أصدر الموسيقي الفرنسي جون فيليب ريوبي، المعروف باسم ريوبي Riopy ألبوماً جديداً يحمل عنوان Thrive، ويحتوي على سبع عشرة قطعة موسيقية، ألفها ريوبي للبيانو بطبيعة الحال، فالبيانو هو آلته الأساسية التي يعزف عليها، وهو الوسيط الذي ينقل من خلاله فنه إلى الجمهور. وألبوماته السابقة كانت كلها للبيانو أيضاً، ويُعرف ريوبي كعازف بيانو كما يُعرف كمؤلف موسيقي، واستطاع أن يحقق نجاحاً في كل من فن العزف وفن التأليف الموسيقي. ويختبر ريوبي في هذا الألبوم الجديد، تجربة التأليف للوتريات للمرة الأولى، حيث جعلها تصاحب البيانو في بعض المقطوعات.
وألبوم Thrive هو الألبوم الرابع في قائمة أعمال هذا الفنان، منذ أن بدأ مسيرته الإبداعية، ورحلته في هذه الحياة بصعوبة ومشقة، وتحد كبير ونجاح كبير أيضاً، لا يزال يسعى إلى تحقيق المزيد منه. وحكاية ريوبي الشخصية مثيرة كما هي موسيقاه، بل إنها ترتبط ارتباطاً كبيراً بهذه الموسيقى، ولا تنفصل عنها، فالموسيقى نابعة من المعاناة وكل نغمة من نغماتها هي وقوف في وجه هذه المعاناة، وانتصار على آلام وضربات الماضي، وإصرار على التقدم وتحسين الذات، وهي أيضاً مثال حي على قوة الإنسان الداخلية، التي تمكنه من التغلب على الكثير من الأمور.
رحلة النجاة بالنفس
وُلد ريوبي في فرنسا سنة 1983، ونشأ وتربى وسط أسرته التي تنتمي إلى جماعة منغلقة فكرياً، لا تسمح بالتفرد والاختلاف، وتمارس سلطتها على الأفراد بداية من غسيل الأدمغة، إلى خلق الشعور الدائم بالذنب في نفوسهم، إلى ألوان أخرى من الأذى النفسي والمعنوي، وربما الأذى الجسدي أيضاً. لكن في خضم هذا الجحيم، التقى ريوبي بالبيانو في طفولته، عن طريق صدفة صنعها القدر، حينما عثرت أسرته على بيانو ملقى في مكان من أماكن المهملات فأخذته، في ذلك الوقت سمع ريوبي صوت هذه الآلة الموسيقية، للمرة الأولى في حياته، عندما ضغط بإصبعه الصغير على مفتاح من مفاتيحه، وأحب ذلك الصوت، وشعر بالأمان إلى جوار هذه الآلة. وإلى الآن لا يزال يصف ذلك الشعور بالأمان الذي يحققه له البيانو، وما كان يحققه خلال سنوات الطفولة التي كانت غير سعيدة بالمرة.
بدأ ريوبي من الصفر وأخذ يعلم نفسه ذاتياً، ويكتشف الموسيقى والبيانو بمفرده تماماً، دون أن يتلقى أي دروس، أو أن ينال أي مساعدة من أحد في تلك الحقبة، بل إنه كان يُحرم من البيانو لفترات، وكان خلال هذه الفترات يعزف في ذهنه، ويحتفظ بالموسيقى داخل رأسه. وعندما بلغ الثامنة عشرة من عمره، وازداد رفضه للحياة التي يعيشها قرر الفرار والهرب، وترك أسرته وانتقل إلى إنكلترا، وهو أمر لم تسامحه عليه أسرته لسنوات طويلة، وتم حرمانه من أن يرى أشقاءه الصغار، أو أن يتصل بهم لخمسة عشر عاماً، ويروي كم كان الأمر صعباً ومؤثراً عندما التقى شقيقته الصغرى، التي تركها وهي في التاسعة من عمرها، فإذا به يراها أمامه امرأة ناضجة، ويجد هذا التحول الكبير، ويكتشف كم السنوات التي فاتت، دون أن يصاحبها ويتابع مراحل نضجها.

كان ريوبي وحيداً تماماً في رحلته نحو تحرره الفردي، واستقلاليته واعتماده على نفسه، إلى أن ساق له القدر من يكتشف موهبته ويوجهها إلى المسار السليم، لكن قبل الموعد الثاني مع تلك الصدفة القدرية، عمل ريوبي كثيراً وانتقل بين أكثر من مهنة كان عليه القيام بها، من أجل أن يحصل على ما يسد رمقه ويؤمن مكان نومه في البداية. ثم ادخر مالاً وسافر إلى أمريكا أملاً في الحصول على فرصة أفضل هناك، لكن الأمر كان أصعب وأكثر مشقة، فعمل في تنظيف الحمامات وتعرض للعنف والأذى، ثم رجع إلى إنكلترا مرة أخرى، وصار يتنقل بين المهن المختلفة من جديد. حتى وجد فرصة عمل كانت تمثل شيئاً رائعاً بالنسبة له في ذلك الوقت، وهي أن يكون بائعاً في محل آلات موسيقية، وكأن أعظم أحلامه قد تحققت بحصوله على هذه الوظيفة، فكان يباشر الزبائن، ويعزف على البيانو في أوقات فراغه عندما يكون المحل خالياً. لكنه رغم ذلك كان يعاني من الاكتئاب، وضغوط الماضي التي لا تزال تطارده، بالإضافة إلى ضغوط الحاضر والشعور بالضياع وعدم التحقق والخوف من المستقبل، وفي يوم من الأيام يدخل إلى المحل أستاذ في جامعة أكسفورد، ويجده يعزف مستغرقاً، وقد بدا عليه الحزن العميق، فيسأله الأستاذ، هل أنت بخير؟ ليرد ريوبي قائلاً: لا لست بخير، أريد أن أقتل نفسي. ثم ينتبه ويعتذر على الفور، ويشعر بالندم على ما قاله، وبالخوف على وظيفته التي قد يخسرها، فيطمئنه الأستاذ ويدعوه لتناول القهوة معه بعد انتهاء موعد العمل، ويذهب ريوبي إلى اللقاء الذي سيغير مسار حياته بالكامل، فقد ساعده هذا الأستاذ الجامعي في الحصول على منحة دراسية في جامعة أكسفورد، ومن هناك بدأ كل شيء يسير كما يجب أن يكون، وعمل ريوبي على أن يصل إلى المكانة التي تستحقها موهبته الموسيقية، وانتقل من عامل ينتقل بين شتى المهن، وعازف موسيقي في الشوارع أحياناً، إلى عازف بيانو مرموق ومؤلف موسيقي يحظى بالاعتراف والتقدير، ويقدم حفلاته الموسيقية في أضخم القاعات وعلى أهم مسارح العالم، ويوقع عقوداً مع شركات الإنتاج الموسيقي العريقة، التي لا تقوم بإنتاج الألبومات إلا للأسماء والمواهب المهمة حقاً.
حان وقت الازدهار
تُعرف موسيقى ريوبي بأنها موسيقى كلاسيكية معاصرة، وتتميز بجمالها وإيقاعها الجاذب وإن كان هادئاً، ويقول ريوبي إن السر وراء وجود هذا الإيقاع في أعماله، هو أنه كان يعتمد دائماً على العد، من أجل التغلب على التوتر والاكتئاب، إذ يقوم بعد أي شيء أمامه أو تقع عليه عيناه. كما أنه يحرص على ممارسة التأمل ويذكر ما يحققه له من فوائد نفسية وفنية كبيرة، وكثيراً ما تنطبع موسيقاه بهذه الروح التأملية، أو ربما تتحول الموسيقى نفسها إلى تأملات في أمور شتى، كالطبيعة مثلاً، أو القوة الداخلية الكامنة في أعماق الإنسان، أو تأملات في موسيقى السابقين العظماء واستلهام نغمة أو ثيمة أو جملة موسيقية من أعمالهم، والبناء عليها وتحويلها إلى موسيقى أخرى، وكل هذا نجده في ألبومه الجديد Thrive، والكلمة المختارة لعنوان الألبوم، هي عنوان أيضاً لمقطوعة من مقطوعاته، وهذه الكلمة التي تعني ازدهر وترعرع ونما، تعد فكرة رئيسية تتكرر في الألبوم وفي أكثر من قطعة.
قام ريوبي بتأليف مقطوعات هذا الألبوم طوال العامين الماضيين، متأثراً بتأملاته في القوة الداخلية للإنسان، التي تمكن الفرد من تخطي العقبات والتغلب على الصعوبات، والنجاة من الأشياء التي تهدده على اختلافها، والسعي إلى التطور نحو الأفضل. والمقطوعة التي تحمل عنوان Thrive هي المقطوعة الخامسة في الألبوم، وقد تم تصويرها بطريقة مبتكرة، كما هي العادة في تصوير أعمال هذا الفنان، فهي طريقة غير تقليدية على الإطلاق، في تصوير الأعمال الموسيقية، خصوصاً هذا النوع الذي يعد كلاسيكياً، وسط حطام السيارات يعزف ريوبي على البيانو، وتشاركه إحدى عازفات الكمان في عزف هذه المقطوعة الجميلة. تبدأ القطعة بتصاعدات موسيقية متلاحقة، حتى تأتي إلى ثلثها الأخير فتهدأ قليلاً، ثم نرى تحطم البيانو بينما ينام ريوبي فوق إحدى السيارات. ونجد في الألبوم بعض العناوين المرتبطة بالطبيعة مثل مقطوعة «ساكورا» الزهرة اليابانية المشهورة، ومقطوعة «تهويدة الزنبق» و»ذاكرة الماء» و»خلاصة النور» و»تسلق القمر» ومن أجمل مقطوعات الألبوم مقطوعة بعنوان «نوكتيرن» تم تصويرها أيضاً، وفي الفيديو يركض ريوبي في الشارع ركضاً مستمراً، مع امتدادات صوت البيانو، وارتعاشات الوتريات التي أضفت على المقطوعة حزناً ولوناً داكناً جذاباً، وفي نهاية الفيديو تظهر عبارة: حان الوقت لأن تزدهر.
كاتبة مصرية