الموجه الثانية من الربيع العربي

حجم الخط
0

يمضي عام و يأتي عام ، و في بلادنا العربية لا يتغير شيء و كأن التاريخ توقف بنا عند ما يسمى زوراً بعصر الإستقلال ، و هو العصر الذي خرجت القوى الإستعمارية من المنطقة العربية لتظل بنفوذها السلطوي و تواجدها الفكري داخل أورقة الحكم ، بل و أشد من ذلك فقد أوجدت لها رجالاً يحكمون بإسمها قبل خروجها ، و استمر الحال إلى اليوم ، لا تجد نظاما عربيا نابعا من صميم الشعب الذي يحكمه، بل جاءت القوة المهيمنه في المنطقة و جعلت منه حاكما و أميرا و رئيسا ، و عندما يموت يأتي من جنسه شخص آخر يحكم ، و في هذه المتاهه نحن سائرون منذ خمسينات القرن الماضي و إلى متى الله أعلم .
أنظمة تولد، تنمو، تترعرع، تصل الى نقطة الانحدار ثم تتهاوى، وتموت، لتحل محلها أنظمة أخرى، ثم تنتهي هي الاخرى في دورة الزمن المطلق، إنها تشبه الكائن الحي في رحلتها من نقطة الولادة، الى لحظة الموت. ولكننا هنا فيما بين الخليج والمحيط لا ينطبق علينا هذا .
وخرج الربيع العربي ، وسار الشعب العربي يهتف في الشوارع و الأزقه والحارات ( الشعب يريد إسقاط النظام).و لم يهدأ بال الدول الكبرى و تابعيهم في بلاد العرب إلا إنهم جعلوا من الشعار وهم نعيشه و انطلقت الثورات العربية تشق طريقها نحو العودة للخلف ، و كره رجل الشارع الثورة و نظرت الجماهير المتعطشة للحرية و للبحث عن لقمة العيش للثورة على أنها مؤامرة كبرى يجب التخلص منها و ذلك بفعل الآلة الإعلامية الرهيبة التي كادت تفقد نفوذها مع هبوب رياح الربيع العربي الذي كشف خداعهم للشعوب ، و إنهم مجرد ترس داخل الأنظمة العربية ، و هم مجرد أبواق لصنع نجومية و أموال لحفنة من الإعلاميين الخونه لقضايا أمتهم .
إن الاشكالية التي لم يستطع الحكام العرب عبورها، أو معالجتها، تتمثل بعدم قراءتهم الصحيحة لتجارب التأريخ القريب والبعيد معا، وحتى لو سلّمنا بقراءتهم لها، فإنهم أخفقوا تماما في استيعابها، وتوظيف دروسها لصالحهم، فظلّ هؤلاء كما هم، لا يرون الحياة إلا بعين السلطة، التي لاترى ولا تتعامل بدورها، إلا مع السبل والطرائق التي تحافظ على العروش، والكراسي من الاهتزاز أو السقوط، والمشكلة أن السلاح العتيد والوحيد لهؤلاء الحكام، في تدعيم الكراسي والعروش، هو القمع، والتهميش، والاقصاء، والسرقة، والاختلاس، والسطو على أموال وثروات الشعب.
دعونا نؤكد إن دولة العواجيز هي من تسيطر وتحكم غالبية البلدان العربية، بحجة الخبرة، والاستقرار.
لقد دأبت منظومة الحكم العربي، على تكريس السلطة بيد القائد الأعلى، والحزب الأوحد، أو الاقوى، وكأنها تمثّل هيكلا واضحا، لعصابة يرأسها الحاكم، أو القائد الأعلى ويديرها، أما العصابة، فهي الحزب القائد او الأقوى، وهكذا تكون المنافع المادية والمعنوية، محصورة بالحاكم الاعلى وعائلته، وحاشيته، وحزبه، وما يتبقى من فتات، فهو حصة باقي المنتفعين من الشعب، ومن يعترض او يرفع صوته أو يطالب بحقه، فإن الموت او التهميش، والاقصاء، والتشريد، والنفي سيكون له بالمرصاد، لهذا يلجأ الضعفاء والشعوب المنهكة الى الصمت، والقبول على مضض بتجاوزات الحكام.
أنظمة الحياة كافة، تمر كذلك بهذا الخط البياني، الفاصل بين الولادة والموت، ومنها الانظمة السياسية العربية، التي حكمت شعوبها بالحديد والنار، والتي وُلدت وجُبلت على القمع والتسلط، لكي تحمي نفسها من الموت، ناسية أن الزمن كفيل بإزاحتها، والاتيان بالجديد الذي يتواءم وروح العصر، وهكذا تصل منظومة الحكم العربي، الى مرحلة او نقطة المشارفة على الزوال والموت، وهي لاتختلف بهذا عن غيرها، من الانظمة العاجزة عن اللحاق بسمات العصر، لتحلّ محلها دماء جديدة هي دماء الشباب الواعي المنتفض.
وها نحن على أعتاب عام جديد، هو عصر السقوط الحتمي لأنظمة التسلط القمعية، التي سوف تتساقط تباعها، وهو أيضا عصر الشباب العربي الواعي، الذي استطاع أن يقتحم حصون الحكام العتاة، من خلال العالم الافتراضي لوسائل الاتصال المعاصرة، و يقيم ثورات الربيع العربي و إن كانت فشلت في الموجة الأولى منها فلا أظنها تفشل في الموجه الثانية منها ، و هي الموجة التي يتم الإعداد لها بفعل شيطنة الأنظمة العربية التي تقف ضد شعوبها في أن ينال حريته ، و تتعامل معه كإنسان له مطالب و طموحات يريد أن يحصل عليها و أقلها العيش تحت سماء وطنه بحرية ، وان يتساوي مع باقي الفئات الحاكمة في الحصول علي ما يكفل له سبل له العيش الكريم .و لا أظن أن الوقت سيطول بنا في إنتظار الموجة الثانية من الربيع العربي .

محمود طرشوب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية