تحظى ثيمة الموت باهتمام بالغ في الأدب شعرا ونثرا. ولم ينحصر حضور ثيمة الموت في الأدب باعتباره حدثا وحسب، بل غدا، في كثير من الأعمال الأدبية، بؤرة سؤال فلسفيّ يحيل إلى قضايا ذات طابع وجوديّ، يتصل بعلاقة الإنسان بمحيطه الطبيعي والبشريّ. وإذا كان الموتُ، في أبسط تجليّاته، انتقالا من وجود إلى «عدم» من حالة حضور إلى حالة غياب، وحدثا يخلّف أثرا دالا على وضع إنسانيّ ما، فإن الحمولة الدلالية للموت قد تجاوزت، في الكتابة، معنى الموت ذاته، لتتخذ دلالات رمزية تتداخل في التعبير عنها مستوياتٌ لغوية عديدة: معجمية وتركيبية ودلالية وتداولية وبلاغية، لذلك ارتأينا أن نُسائل صيغة الموت في الحضور داخل متن ديوان الشاعر المغربي يونس الحيول «ترويض الندم» الصادر في طبعته الأولى عن مؤسسة أروقة للدراسات والترجمة والنشر في القاهرة، سنة 2014.
الموتُ بدلالة مَقام الخطاب:
يعني مقام الخطاب، كما ورد عند أسوالد ديكرو وتزفيتان تودوروف في المعجم الموسوعي لعلوم اللغة، ضمن الفصل الخاص بمقام الخطاب، الصادر عن دار (Seuil) في طبعته الأولى، سنة 1972 «مجموع الظروف التي يتم في إطارها فعل التلفظ، سواء كان مكتوبا أو شفويا؛ ونعني بالظروف: المحيط الفيزيائي والاجتماعي، والصورة التي يحملها المتحدثون عن هذا المحيط، والمواقف التي تسبق فعل التلفظ»؛ ومسوغات اعتبار المقام في تحليل الخطاب مرجعها إلى أن «تأويل فعل التلفظ يستحيل إذا ما اعتبرنا فقط الملفوظ المستعمل وتجاهلنا كل ما يرتبط بالمقام، حيث لا نستطيع معرفة أسباب ونتائج التلفظ، بل وأكثر من ذلك، لا نستطيع وصف القيمة الأصلية للملفوظ بشكل صحيح، ولا حتى المعلومات التي يُبَلِّغها». من هذا المنطلق نتوجه إلى استقراء دلالة مقام الخطاب في بعض مقاطع الديوان، التي تتوحد في التعبير عن مشهد عام يحيل مقامه إلى معنى الموت بدلالة ظروفه ومكوناته؛ وأبلغ ما جاء به الديوان، في هذا السياق التعبيري، مقام الحرب، الذي تدل عليه الشواهد الآتية:
تصنعون ألغاما في هيئة العصافير.
في آخر النهار أتخيل أني على الجبهة.
أحصي خراطيش الرصاص.. أدهن الماسورة.
أكمن خلف سروة.. أتحسس الزناد.
تحبو فيالق الخسارة المدربة على اقتفاء الألم.
طائرات ورقية تقصف بجعا كثيرا.
ثبت الهدنة مع فيالق الصمت.
لا الحرب انتهت، ولا الرصاصة في فوهة البندقية.
أحشو الرئتين بالنيكوتين.. أصوب إلى أبعد نقطة.
أتخيل أزيز الطلقات.
هذا الهلام تشتبك على حوافه ميليشيات الندم
تبدو هذه التراكيب مثقلة بهموم الحرب والقتال، وكأننا بالشاعر يعيش حالة صراع نفسي تجعل من الديوان ساحة معركة حقيقية؛ فإذا ما تأملنا الحقل الدلاليّ المهيمن فيها، نلفي العديد من الألفاظ والعبارات المستمدة من معجم الحرب تسود حضورها، باعتبار مجموع الوحدات اللغوية، التي تتألف منها هذه التراكيب، ما يؤدي إلى تكثيف المعاني في اتجاه معنى الحرب والقتال أولا، ثم في اتجاه معنى الموت ثانيا؛ فلنتأمل هذه الألفاظ: (ألغام، الجبهة، خراطيش، الرصاص، أدهن الماسورة، أتحسس الزناد، الخراب، فيالق، تقصف، الهدنة، الحرب، فوهة البندقية، أحشو، أصوب، أزيز الطلقات، ميليشيات) إنها الحرب إنسانا ومكانا وأفعالا وأدواتٍ؛ فإذا ما أعدنا تصنيف الألفاظ والعبارات، سنجد الحرب حاضرة بدلالة لفظها؛ و(جبهة) القتال، تفيد في معجم المعاني الجامع معنى «خطوط المواجهة بين جيشين» أي أنها دالة على مكان محدد من ساحة المعركة، هو موقع اللقاء المباشر بين الجيشين؛ بينما (أدهن الماسورة) و(أتحسس الزناد) و(تقصف) و(الهدنة) و(أحشو) و(أصوب) هي أفعال مرتبطة بما يقوم به الجنود أو الآليات خلال المعارك والحروب؛ وتحيل (الميليشيات) إلى «جماعة مسلحة» و(الفيالق) إلى «الكتيبة العظيمة من الجيش» بمعنى أننا أمام الإنسانِ محارباً؛ وما تبقى من ألفاظ (ألغام، خراطيش، رصاص، طلقات، البندقية) هي أدوات الحرب وآلياته؛ ولا حاجة إلى كثيرِ توضيح للعلاقة الوطيدة بين الحرب والموت، فمقام الحرب هو مقام قتال وقتل، ينشر الخراب، الذي يخصبه «صوت اليعاسيب» كما رود على لسان الشاعر، وتجعل «الهواء مثقلا بروائح الموت»؛ وهنا تنضاف دلالة المقام بالدفع في اتجاه سيادة معنى الموت في قصائد الديوان، باعتباره مؤشرا دالا عليه؛ وإذا كانت القاعدة الفقهية تقول: «الدال على الخير كفاعله» فإن الدالّ على الموت لن يكون إلا موتا.
الموت بدلالة الاستلزام:
الاستلزام، كما ورد في مؤلف «اللغة والمنطق» لأبي بكر العزاوي، هو «علاقة تقوم بين حدثين، أو بين قضيتين، بحيث ينتج الثاني عن الأول بشكل ضروري وحتمي»؛ بمعنى أننا سنبحث في متن الديوان عن قضية أو حدث، يُفترض أن يكون نتيجة حتمية لحدث سابق عنه هو واقعة الموت، والموت بالمقابل يُفترض أن يكون سببا لحدث متضمّن في خطاب الشاعر؛ وقد ألفينا العديد من السياقات اللغوية يمكن اعتبار الموت فيها دلالة استلزامية تُستفاد من ملفوظها، في ما يأتي نماذج منها:
أغني مع ويتمان: (متع الجنة معي وآلام الجحيم معي)
مزاجي سيئ، وقلبي الليلة في حداد.
أيتها المسرات اليتيمة، حياتي في مكان بعيد.
ورثتُ أنا خراب العائلة.. ميراثي ثقيل.
أتخيل الورود مبللة على قبري.. وأبكي.
لا ميراث قد يغري طيور أرواحنا.
لا تكتب الوصية.
دمعة يتيمة.. تغدو محيطا لخطايا الأصدقاء.
أنجو بنظرتي الكابية التي تصلح للحداد.
الشراشف ترتدي شارة الحداد.
بدلالة المنطق العقلي والعرف المجتمعي، لا يمكن الحديث عن العديد من الوقائع والأحداث إلا بعد تحقق وضعية الموت، وهو ما نقف عليه متضمنا في متن هذه الشواهد: (الجنة، الجحيم، حداد، اليتيمة، ورثتُ، قبري، ميراث، الوصية)؛ فالحديث عن الجنة والجحيم، هو حديث عن مآل الإنسان ما بعد الموت؛ والحداد، الذي تكرر في ثلاثة سياقات تركيبية، هو معادل لسلوك يعلن الإنسان من خلاله حالة الحزن والأسى النفسي، الذي يعقب واقعة الموت؛ وكذا الأمر بالنسبة لحالة اليتم، هي توصيف لوضعية الطفل الذي فقد أحد الوالدين أو كليهما، والميراث، ما يبقى من مال المرء وممتلكاته بعد وفاته، وورثتَ إذا ماتَ مورّثكَ، فصار ميراثهُ لكَ؛ والقبر «مَدفَنُ الإنسان» وهو رديف للموت في القرآن الكريم: «ثم أماته فأقبره»؛ أما الوصية، فمن (وصي) «بمعنى عَهِدَ إليه، وسُمّيتْ وصيّة لاتصالها بأمر الميّتِ» كما ورد في «لسان العرب»؛ ومما سبق يتبين أن الجنة والجحيم باعتبارهما مآلا، والحديث عن الميراث والوصية والقبر، وحالات الحداد واليتم ما هي إلا نتائج حتمية لمقدمة واحدة هي الموتُ، ومنه نخلص إلى أن الموت حاضر في متن الديوان بدلالة الاستلزام؛ إذ لم تكن غايتنا في استقصاء دلالة الشواهد من الأمثلة الوقوف على معانيها في ذاتها، بل التدليل على معانيها، ملازمة بشكل قطعيّ لمعنى الموت، ولا تتحقق إلا بحدوثه؛ وقد يقول قارئٌ: إن حديث الشاعر عن الجنة والجحيم والحداد واليتم، وما هو في درجها ملازم للموت، هو حديث مجازيّ ليس على الحقيقة؛ وهنا، لا بأس، من تأكيد هذه القراءة المحتملة، لأن إحساس الشاعر بالموت، ولو مجازا، لا يُفسد مسعانا في التأكيد على الحضور اللافت لدلالة الموت في متن الديوان بصيغ شتّى، منها دلالة الاستلزام.
يبدو حضور ثيمة الموت في متن ديوان «ترويض الندم» جليا، بدلالة المقام التخاطبي ودلالة الاستلزام، وذلك من خلال النظر في الدلالة غير المباشرة للملفوظ في علاقته بباقي الوحدات اللغوية داخل السياقات التركيبية نفسها، من جهة، والدلالة المستفادة من مقام الخطاب بما تحيل إليه الملفوظات من معان تجد امتدادها في محيطه الفيزيائي والذهني للمتكلم (الشاعر) والمخاطَب (المتلقي) من جهة أخرى؛ وبذلك يكون فضاء الديوان مساحة مُغرقة في الإحساس بالموت وتجسيده مُتخيلا وواقعا؛ موت رمزي يحيط بذات الشاعر ومحيطه؛ وهو ما يجعل من ثيمة الموت الخيط الناظم لمواضيع الديوان، وبؤرة مركزية لمضمونه، وصاريا أساسا لمقصدية الشاعر يونس الحيول، والتي لا تعدو أن تكون كشفا صريحا أو مُوارَبا عن واقع نفسي وفيزيائي متأزم يُسائل الذات والآخر والمحيط عبر أسئلة صريحة حينا، وضمنية أحايين أخرى، تختزل قلق الوجود الإنساني.
كاتب مغربي