الموحدون الدروز امام تكريس الانقسام الديني بعد السياسي حديث عن اتصالات لتسوية بين المختارة وخلدة لم تنضج بعد

حجم الخط
0

الشيخ غيث ينسحب ويهاجم استنساخ المشيخة.. ارسلان ينصب الشيخ الغريب عشية رعاية جنبلاط لانتخاب شيخ عقل جديد

بيروت ـ “القدس العربي” ـ من سعد الياس:

تمر طائفة الموحدين الدروز في لبنان هذه الايام بمرحلة دقيقة من تاريخها حيث يسودها الانقسام السياسي والديني شأنها شأن ما يشهده البلد عموماً.

ومن المفيد القول إن الطائفة الدرزية كما الطائفة المارونية هي من اساس الكيان اللبناني، واذا تعرضت لاهتزاز تعرّض الوطن كذلك.

والدروز عُرف عنهم شجاعتهم وبأسهم وسبق أن مُنحوا حق الاستقلال في ادارة شؤونهم ايام الفتح العثماني بحيث لم يعودوا مرتبطين بوالي الشام أو بوالي طرابلس. وقد شكّلت منطقتا الشوف وعاليه انطلاقاً من نهاية القرن السادس عشر مدي حيويا للعيش المشترك الدرزي الماروني وشعرت كل طائفة بأن وجودها ضروري لبقاء الآخر، ولذلك كان كل من يتربّص شراً بلبنان يعمل علي إثارة النعرات في جبل لبنان لاْن وحدة الجبل كانت علي الدوام ركيزة اساسية لوحدة لبنان، واذا تصدّعت هذه الوحدة في الجبل يتصدّع الكيان اللبناني.

وفي هذه المرحلة تشهد طائفة الموحدين الدروز شرخاً كبيراً لعلّه انعكاس للصراع السياسي المحتدم، وبدأ هذا الشرخ انطلاقاً من الخلاف علي قانون تنظيم شؤون الطائفة، ولم تنفع كل الدعوات والنداءات للتوافق، بل سارت الامور بشكل تصعيدي، وانعكست علي وضع مشيخة العقل بحيث باتت الطائفة امام ظاهرة شيخي عقل تماماً كما كان الحال قبل أكثر من ثلاثين سنة، واحد اختاره الامير طلال ارسلان امام انصاره ومؤيديه في خلدة وثان سينتخبه المجلس المذهبي برعاية النائب وليد جنبلاط. وفيما عيّن الامير طلال موعداً اليوم لتقبّل التهاني بتنصيب الشيخ ناصر الدين الغريب تتجه الانظار لمعرفة موقف شيخ عقل الموحدين الدروز الشيخ بهجت غيث، وما هو سرّ صمته؟ وماذا يعني بيانه الذي سبق بيوم واحد انتخابات المجلس المذهبي وتعيين الشيخ الغريب والذي أعلن فيه قراره بتعليق جميع مهام مشيخة العقل وعدم تلقي المراجعات وتوقيع المعاملات حتي إشعار آخر؟.

يبدو أن الشيخ غيث الذي أمضي في موقع مشيخة العقل 15 سنة يعتبر أن الصمت أبلغ من الكلام في هذه الايام، وهو أراد الانسحاب من هذه المعمعة وهذا الوحل الذي غطّسوا به الطائفة، بحسب ما تنقل مصادر مقربة منه، واذا كان البيان الذي اصدره أثار اشكالية في تفسير أبعاده ومغزاه فإنه يعني تجميد كل مهامه في المشيخة وأكثر من اعتكاف بل انسحاب بعدما شرّف بوجوده الموقع علي مدي الاعوام التي تسلّم فيها المسؤولية.

أما عدم الحديث عن استقالة واضحة فمردّه الي سؤال ساور شيخ العقل ومفاده لمن سأستقيل؟ وهل عيّنني أحد كي أتقدّم باستقالتي منه؟ علي العكس فكلهم عاكسوني، وأنا كنت بحكم الواقع لعدم وجود فراغ وجئت بناء لالحاح الزعماء السياسيين في انتظار وضع قانون وعدم جواز حصول فراغ في هذه المؤسسة.

