زهير أندراوس:
الناصرة ـ ‘القدس العربي’لا تزال قضية اغتيال محمود المبحوح تثير الجدل، فتصفيته هزت العالم، وما زالت تحتل العناوين الرئيسية في وسائل الإعلام العالمية وأيضاً الإسرائيلية، فقد نشرت صحيفة ‘يديعوت أحرونوت’ الإسرائيلية، تقريراً مفصلاً كشفت فيه عن تفاصيل جديدة تتعلق بعملية تصفية القيادي الحمساوي، محمود المبحوح، في دبي في مطلع 2010. وقال محلل الشؤون الإستراتيجية في الصحيفة، رونين بيرغمان، الذي تربطه علاقات وطيدة بصناع القرار من المستوى الأمني في تل أبيب إنّ تحقيقا أجرته شرطة دبي يشير إلى أن بعض أفراد طاقم الموساد الذي قتل المبحوح كانوا قد حاولوا في شهر تشرين الثاني (نوفمبر) من العام 2009 الماضي تسميم المبحوح في دبي، وقد شعر القيادي الحمساوي بوعكة صحية إلا أنه استعاد عافيته فيما بعد. علاوة على ذلك، أشار تقرير الصحيفة العبرية، الذي أكد معده على أنّه يعتمد على مصادر أجنبية، إلى أن اللقب الرمزي الذي أعطاه جهاز الموساد (الاستخبارات الخارجية) للمبحوح كان (شاشة بلازما) وأن الأمر بتصفيته صدر قبل سنوات عديدة، وكشفت عن أن الموساد يطلق على أمور التصفية اسم صفحة حمراء، مشيراً إلى أنّ الأمر بتصفيته كان يؤكد على أنّ الموساد يجب أن يغتاله في أيّ فرصة وبدون تأجيل. وسردت الصحيفة العبرية بالتفاصيل النشاطات التي كان المبحوح ضالعا فيها ومنها تهريب الأسلحة الإيرانية إلى قطاع غزة عبر الأراضي السودانية والمصرية، على حد زعمها. وقالت الصحيفة العبرية أيضاً إنّ الغارات الجوية في السودان التي أدت في العام الماضي إلى تدمير قافلتين وسفينة إيرانية لتهريب السلاح نفذت بمبادرة من قائد المنطقة الجنوبية، يوئاف جالانط، الذي سيشغل بعد أيام منصب رئيس هيئة أركان الجيش الإسرائيلي ونائب رئيس الموساد، تمير باردو، الذي عين رئيسا للجهاز في الشهر الماضي.
وقالت الصحيفة أيضاً أنّ فريق الاغتيال الذي وصل من عدة دول أوروبية إلى مطار دبي الدولي، الأكثر ازدحاماً في الشرق الأوسط، كانوا على علم بأنّ الجواز الذي يحمله المبحوح كان مزيفاً، وأن التاجر الدولي، هو إرهابي كبير ذو نشاط كبير اسمه محمود المبحوح. والذي لا يعرفه المبحوح انه بقي له أقل من يوم يعيشه، وانه يوشك بعد زمن قصير هو والأشخاص الـ 27 الغامضون أن يلتمع نجمه في العناوين الصحافية في العالم كله، على حد قول الصحيفة، التي أضافت أنّه بعد سنة بالضبط ما تزال نتائج قضية اغتيال محمود المبحوح تُدوي وتثير جماعة الاستخبارات العالمية. مشيرةً إلى أنّ الدولة العبرية تنفي رسميا ضلوعها في عملية الاغتيال، وأضافت: لكن شيئا ما في عملية الاغتيال هذه، التي تكاد تبدو هوليوودية، يجعل وسائل الإعلام العالمية تستمر بتناولها، فهذا الأسبوع فقط نشرت صحف في بريطانيا أن رئيس الموساد المتولي عمله، تمير بيردو، يوشك أن يعتذر للبريطانيين عن استعمال جوازات سفر انكليزية مزورة، ولا تتناول إسرائيل هذا التقرير أيضاً، بالإضافة إلى ذلك، تقول الصحيفة، يضاف في هذه الأثناء إلى القضية معلومات جديدة أخرى من جهات أجنبية، واعتمادا على تقارير عملياتية من شرطة دبي، وتحليل مختص وتفسير استخباري تُركب هذه الصحيفة لأول مرة سيناريو اغتيال محمود المبحوح. خطوة بعد خطوة، وساعة بعد ساعة، يُفتح ملف (شاشة البلازما) ومعه نظرة نادرة إلى كيفية تدبير الورقة الحمراء في الموساد.
