د. حسين علي شعباناعادت الثورة العربية العلاقة بين المواطن والوطن الى صدارة مكانتها بعد ان احتكر تفسيرها الحكام باختلاف القابهم. فبذريعة ‘مصلحة الوطن العليا’ فرض الحكام ‘حالة الطوارئ’ التي كمت الافواه ومنعت حق التظاهر، الاضراب. اعتبر الحاكم حق التعبير عن الرأي خيانة عظمى ان لم يكن في خدمته ولصالحه. منح الحاكم نفسه صلاحيات مطلقة، فراح يتلاعب بالحياة النقابية، الحزبية والحركة الاجتماعية وفق غرائزه. جعل الدستور مطيته يعبث به ويعدله وفق نزواته. جعل الحاكم من الوطن ومؤسساته فرعا لعائلته فراح يعد الابناء لوراثة منصبه وانجب من حالفه الحظ منهم من البنين بعدد الوحدات العسكرية وابتاع لنفسه امعات من كبار العسكريين، الاقتصاديين، الفلاسفة والاعلاميين. انبرت هذه العصبة لتخليص الحاكم من كل من لا يطأطئ رأسه وفقا لطقوس الفساد. مثقفون كبار ومن كافة التخصصات تحولوا الى مداحين للحاكم كما في البلاط كذلك على شاشات البث الفضائي ووسائل الاعلام المقروءة والمسموعة. خزينة الدولة وايراداتها، الثروات الوطنية؛ كل ما على سطح الارض وباطنها تحول الى ملكية شخصية للحاكم. التبعية وخدمة المصالح القومية للدول الكبرى اصبحت المعيار والمقياس الاول والاخير لشرعية الحاكم. خلال عقود قليلة تحول الوطن العربي الى مزارع يملكها ضابط او شيخ عشيرة ضعيف النفس تسلل الى الحكم. ام الدنيا، مصر مثال صارخ: الفريق سعد الدين الشاذلي، رئيس اركان الجيش المصري وصاحب معجزة العبور وتدمير ‘اسطورة خط بارليف’ تخلص منه الحاكم بنقله سفيرا الى الاندلس. عمرو موسى، وزير الخارجية الموقر اقصاه حاكم الغفلة عن الوزارة التي استردت حزمها في عهده فاحبه الشعب المصري واشتهر اثرها شعبان عبد الرحيم باغنيته ‘انا بحب عمرو موسى وبكره اسرائيل’. الدستور السوري جرى خلال سويعات تعديله ليرث بشار والده الذي جاء بانقلاب الى الحكم. على مدار ثلاثة عقود فشل حافظ الاسد في استعادة اوتحرير الجولان فارتد الى استراتيجية خط التنازل الهابط لحزبه: ‘التوازن الاستراتيجي’ ، ‘التصدي والصمود’، ‘خيار السلام الاستراتيجي’ واخيرا ‘دولة الممانعة’. لكن الاسد أبلى في تدمير مدينة حماة وغزو لبنان وضرب الحركة الوطنية اللبنانية والفلسطينية قبل ان يتخذ من ايران حليفا استراتيجيا يستقوي بها على شقيق. ابتدع مشرع الاسد جريمة ‘خدش الشعور القومي’، ‘الاساءة الى الحس الوطني’ وغيرها من اوهام ضمها الى جرائم الخيانة او الاتصال بالعدو الذي اغتال كبار القادة وانزل وحدات عسكرية لنسف مؤسسات وطنية واستباح طيرانه الحربي قصر الرئاسة في اللاذقــــية. النتيجة المتحققة؛ تدفق التفاح المستورد من الجولان المحتل بشاحنات الامم المتحدة الى اسواق دمشق وحلب، وتطوع الجماعات الامنية اقامة غوانتنامو دمشقي يتولى تعذيب مواطنين اصولهم سورية خدمة وبالنيابة عن وكالة المخابرات المركزية الامريكية. الجزيرة العربية كما عرفت عبر الازمان، قزمها الحاكم لتصبح فردا في عائلته ثم تفرغ واقرباؤه يتنافسون اخصاب مئات بل آلاف النساء لضمان الولاء وبقاء الوطن وثرواته اسير كنيته.