وقد لاحظ الشيخ غيث بعد مراجعة للمواقف أن الحاقدين لايزالون يتهيأون للانقضاض علي مشيخة العقل ومعاندة المتخاصمين علي استنساخ مشيخة عقل لكل منهما فارغة من أي معنوية سواء بالانتخاب الصوَري بموجب القانون المزعوم أو بالتعيين القبائلي المزري، ولذلك إتخذ الموقف بعدم المشاركة في هذه المأساة.

وفي المعلومات أن اتصالات تمّت بالشيخ غيث بعد إصداره بيانه ولكن سبق السيف العذل، وكان جواب شيخ العقل: لدي مبدأ وليست عندي مصلحة لا بل مصلحتي هي مبدئي. وعندما يُراد وضع الطائفة في البازار السياسي واعادتها الي عصر الجاهلية، فهذا الامر لا يلائمني وأخرج منه، وفي الاساس أنا لا أعترف بكلمة درزي، فأنا موحّد ولغتي هي لغة العقل أي لغة الهدوء والحوار والنظام. ويبدي الشيخ غيث بحسب المصادر قلقاً من تجزئة الطوائف وشحنها بالعصبيات، ويري أن طائفة الموحدين ميزان للبلد وعندما يحدث شيء داخل الطائفة سينعكس علي لبنان، فلبنان مختبر كوني لهذه الطوائف والحضارات والاديان، وعندما يفسد شيء في جسم الوطن سيتأثر الرأس، وما حدث هو موضوع تقسيمي ويُخشي أن يمتّد الي الجميع ويحدث فتنة في البلد.

وعندما يُسأل الشيخ غيث لماذا لا يجري اعتبار وجود شيخين للعقل ظاهرة ديمقراطية وعودة الي الاصول والتقاليد الدرزية بين يزبكي وجنبلاطي يجيب قد يجوز الامر، وقد يكون وجودي علي مدي 15 سنة هزّ عرشهم وضايقهم توحيد المشيخة ومن حريتها في التعبير، فالمطلوب ربما أن تتكلم مشيخة العقل مع هذا الطرف أو ذاك، أو تساير وتنافق علي الاثنين وليس لديّ شيء من ذلك.

من تُراه شيخ العقل الذي سيتخذ مقراً له في فردان الشيخ المعيّن من ارسلان ام الشيخ المنتخب من جنبلاط؟

لا شك أن تعليق الشيخ غيث مهامه في مشيخة العقل أراح النائب جنبلاط أكثر مما أراح الامير طلال، فلو بقي غيث في دار الطائفة في فردان لكان من الصعب كي لا نقول من المستحيل إخراجه منها خصوصاً اذا بقي يتمتّع بدعم اليزبكيين، وقد حصلت سابقة في الماضي عندما كلّف الرئيس الشهيد رفيق الحريري سلمان عبد الخالق ادارة شؤون الاوقاف ولم يتمكّن من مزاولة مهامه تماماً. ولو بقي الشيخ غيث في موقعه لكانت معركة جنبلاط أقسي، أما انسحابه فقد أفسح المجال للتيار الجنبلاطي بعقد اجتماع في هذه الدار للبحث في نتائج انتخابات المجلس المذهبي وتحديد موعد لانتخاب شيخ العقل الجديد، وقد تنظر الدولة بعين الرضي لشيخ عقل منتخب وفق القانون مهما كان منحرفاً وتعترف به وتؤمن له التسهيلات أكثر مما قد تعترف بشيخ آخر حتي لو كان معترفاً به من قبل فريق لا يُستهان به من الدروز والمشايخ ويكتسب شرعيته من الناس وليس من السلطة لاسيما ان ارسلان بحسب اوساطه أكد أن ما يقرّره المشايخ ألاجلاء أمشي به وبالتالي لم يكن اختياره الشيخ الغريب اختياراً إفرادياً.

في اعتقاد الشيخ غيث أن الوجوه التي أتت نتيجة انتخابات المجلس المذهبي هي لفئة واحدة، وكانت الناس متعطشة لقانون ولكن الوضع بات اشبه بشخص صائم وفَطَر علي بصلة، وتستبعد مصادره حصول أي تسليم وتسلّم بينه وبين سواه وتنقل عنه أنه لا يري موجباً لاْي تسليم وتسلّم، فليس هناك شيء كثير للتسليم والتسلّم، والاوقاف خلال 15 سنة بقيت مقسّمة في أيدي الزعماء وجزء بسيط منها كان تحت ادارته، وهناك دعاوي كثيرة في هذا المجال، إذن الامانة التي يفترض أن يسلمها هي روح وجسد وهذا الجسد اساساً هو مع الزعماء.

ولكن غيث رغم ذلك يعتبر أن شيخ العقل الذي يأتي نتيجة قانون تكون له صفة أكثر من الشيخ المعيّن حتي لو كان تطبيقاً لعرف. هل نصل الي مرحلة أو ظاهرة وجود شيخي عقل للطائفة الدرزية واحد تعترف به قوي 14 آذار وآخر تعترف به قوي 8 آذار؟

إن لبنان المقسوم اليوم الي معسكرين عكَس نفسه علي طائفة الموحدين الدروز، وهذا ما يراه كذلك الشيخ غيث الذي لا يفصل الامر عن الصراع السني الشيعي الموجود في المنطقة والذي يحاول الدخول الي لبنان، وإنما يحاول البعض إلباسه لبوساً آخر ويزيّنه بالماكياج.

وفي اعتباره أن البلد صار دويلات صغيرة ومعسكرات وكل معسكر منقسم علي ذاته، وهذا يهزّ صورة لبنان علي الخريطة الجغرافية، وكذلك مشيخة العقل باتت اليوم منحازة سياسياً الي مرجعيات، وهناك زعيم يأمر علي هذه المرجعي. في العام 2000 اتفق النائبان جنبلاط وارسلان علي مشروع قانون ينظّم شؤون الطائفة، غير أن الشيخ غيث تقدّم بطعن امام المجلس الدستوري وبقي في موقعه، وفي العام 2006 اختلف النائب جنبلاط مع النائبين السابقين ارسلان وفيصل الداوود واتفق مع النائب أنور الخليل وتمكّن بدعم من رئيس المجلس النيابي نبيه بري من اقرار القانون في المجلس. وفي غياب المجلس الدستوري المعطّل لم تسنح الفرصة للشيخ غيث ولكل من ارسلان والداوود بالطعن بالقانون الجديد، ولم ينفع ردّ رئيس الجمهورية اميل لحود لهذا القانون لاْنه عاد وأقّر بالاغلبية.

وها نحن اليوم نشهد ترجمة الانقسام الدرزي حول تنظيم شؤون الطائفة وحول مشيخة العقل. ولكن في ضوء التغيّرات السياسية بين مرحلة وأخري هل يمكن أن نشهد مجدداً تقارباً بين النائب جنبلاط والشيخ غيث؟ عن هذا السؤال يجيب غيث امام زواره ليس هناك تقارب أو تباعد بيني وبين أي شخصية سياسية إلا بمقدار ما تكون لديها مصداقية، وبالنسبة اليّ فقد دخلت قليلاً في السياسة كي أحيّد مشيخة العقل وأبقيها مرجعية إرشاد ومراقبة وضبط للاوقاف وكرامة الطائفة وسمعتها، ولكنهم لا يريدون ذلك، وأنا أعتبرهم وجوهاً سياسية إنما لعملة واحدة، ومع الاسف هذه هي السياسة اللبنانية. في ضوء كل ذلك، هل سنترحّم علي زمن مشايخ العقل الكبار لدي الموحـــــدين الدروز؟ أم أن الايام الفاصلة عن انتخاب شيخ العقل الثاني ستشــــهد تسوية ما بين المخــــتارة وخلدة بحيث يكون هناك شيخ عقل ونائب شيــــخ عقل تترافق مع تفاهم علي موضوع الاوقاف؟ وما ســـيكون عليه دور المشايخ الكــبار ومن بينهم عضو الهيئة الروحية العليا الشيخ أبو جواد ولي الدين في التوصل الي هذه التسوية؟.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية