الموت يمرح ويمزح

حجم الخط
0

عزت القمحاوي لكلمة ‘مراح’ في اللغة طيف من المعاني. فتح الميم يجعلها مكانًا يقصده الناس، وكسرها يجعلها اسمًا للمرح، وأما الضم فيجعلها استراحة للبهائم. وعلى أي وجه اخترنا تشكيل اسم محمد مراح المشتبه به المقتول في حادث تولوز يصح الاسم؛ فالقضية صارت مزحة كبرى ومقصدًا للبشر والبهائم.

فجأة تم اختزال العالم إلى تلك القرية الفرنسية الصغيرة، وتسابقت القوات الإعلامية المحمولة إلى تصويب كاميراتها على نافذة في بناية شعبية يسكنها المشتبه به المحاصر بقوات النخبة الفرنسية. لواء التحالف الإعلامي الدولي انعقدت قيادته للقنوات والصحف الفرنسية لا الأمريكية، لأن قيادة المزحة فرنسية، والتليفزيونات على دين جيوشها؛ فالتحالف الحربي ضد أفغانستان والعراق أمريكي ومن الطبيعي أن تكون القيادة أمريكية كذلك. في حادث تولوز القيادة فرنسية على الجبهتين.

مراح بالفتح:

فتح ميم المشتبه به جائز؛ فقد صارت القضية مقصدًا للناس. وهذا مجد لم ينله متهم في مركز رفيع فيما يسمى بـ ‘الشرق الأوسط’ ولم ينله القتلى الذين يقعون في أي من تلك البلاد الحزينة، وبينهم أطفال وأطباء يمارسون مهامهم الإنسانية ومعلمون، تمامًا من نوعية الضحايا الستة في تولوز. من قتل نفسًا فكأنما قتل الناس جميعًا. هذه الحكمة القرآنية تنطبق على تولوز، لكن لا يمكن أن تقتصر عليها. لا يمكن أن تكون آية القرآن الذي يؤمن به محمد مراح قد نزلت من أجل تولوز وحدها أو من أجل الضحايا الإسرائيليين وحدهم (حيث لم نعلم بالموت السابق للجنود في المنطقة ذاتها إلا بمناسبة موت ضحايا المدرسة اليهودية). يُفترض أن السماء عادلة، وبالتالي فإن غير العادل وغير الطبيعي هو الخط الذي خطه الساسة المنتصرون ليقسم العالم إلى شمال وجنوب ويجعل الموت موتين لا يمت أحدهما إلى الآخر بأية صلة.

لتعمى العيون وتُصم الآذان عن فداحة الدم السوري كما عميت وصمّت عن دماء كل ثورات الحرية في الشرق الأوسط الحزين. ربما ليس من حق المقتتلين أن يلقوا بهمومهم على أكتاف العالم، وإن كانت المقولة غير صحيحة؛ فالفوضى التي تعيشها سورية والتي عاشها اليمن أو عاشتها ليبيا ليست محلية بأية حال. ومع ذلك سنغض الطرف عن غير المرئي في معادلة القتل العربية. ولن نطالب قوات النخبة الفرنسية بحصار المتهم بشار في قصره ستا وثلاثين ساعة، ولن نطالب القنوات الفضائية بتصويب الكاميرات إلى نوافذ قصر الشعب في دمشق. الأكثر منطقية وتواضعًا في الأحلام أن نضع في كفة الميزان مقتلة تولوز وحادث سير بلجيكا ـ الذي استحق حدادًا وطنيًا ـ وفي الكفة الأخرى مقتلة أفغانستان التي ارتكبها جندي أمريكي متفوقًا بعدد ضحاياه على محمد مراح والقدر البلجيكي الأحمق الخطى.

تحلت بلجيكا بالصبر والصلاة في مواجهة المتهم الذي لا قبل لها بمواجهته، وتحلت فرنسا بالقوة وقتلت المتهم مراح، بينما تم ترحيل الجندي الأمريكي ليحظى بمحاكمة صورية تزيد الأفغان حسرة وتدفع بهم إلى صفوف طالبان؛ بينما يدعي الأمريكيون أنهم لم يدخلوا أفغانستان إلا لكي ينشروا المدنية.

كسـر مراح:

الكسرة في ميم المشتبه به مراح تسلط الضوء على المزاح الذي لف حادث تولوز. مسارعة كل المرشحين إلى مواساة الضحايا. التسابق على ادعاء تسامح قتلوه طوال الأسابيع الماضية لا يقنع مجنونًا بإنسانية المرشحين، بل على العكس تركهم عرايا وسلط الأضواء على أنانيتهم وخفتهم التي جعلتهم يختزلون كل قضايا الفرنسيين في غزو اللحم الإسلامي الحلال.

بتصريحاته العاطفية استأثر ساركوزي بالمزحة الكبرى بين المرشحين الآخرين (الممثلين الثانويين) ذلك لأن اللغة تقلب الدلالات وتصبح تهدئتها تحريضًا عندما تفيض عن مقتضى الحال. لا تشبه دعوة الفرنسيين إلى الوحدة في مواجهة حادث فردي إلا تحذير أسرة من قتل طفلها لأنه المفرش فأطاح بمزهرية.

وضمها أشنع:

ضم ميم ‘مراح’ جعل من ذلك الموضع الصغير من المدينة الفرنسية الصغيرة مراحًا لحيوانات أقل وعيًا من الفرس. ارتفعت شعبية ساركوزي استحسانًا لدوره في المسرحية الدامية، ما يؤكد سهولة انسياق خراف الله الناخبة في فرنسا وفي أمريكا إلى اختيار هذا المرشح أو ذاك في كل مهرجان انتخابي انطلاقًا من حوادث عابرة أو عداوات متوهمة. ثمَ وجه عدو عابر لأراضى وأجواء الغرب أو عدو مقيم وحامل لجنسية الوطن. وعلى الأمريكيين أن يعيشوا منتبهين بعد حادث الحادي عشر من سبتمر، وعلى الفرنسيين أن يعوا الدرس بعد حوادث تولوز، لكي يراقبوا المشتبه بهم ويحاكموهم قبل أن يرتكبوا الجرائم.

وهكذا تصل إلى قصر الرئاسة دمية جديدة في كل مهرجان انتخابي، ليظل الشمال الديمقراطي في خدمة حفنة من صناع السلاح والترفيه، مثلما يبقى الجنوب الديكتاتوري في خدمة حفنة من أفراد العصابات العائلية والعسكر. وهكذا تتشابه الحياة في شمال العالم وجنوبه بينما يختلف الموت.

وماذا عن السكون؟

مثلما سكنت روح المشتبه به مراح بطلقة في الرأس، هل بوسعنا البحث عن معنى جديد بتسكين حروف اسمه؟

خلال قصفها المكثف ارتكبت القنوات الفضائية كل فنون التلاعب بالجمهور، لكن عبارة واحدة أفلتت من التلاعب، وهي احتفاظ مراح بصفة ‘المشتبه به’ وهذا وصف عادل تمامًا؛ لأن قتل المتهم حرمنا من الوقوف على الحقيقة، على الرغم من اعترافاته المدعاة التي أغرقت العالم.

سأل البعض على استحياء عن المسرحة التي تضمنها لحدث من خلال إطالة زمن محاصرة شقة رجل وحيد. وبوسعنا أن نسأل هل كان قتله ضرورة؟ وكيف تستحق فرقة النخبة وضعها المميز بعد أن أخفقت في جلب الشاب المشتبه به حيًا؟ ألم تكن هناك من وسيلة لتخديره بالغاز من فتحات الشقة مثلاً؟ وثمة سؤال لم يطرح حتى الآن، وليس مجنونًا تمامًا: لماذا لا يكون هناك منفذ آخر لا نعرفه يخدم أغراضًا لا نعرفها، بينما محمد مراح مجرد مريض نفسي مهووس بالبطولة ادعى الدور لنفسه؟

ربما تفكر خراف الله الناخبة في هذه الأسئلة ذات يوم، لكن الرئيس سيكون في قصره، والحياة تمضي بشــــكل حسن حتى الانتخابات القادمة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية