نواكشوط ـ “القدس العربي” ـ من عبد الله السيد:
دلف شهر رمضان الي حياة الموريتانيين فقلب نمط الحياة رأسا علي عقب وحول وجبات النهار إلي الليل قسرا بسيف الشرع الذي لا نقاش فيه. فالصبوح تحول الي غبوق والغداء تحول الي عشاء والعشاء الي سحور.
اما العاصمة نواكشوط فقد اندمجت في الحياة الرمضانية بيسر حيث اصبح نهارها لباسا وليلها معاشا.
ففي النهار تغلق بوابات المطاعم وتدخل المدينة في سبات وهدوء، حتي اذا كان وقت العصر استيقظت لتبدأ نشاطها مع اقتراب الفطور.
اما الليل فكله سمر وصخب وطبخ وأضواء وسيارات تذرع الشوارع. اما آخر الليل فتدخل العاصمة في اغفاءة تقطعها أصوات المسحراتيين:
سحروا يا عباد الله ففي السحور بركة.
مع حلول شهر الصيام تنازل الموريتانيون، كما هي حالتهم كل سنة، عن عاداتهم الغذائية، سوي ان عادة احتساء كاسات الشاي (الأتاي كما يسمونه) قبل الشروق بقليل عادة يكلف التخلي عنها الصائمين الموريتانيين عناء كبيرا.
ذلك أن التخلي عن شرب الشاي بكاساته الثلاث يصيبه الصائم الموريتاني بوجع الرأس وبالغثيان الشديد والخمول طيلة اليوم.
ويحظي الشاي الأخضر بمكانة خاصة عند الموريتانيين حيث انهم يعتبرونه غذاء روحيا ينعش القلوب ويزيل الهموم ويعيد الي الجسم حيويته وطاقته.
وقد ذهب دارسون لعادات الموريتانيين إلي حد القول بأن الشاي جزء من الشعائر والطقوس التي يحرص الموريتاني علي ممارستها يوميا.
يقول الصحافي الفرنسي جان كلود كلوتشيكوف: اذا ما قمنا بدرس اقتصادي في العالم كله وحتي ايضا بين اهل البدو لتبين لنا ان الموريتانيين هم اكثر سكان العالم استهلاكا للشاي يشربونه في كل الظروف في البيت، في المكتب، تحت الخيمة، في وسط الصحراء، في محطات الوقود، عندما يمونون عرباتهم، علي مراكب الصيد، واكثر من ذلك فان الشاي اصبح المشروب الذي لا يستغني عنه في شعائر الصداقة وفي الضيافة، فالموريتاني قد ينسي غيار لباسه، ولكنه لا ينسي لوازم الشاي البسيطة فرن الغاز، ابريق الشاي، قالب السكر والمطرقة لكسره، الكاسات الزجاجية، وبالتاكيد اكياس الشاي الصغيرة ولفة من أوراق النعناع الطازجة. ويحصر الموريتانيون تنظيم مجلسي شاي لليوم احدهما شاي الصباح والآخر مجلس الشاي الذي ينظم بعد العصر ويسمونه الذهبي.
وثمة دورات شاي ليلية ينتظم حولها السامرون ويتناشدون الأشعار ويخوضون في السياسة بشجونها الداخلية وشؤونها الدولية. اما في رمضان فإن مجلس الشاي ينعقد بعد صلاة المغرب بقدسية كبيرة.
وللشاي الموريتاني مجلس موقر دوراته ثلاث بثلاث كؤوس دهاق، ولكل دورة منها خصوصيتها وطعمها لدي المستهلكين ويمتاز الدور الثاني بخفة النكهة وتقليل كمية الأتاي بينما يشكل الدور الثالث تعادلا بين طعم الأتاي ونكهة السكر اما اول دور في الإبريق فيظهر عصارة الشاي الأخضر التي تجمع بين أقصي المرارة وأقصي المتعة لدة ذواقة الأتاي. ومع قدوم شهر رمضان من كل عام يتفنن مستوردو الشاي الأخضر من عاصمته الصين الشعبية في اطلاق التسميات الترويجية علي الشاي الأخضر المعروض في الأسواق.
ومع ان هناك تسميات عديدة لعينات الشاي الأخضر فإن النوعية المشهورة والمحببة هي النوعية المسماة بـ شاي صدام حسين.
وتتميز هذه النوعية بجودة طعمها وقوتها اضافة الي ان احتساءها يشكل ولاء لهذا الرجل الذي لم يزدد الموريتانيون بعد استشهاده إلا حبا له وفناء فيه.
لم يعد الشاي مرطبا من المرطبات بل أصبح ضمن لائحة الضرورات الفردية يتعاطاه الموريتانيون في المنازل والأسواق واماكن العمل، والشاي الموريتاني وسيلة لإكرام الزائر ووسيلة لتنشيط الطاقة بالنسبة للجميع.
هكذا يعيش الموريتانيون هذه الأيام بين مطرقة صيام يوجبه الشرع وسندان كاسات شاي ثلاث أدمنها الناس.