ثم افاق الحاكم على حقوق المرأة وادرك انه ‘ خلق من امرأة’، وان المرأة زوجته’، ‘المرأة اخته’ الى آخر الاكتشافات والتفسيرات الخرقاء لحقوق المرأة التي انسابت بشكل متزامن ورعايته تمويل الصندوق الاحدث للأمم المتحدة ‘محاربة الارهاب’. ألم ثبتت الوقائع ان الارهاب براءة ملكية (تمويلا) بيت ابيضية (تدبيرا) وان مواطني المملكة هم الاكثر تورطا في الارهاب الدولي.
لكل حاكم عربي حكاية تتفرد بغرابتها، حتى الرئيس الفقير محمود عباس ابو مازن الذي تعتاش حكومته على فتات المساعدات الخارجية، انشأ باسمه صندوقا لدعم المحتاجين. طغى الظلم والفساد على جميع مناحي الحياة العربية، وكاد المواطن ان يفقد الامل بعد ان اتسعت السجون واهينت تهمة الخيانة، فجهزت مراكز التعذيب واعدام المواطنين في صمت على يد شبيحة وبلطجية السلطان الفالتين من القانون، رقاب المشرعين طأطأت واستعار القضاة من الببغاء لسانه، فاطمأن الحاكم وامر بابعاد الشعب عن محضره وطريقه الا لحالات الاستخدام الشخصي.
لم يستسلم الكبار فراحوا يلقنون ابناءهم واحفادهم الدروس والعبر؛ فأوقد البوعزيزي في تونس الخضراء بجسده ثورة دشنت عصر الاستيقاظ العربي. في تونس تضافرت الاجيال والطبقات والفئات الاجتماعية المكونة لجسد الوطن. شيبا وشبابا، نساء ورجالا، اغنياء وفقراء، عسكريين ومدنيين طقت اعصابهم بجرائم زوجة رئيس العار الذي فر في ليلة ظلماء. في مصر، فجر فجور العسس بعد تنكيلهم بالشاب محمد سعيد حريق مصر، واذا بواقعة الجمل تتحول الى محاكمة النائم على سرير المهانة. هزمت ثورة اليمن الاباطيل والاضاليل التي تطاولت على قيم وارث القبيلة والعشيرة. اعاد ثوار تعز وصنعاء وعدن والحديدة المتشبثين بسلمية الثورة للقبيلة والعشيرة امجادها. فاذا بأهم مكون في حياتهم وحضارتهم أي السلاح الذي تتمنطق به خصورهم وتصونه قبضاتهم وتحتضنه اكتافهم عصي على مكائد الحاكم. استعاد نوبل مكانته واحترامه عندما منحت جائزته لمواطنة يمنية؛ فذهبت الجائزة واليمن بماء وجه مزورين ادعوا باطلا ان العرب والاسلام يسيئون معاملة المرأة. اثبت اهل اليمن ان تقاليد وحكمة شيوخ القبائل أنصع من أن يسيء اليها غزاة نكرة ووكلاؤهم المحليين. في سوريا اذكى اطفال حوران لهيب الثورة على الطغيان فاذا بحماة، حمص، القامشلي، البوكمال، اللاذقية، تل كلخ، القدم واحياء دمشق تهب هبة رجل واحد في وجه الطاغية الذي يصر على تكرار فعلة اسلافه وزملائه المارقيين. باختصار اعاد المواطن العربي للوطن هيبته، وللحضارة العربية ولغتها امجادهما. مفهوم الوطن واسع ومنفتح على تفسيرات وتأويلات جمة تتمحور وتتفق جميعها على ان الوطن هو المكان الذي ولد وعاش فيه الانسان. ولعلها حجة لا تقبل اجتهاد المفسرين؛ بأن اعذب اللغات الى قلب الانسان هي تلك التي سمعها والفها لحظة ولوجه الحياة. استدعيت للترجمة قبل عدة سنوات لمريضة عاشت معظم حياتها في المهاجر. طلب الاطباء ان ادخل عليها واحدثها بلغتها الام. صدم الاطباء بردة فعلها والبهجة التي عمر بها محياها بعد سماعها لغتها الام. بعد صمت طويل خرج صوت المريضة متهدجا يسألني ان كنت انتمي الى المدينة التي ولدت فيها. درس معبر لكل من يستبدلون مخطئين ويتباهون مضللين لغة اجنبية بلغتهم الام. ثلاثة لا يستبدلهم الا أحمق: الام، اللغة والوطن. فمهما اجاد المرء من لغات تبقى لغة الام والام نفسها والوطن المنشأ الاقرب الى قلبه وعقله وضميره. الوطن بالمعنى القانوني: مكان تحترم وتقدس فيه الذات الانسانية. مكان يأمن الانسان فيه على سلامته، كرامته، اهله، رزقه و ماله. مكان يعيش فيه الناس بمساواة تامة وتحت حكم قانون واحد؛ لا احد فيه فوق القانون. مكان لا مكان فيه لسلطة الفرد المطلقة او الأبدية (وتلك الايام نداولها بين الناس) ولا قدسية فيه لفرد مهما علا شأنه في منصب ( لو دامت لغيرك ما وصلت الك). الوطن بالمعنى الحقوقي: مكان يضمن للمرء سكنا لائقا وعملا يضمن له اجرا عادلا. مكان يقدم رعاية صحية للجميع وخدمات تعليمية اجبارية للاطفال وجعل التعليم والعلم في متناول الجميع. مكان يفكر فيه المرء بصوت عال، فتحترم رغبته ورغبة الجماعة فيه. الوطن مكان يعيل القاصر، العاجز، والبطال واصحاب الحاجات الخاصة. الوطن بالمعنى الامني: هو المكان الذي ترتاح اليه النفس ويطمأن اليه وفيه الجسد. مكان لا يعتبره رجال العسس (الشرطة والامن) اقطاعية لهم. مكان لا يجرؤ فيه العسس على خرق القانون او اساءة معاملة انسان. الوطن هو بيت له قدسيته وكرامته لا يجرؤ العسس دخوله الا نهارا وبتفويض مكتوب وممهور بختم قاض مرموق. الوطن هو حيث الحاكم في خدمة المواطن.
الوطن بالمعنى الاخلاقي: مكان تحترم فيه القيم الحضارية والتقاليد، وحيث تعجز ينتصر القانون؛ قانون تصنعه الاغلبية، قانون يتبدل ويتغير مع تغير الاجيال. الوطن مكان لا يسمح فيه لضعاف النفوس بتمرير مآربهم، مكان يعاقب فيه باشد العقوبات كل من اساء استخدام سلطة انتخب اليها او وظيفته انتدب لها، الوطن مكان لا يتسامح ولا يتغاضى عن الراشين والمرتشين، الوطن مكان يأنف التملق والتزلف. الوطن في العلاقة مع الآخرين: لا يقبل بأقل من السيادة التامة والكاملة لحكامه ومؤسساته، لا يقبل مساعدة غريبة. وطن يتحد حكامه واهله وقت الحروب والنكبات. يستمد حكامه سلطاتهم من ثقة وطاقات وموارد مواطنيهم وبلدهم، المواطن هو ثروتهم الحقيقة. الوطن مكان يقيم حكامه علاقاتهم الخارجية انطلاقا من مصالح المواطنين. فـطلب او القبول بـ ‘المساعدات’ (باستثناء وقت المحن والكوارث الطبيعية) ينتقص بشكل عام من مكانة وهيبة المواطن والوطن. في حين تنتقص ‘المساعدات’ المشفوعة بنصائح او مقرونة بشروط اقتصادية او مالية من سيادة واستقلال الوطن والمواطن. حكام الوطن: هم اولئك الرجال والنساء العقلاء، الحكماء المتواضعون من اهل الاقتدار الذين يختارهم الشعب لادارة مصالحه وشؤونه. وهنا لا بد من التذكير ان لا رأي لجائع، لا رأي لمحتاج، لا رأي لمظلوم، لا رأي لمتألم الا بعد ان ينال كل مواطن حاجته ومبتغاه بالعدل والقسطاس. لاحظ كاتب هذه السطور ان المسنين من اللاجئين الفلسطينيين الذين يصابون بمرض الزهايمر (الخرف) يستيعدون بذاكرتهم تفاصيل حياتهم في فلسطين فيسردونها بتفاصيل وطريقة مشوقة وكأنها وقعت بالامس القريب. يخلص المستمع الفطن الى ان الزهايمر في حالة الفلسطيني الذي فتك به الحنين والشوق الى وطنه ليس الا تنشيطا للذاكرة الهرمة التي اعياها الانتظار. انه سحر الوطن الذي سرقه سحرة فرعون من اهله خلسة.’ باحث فلسطيني يقيم في بريطانيا