الديمقراطية النزيهة الشفافة المنتخبة ) يُمثل 2.5 بالمئة من عدد السكان في العراق؟ اذا لم تكن حماية المواطن واحترام كرامته وتوفير الاساسيات المعيشية له هي صلب عمل الحكومة، فما هو عمل الحكومة؟ ما هو الثمن الذي يجب ان يدفعه المواطن العراقي للسياسيين الناطقين باسم الاحتلال وميليشياتهم وحراسهم الامنيين ليطمئن علي سلامته وسلامة افراد عائلته؟ الصحافي يقتل لكي تخنق الحقيقة في مهدها، لئلا تنشر اخبار الانتهاكات والتعذيب والتلذذ بارتكاب الجريمة. الاكاديمي يقتل لكي يسود الجهل. ليصبح الجيل المقبل عبدا يسهل تطويعه. كل من ينطق بكلمة حق يقتل لكي يتم وأد الحق والحقيقة ويبقي التضليل المعمم وحاسر الرأس منتشرا كالوباء. ماهو عدد الضحايا المطلوب لكي يستفيق ولو مسؤول واحد من سبات عبوديته فيستقيل من وظيفته؟ أي رقم يجب ان يصل عدد القتلي من أهلنا ليشعر ابناء الاحتلال بتأنيب الضمير والتصريح بانهم ارتكبوا خطأ بحق المواطن العراقي، ليعترفوا بانهم يتحملون المسؤولية وليطلبوا الغفران من شعب يساهمون يوميا بنحره قربانا لامتيازاتهم المرتبطة بالاحتلال؟ 9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية