جمال القيسي اختلف الشارع الأردني عما كان عليه قبل عام وتسعة أشهر، وأنّى له ألا يختلف، حيث أن هذا الاختلاف هو النتيجة الطبيعية والمتوقعة، فمن هتافات ولافتات خجولة وملاطفة الى إحراق صورة الملك في الميادين، وعلى أبواب المؤسسات الحكومية والمحاكم التي تمثل ‘هيبة الدولة’، فضلا عن الصدع بشعار إسقاط النظام، وبطريقة من يقول طفح الكيل. ولا يخرجنّ علينا احد مستغربا مما يجري وما قد يجري مما لا نحبه ولا نتمناه، ذلك أن القاعدة الفيزيائية البسيطة العميقة تقول إن ‘الضغط يولّد الانفجار’، وكما إنه في علم المنطق، تفضي النتائج السليمة الى نتائج سليمة والعكس صحيح، فإن ‘المكتوب’ يُقرأ من عنوانه كما يقول أشقاؤنا المصريون العظماء. لم يستمع النظام الاردني لكل النصائح التي قدمت له بالمجان منذ سنتين قاسيتين عجفاوين، ومضى النظام يهيم في ليل بهيم، نحو ما يزيد شعواء الحرب على نفسه، فاتحا على كينونته عش دبابير الغضب الشعبي الذي لا يرى في الشمس كل الشمس إلا رغيف خبز، ولا يذكّره المطر الجميل الا بالبرد، والأطفال الذين يصطلون على نار الأعصاب، ووهج الحلم بالعدالة.لم يقرأ النظام الاردني ‘المكتوب’ من عنوانه، بل ما يزال سادرا في غيه، عله يفض المغلف بالقوة، راغبا في تمزيق الأوراق ليستشف ما بين السطور وأعماه الشره وتناسى بأن ‘الحكيم من اتعظ بغيره، والشقي الشقي من لا يتعظ إلا بنفسه’ فهل احتوى المكتوب في خمس دول شقيقة إلا قنابل غير موقوتة انفجــرت في وجه كل من لم يفهــــم من العنوان.الفساد عدونا هنا، ولا يقبل التزحزح عن صدورنا أو الانتهاء إلا بانتهاء آخر أنفاسنا، أو بدفعنا له بعيدا، وبالقوة التي تأتي من رحم الغيب، في تلك اللحظة التي يتحول فيه الضعف التام إلى بركان لا يرى ولا يسمع لكنه يتكلم، الفساد – أس الداء والبلاء – الذي أوصلنا الى ما نحن فيه، وهو الذي ‘يسرقنا جلودنا بعد أن سلبنا ثيابنا وتبهرج بها’.والفساد له أصحاب به يَعرفون ويُعرفون، وجوه الفساد فرقة خبيرة تحفظ النوتة جيدا، ولا يستقيم أن يعزف وجه فيه دون باقي الوجوه، فجوقة الفساد لا بد أن تتقاطع سياسيا، وتتشابك اقتصاديا، وتلتقي اجتماعيا بالضرورة، وبهذا التداخل حد الاندماج، يصير من المستعصي أن تميزَ التاجر من الوزير، وسيلتبس عليك الأمر فلا تعرف نواب الأمة من نوائب الدهر، وسيصعب عليك معرفة السمسار من الشخص المفترض به حماية البلاد والعباد.ظهر مواطن أردني بسيط على قناة الجزيرة مجيبا بكل وضوح وعزم، عن السبب في خروجه متظاهرا غاضبا ففاض: ‘راتبي الشهري 300 دينار – (450 دولار أميركي تقريبا)-، وأنا رب أسرة، فلماذا وكيف أدفع فاتورة فساد من باعوا مقدرات الوطن’. خلاصة رأي الرجل البريء الذي لا ترحمه الدنيا ولا دولته إذا أردنا ‘تلطيفها’ في هذا الجو المدلهم تقول: بدلا من سياسة الموت رميا بالغلاء، فليتم التوجه الى ضبط النفقات العامة والخاصة لأولي النعمة وأبناء الأكرمين، والتي يكفي شيء من ‘عقلنتها’ لإخراجنا من غيابت الجب الذي اوصلونا الى قاعه. وقد ظهر وغيره مواطنون كثيرون على القنوات العربية والعالمية، ولم يكن بوحه وشكواه عبر التلفزيون الاردني الذي يدفن رأسه في الرمال؛ فرغم غليان البلد كمرجل فإن تلفزيوننا مشغول بتقديم برامج طويلة مضمونها وصفات إعداد الحلويات المنزلية، والدبكات الشعبية، والتحفة المعمارية الكونية ‘مسجد الملك عبد الله’ في العبدلي.لم تكن بغيتي مناقشة فساد الإعلام اليوم، ولكن ألا يعتبر فساد الاعلام دليلا على استشراء الفساد في أركان الدولة، وهل لدولة إعلامها فاسد أن تتشدق بالشفافية والنزاهة والمسؤولية ثم المزاودة على الجميع بـ’دور المؤسسات’ التي هي في الحقيقة ‘مؤسسات دور’.هل يريد الإعلام عندنا أن يضحكنا أم يبكينا، حين يحاول أن يقنعنا أن المواطن الاردني يرغب في معرفة عدد مغاسل وحنفيات وحمامات مسجد الملك عبد الله، أكثر مما يهمه أن يعرف عدد إصابات أبناء جلدته، تلك الاصابات والوفيات التي تقع اليوم في رقعة الوطن الذي أراد له الفاسدون والمفسدون أن يهتز اليوم كما صورة على صفحة ماء ‘بفضل’ سياسات كثيرة ليس أقلها نظرية ‘كله تمام يا افندم’.ثم وبمناسبة الحديث عن -الفرقة المتفاهمة – ماذا تقولون في وزير النقل والاتصالات، الذي يسأله أحد مقدمي البرامج العبقرية لدينا، عن الحال غير المفهوم الذي وصلنا إليه (لاحظوا غير المفهوم) فيبتسم الوزير علاء البطاينة (ما غيره) ويقول ‘نحن على منعطف’، الى هنا ربما لا شيء أثار القرف الا ابتسامته العريضة؛ التي بلا موعد ولا تسمح بها الأزمة العاتية، ولكنه يكمل ضاحكا متهكما بكل صفاقة: ‘طول عمرنا على منعطف على فكرة’ وضحك معه المذيع الذي لم يتركوا في صالون الاستديو أي مبيض الا وصبغوا به وجهه.ضحك الإثنان والبلد يحترق، ثم توقف الوزير بن الوزير عن الضحك، دون أن يكف عن الابتسام الذي كان بلا أدنى داع، ولكن المذيع ‘الطموح جدا دون وجه حق’ لم ينقطع عن الضحك نفاقا للوزير وصَغارا بين يديه الجليلتين.وشكره على الحضور الى البرنامج – دون باقي الوزراء الذين رفضوا الحضور-، وهو يحمل حقيبتين وزاريتين، فضحك موضحا بذله للبلد بقوله: ‘حقيبتين ولكن براتب واحد’ وتشكى ‘ضغط العمل الواقع على كاهله وزملائه الوزراء، بعد أن قام رئيس الوزراء (نفاقا لا انتقادا طبعا) بتقليص عدد الوزراء الى عشرين وزيرا’.. وهنا تكلف المذيع التعاطف مع الوزير الذي يحمل حقيبتين ويتقاضى فقط راتب حقيبة واحدة.بالمناسبة عدد وزراء الصين ذات المليار ومائتي مليون 21 وزيرا فقط.هكذا يتم التعامل مع ما نحن فيه من هلع وجزع ودماء.لكن رغم ذلك ربما ما يزال الوقت متاحا لتدارك العاصفة.’ صحفي وروائي أردني