الناصرة- “القدس العربي”: غيّب الموت، الأربعاء، المؤرخ الفلسطيني البارز، البروفيسور قيس فرو، وقد دفن في بلدته عسفيا في قمة جبل الكرمل، مخلفا وراءه أسرة باكية وعددا كبيرا جدا من الدراسات. ولد فرو لعائلة من الطائفة العربية المعروفية عام 1944، لكنه منذ أن شب تميز بتوجهاته العروبية والوطنية وتمثل ذلك في كل مسيرته وأبحاثه.
وقد خطف الموت الأستاذ الفلسطيني قيس فرو (أبا غسان) وهو في عز عطائه، فقد كانت عدة مشاريع بحثية بين يديه، منها كتاب عن الدروز الفلسطينيين سيصدر عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية بعدما صدر باللغة الإنكليزية، بعنوان: “الدروز الفلسطينيون بين البندقية الإسرائيلية والمحراث الفلسطيني”.
وقبل ذلك كتب فرو مئات المقالات ونحو عشرة كتب، أولها وأهمها بعنوان “الدروز”، وقد بات مرجعا دوليا لكل من رغب بالاطلاع عن الدروز، خصوصا الفلسطينيين، والاستزادة بالمعرفة عنهم، وقد صدر هذا الكتاب بالإنكليزية عن دار النشر العالمية الهامة في هولندا “دار بريل”.
وفي كتبه ودراساته ومحاضراته، دافع فرو بقوة عن عروبة الدروز وهويتهم القومية الحقيقية، وتصدى لمحاولات “درزنتهم” وتحويلهم لشعب مستقل عن شعبهم العربي الفلسطيني. وبعدما أنهى المرحلة الثانوية في المدرسة الأورثوذوكسية في حيفا، حاز على اللقبين الأول والثاني في المدينة، قبل أن يسافر لفرنسا لحيازة اللقب الثالث، ولم يكن وقتها يعرف الفرنسية فتعلمها وأجادها بسرعة وعاد من فرنسا بشهادة دكتوراة بعدما أنجز أطروحة اقتصادية- سياسية عن تصدير الحرير من لبنان لفرنسا في القرن التاسع عشر.
مبتسم ومتسامح
وفي حديث لـ”القدس العربي”، يوضح زميله المؤرخ، البروفيسور محمود يزبك، المختص في تاريخ فلسطين خلال الحقبة العثمانية، أن الراحل فرو تميز بخصال مميزة جدا. ويتابع: “أبو غسان إنسان محبوب، وصاحب ابتسامة دائمة، مسامح ومتسامح وكل من عاشره استشعر ذلك، وقد زاملته في جامعة حيفا 30 سنة ولم أختلف معه حول صغيرة أو كبيرة”.
وينوه يزيك إلى أن الراحل قد ألّف 120 بحثا، وسبعة كتب، إضافة لعدة كتب تحت الإعداد، مشيرا لتميزه كمؤرخ مختص في التاريخ الاقتصادي- الاجتماعي. ويضيف: “لم يعقد مؤتمر في العالم حول الدروز إلا وتمت دعوته، وربما تجاوز عددها 200 مؤتمر؛ لأنه فعلا من ألمع المؤرخين والأسماء الأكاديمية في مجال التاريخ الاجتماعي، خاصة في فلسطين، وقد انتمى للمؤرخين الذين اعتمدوا في كتاباتهم على الوثائق والأرشيفات رغم محبته واحترامه للرواية الشفوية، وهو بالمناسبة كان المرشد للباحث الإسرائيلي تيدي كاتس، الذي أعد أطروحة ماجستير حول مذبحة الطنطورة في نكبة 1948”.
وقال الدكتور رباح حلبي إنه “زار الأخ والصديق البروفيسور قيس فرو قبل أسابيع، برفقة الصديق مرزوق حلبي، وكان باديا عليه الإرهاق والتعب، رغم ذلك تحدث بحيوية وحماسة عن كتابه الجديد عن الدروز في إسرائيل. تحدث عن إنصاف القائد الفذ سلطان باشا الأطرش، وفضح روايات المغرضين ضده”.