وبحسب الصحيفة، ليست هذه أول مرة كانوا فيها هناك في دبي في تعقب المبحوح. فقبل ذلك ببضعة أشهر جاءوا للتحقق من الحديث عن الشخص الذي يبحثون عنه وكي يدرسوا حركاته. كان هذا أحد الدروس من (قضية ليل هامر) التي انفجرت في 1973 في النرويج، بعد أن اغتال الموساد خطأ نادلا بريئا ظُن خطأ انه ضابط عمليات منظمة (أيلول الأسود) علي حسن سلامة. غير أنّ الحالة لم تكن كذلك هذه المرة، وابلغ الفريق الذي أُرسل إلى دبي انه قد جرى التعرف على (شاشة البلازما) في يقين على أنها محمود المبحوح. بعد ذلك بأشهر، كما تزعم شرطة دبي، وقعت محاولة اغتيال المبحوح الأولى، فبحسب عرض داخلي أعدته شرطة دبي ووصل إلى الصحيفة، زار تسعة أشخاص رُبطت جوازاتهم بعملية الاغتيال دبي على نحو مركز بين السادس والثامن من تشرين الثاني (نوفمبر) من العام 2009. وبحسب معطيات تحقيق شرطة دبي، التي يكشف عنها النقاب هنا لأول مرة، تعقب ذلك الفريق المبحوح وحاول اغتياله بإدخال سُم في جسمه. ما زال من غير الواضح كيف نُفذت هذه المحاولة الأولى. تخمينات شرطة دبي تشير إلى أنّ السم أُدخل في شراب قُدم إليه أو بطريق مس قطعة أثاث في حجرته، كان يفترض أن يتغلغل السُم في دم المبحوح وان يقتله في ساعات معدودة، يعتقدون في شرطة دبي أن اختيار طريقة العمل هذه ينبع من الرغبة في تنفيذ اغتيال هادئ، يتبين بعد أن يكون المغتالون خارج الدولة بكثير، أما الاغتيال الضاج بتفجير أو بنار قناص فسيفضي فورا إلى إغلاق المطارات والموانئ ومطاردة واسعة للمغتالين. وبحسب الصحيفة، تبين بعد ذلك أن المبحوح مرض حقا في تشرين الثاني (نوفمبر)، يصف أخوه انه شعر في ذلك الوقت انه ليس على ما يرام بل فقد وعيه ساعات طويلة، لم يتابع مخططاته كالعادة بل عاد إلى دمشق حيث التقى طبيبه الذي شخص غيبوبته العجيبة باعتبارها مرض القُبلة، تلقى المبحوح التشخيص ولم تفسر الحادثة بأنها محاولة اغتيال. وتقدر شرطة دبي أن محاولة الاغتيال الهادئة بغير اتصال مباشر بالهدف جعلت الفريق يُغير خطة العملية بأن تكون اغتيالا هادئا لكن من قريب وان تشتمل على تأكد من القتل، كي تطفأ (شاشة البلازما) نهائيا هذه المرة، على حد تعبير الصحيفة الإسرائيلية. وخلص تقرير الصحيفة: في الساعة 20:24 عاد المبحوح إلى الفندق ودخل غرفته مباشرة وهناك في الداخل التقى فريق الاغتيال، استمرت العملية كلها عشرين دقيقة خرج بعدها أربعة أعضاء فريق الاغتيال وغادروا الفندق، وتركوا باب غرفة المبحوح مغلقا من الداخل بقفل وسلسلة، وكما زعم ضاحي حلفان، قائد شرطة دبي، خلفوا وراءهم أيضاً عينات من الحمض النووي (DNA) للأربعة.