أستاذي وبوصلتي
ويشير رباح حلبي، ابن دالية الكرمل، أن البروفيسور قيس من أهم المؤرخين والمفكرين في العالم العربي، وهو أهم وأبرز من كتب عن تاريخ الدروز، وكتاباته في الموضوع تعتبر المراجع الأساسية. ويضيف: “جاء قيس ليضع حداً لكل ما كتب عن الدروز من قبل الباحثين اليهود المستشرقين، جاء ليتصدى للخطاب الصهيوني الجائر والمحرف لتاريخ الدروز. فهنالك الأبحاث والكتابات عن الدروز في إسرائيل ما قبل قيس وما بعده”.
واعتبر رباح حلبي أن ما ميّز قيس النزاهة والبحث عن الحقيقة، وبذلك حظي على مصداقية عالية. ويضيف: “قيس كان مؤرخاً مرموقاً، لكن ارتقى أيضاً إلى مصاف المفكرين، وذلك من خلال كتبه الأخيرة التي خاضت في المعرفة التاريخية، وبالأخص كتابه العظيم الذي كان أول ما نشر بالعربية: (اللغة العربية حول المعرفة التاريخية: مقاربات فلسفية، علمية وأدبية)”.
وخلص حلبي للقول: “كان قيس صديقا، لكن بالأساس شكل منارة لي في الساحة الأكاديمية، وقد كتب في التاريخ وأنا في التربية، لكنني اعتنيت كثيراً بهويتنا الدرزية في كتاباتي، وفي هذا المجال كان أستاذي وبوصلتي، واعتمدت كثيراً على كتاباته الملتزمة والصادقة”.
نعي “مدى الكرمل”
ونعى مركز “مدى الكرمل” الباحث والمؤرخ الكبير البروفيسور قيس فرو، الذي توفي اليوم تاركا وراءه إرثا كبيرا من الأبحاث والإصدارات الأكاديمية عبر سنين حياته التي سخرها لخدمة مجتمعه العربي.
وتابع: “كان فرو يعمل باحثا في المركز أيضا بالإضافة لجامعة حيفا” مضيفا: “لقد كان للفقيد دور وإسهام كبير في مركز مدى الكرمل من خلال مشاريع مختلفة “. ويشير المركز إلى أن “الراحل فرو كان عضوا في الهيئة العامة فيه، وكان في السابق عضوا في الهيئة الإدارية للمركز، وبفقدانه فقد شعبنا هامة معرفية ووطنية كبيرة”.
وتوضح مديرة مركز الأبحاث التاريخية في “مدى الكرمل” إيناس خطيب لـ”القدس العربي” أن الراحل أبا غسان كان نشيطا، يبدأ يوم شغله في ساعات الصباح الباكر. وتابعت: “في يوم كنت بحاجة لمشورته للتأكد من صحة معلومة كتبت في مقال كنت أراجعه، كانت الساعة السابعة صباحا وحينها لم يجب على هاتفه، وبعد ما أغلقت الخط، رن هاتفي بعدها مباشرة بمكالمة من قيس عبر تطبيق واتس أب، يبلغني فيها أنه خارج البلاد في بريطانيا ويعمل على وضع كتاب عن الدروز، والساعة عنده الخامسة صباحا ويعد الآن القهوة. وطبعا مثل كل محادثة دارت بيننا كنت أحس أنه يعطيني درسا تاريخا خاصا ممزوجا بروح فكاهية نادرة. نعم يا قيس، نحن عرب أقحاح مع تشديد على القاف، كما كنت تدأب على القول دوما”.
خطاب المرتزقة
وفي حديث سابق له العام الماضي مع “القدس العربي”، دعا فرو طائفته العربية الدرزية لخلع خطاب المرتزقة، والانضمام لنضال فلسطينيي الداخل ضد قانون القومية. وقال إن المواطنة المتساوية حق وليست هدية أو مكرمة أو مقابل التضحيات بالدم، مؤكدا على ضرورة تلاقي الدروز مع مجتمعهم وشعبهم في نضال مدني موحد ضد قانون الدولة اليهودية الذي يكرّس مكانة الدروز كـ”مرتزقة” يقدمون خدمات عسكرية مقابل حقوق مجتزأة تعرض عليهم كمكرمات”.
وكان البروفيسور فرو أول من كشف بدقة مخطط سلخ الفلسطينيين الدروز عن شعبهم مبكرا في 1948. وفي كتابه “الدروز في الدولة اليهودية” الصادر عام 1999، أوضح كيف اقترحت فكرة تجنيد “الأقليات وبالذات الدروز” من قبل مستشرق إسرائيلي ومسؤول في “الهستدروت” حينذاك، يدعى يعقوب شمعوني، رئيس شعبة الشرق الأوسط في وزارة الخارجية الإسرائيلية حينها، وذلك قبل فرض الخدمة العسكرية الإجبارية على الدروز في 1956. وقتها أوضح فرو أن مهمة شمعوني كانت غداة النكبة وقيام إسرائيل التنسيق بين كل مؤسسات الدولة اليهودية في ما يتعلق بالأقليات والشرق الأوسط.
طعنة في الظهر
وأكد على ما ورد في كتابه “الدروز في الدولة اليهودية” بأن شمعوني اقترح آنذاك تأسيس “فرقة الأقليات” (الشركس والبدو)، والتركيز على الدروز ليصبحوا “سكينا ساما في ظهر القومية العربية”.
وأكد الراحل فرو، قبل عام، أن الساسة الإسرائيليين يكررون أقوالهم المعسولة “ولكن على الأرض لا عسل ولا غيره”. وأوضح أن العرب الدروز في إسرائيل يكابدون اليوم مأزقا بعدما تورطوا بـ”عقلية المرتزقة “، فهم لا يتصرفون كمواطنين ويطالبون بحقوق مدنية، بل يبدون كمن قدم خدمات مرتزقة ويطالب بمكافأة عليها.
وردا على سؤال، يقول فرو إنه يجدر بالدروز تجربة خطاب الحقوق. فهو لن يضر على الأقل، بل يتيح لهم الارتباط ببقية أبناء شعبهم في نضال من أجل مساواة مدنية. وتعقيبا على مخاوف مؤتمر هرتسيليا الأمني الذي حذر قبل سنوات من “فقدان الدروز” في ظل تراجع أعداد المجندين، يرى فرو أن إسرائيل “قامت بترويض الدروز”، لكنه يشير هو الآخر إلى تراجع نسبة المجندين في الجيش.
ويتابع: “كانت الحالة أفضل لو أن اليسار الدرزي أكثر تنظيما وحداثة ووحدة”. ويتفق فرو مع من يرى أن تراجع نسبة تصويت الدروز في انتخابات الكنيست نوع من نزع الثقة بالنظام القائم، واحتجاج على التمييز العنصري الإسرائيلي بحقهم.
ثقافة الهبّة
بيد أن فرو لا يرى أن الأزمة الراهنة بين الدروز والسلطات الإسرائيلية تبشر بالضرورة بانكسار عميق في العلاقات بين الطرفين، رغم ملاحظة تقارب نحو المحيط العربي على حساب العلاقة مع الدولة.
وأضاف: “من يتتبع مسيرة الدروز في البلاد يعرف أنهم يعتنون بالقضايا الاجتماعية، وليس بالصراع أو بموضوع هوية الدولة وغيرها من المسائل السياسية”. وردا على سؤال حول مدى حصول تحول حقيقي في العلاقات بين الدروز وبين إسرائيل، قال إن “ثقافة الهبّة” لدى الدروز تحكم سلوكهم بشكل عام.
وأشار إلى أنهم يهبّون بسرعة ويستكينون بسرعة، سيما وأن المؤسسة الإسرائيلية تسارع لاحتوائهم بجهاز تعليم خاص بهم يخلو من نضالات بني معروف القومية والوطنية، ومن كل مضمون يصون انتماءهم العربي. كما انتقد فرو المجتمع العربي الفلسطيني في البلاد لأنه “غير مهتم فعليا باستعادة الدروز إلى أحضانه كما يجب”.